مضيق هرمز السلاح الإستراتيجي الضائع وعين على مضايقنا وأسلحتنا الإستراتيجية الضائعة
4 ساعات مضت
كلمات الأعداد
44 زيارة
مُناجي محمد
كشفت حرب أمريكا على إيران حقيقة من الحقائق التي تكشفها الحروب، باعتبار الحرب هي لحظة الحقيقة العارية التي تتكشف فيها الحقائق الإستراتيجية والجيوستراتيجية المطوية والمخفية، فالحرب هي أفعل وأبلغ المختبرات في الإخبار عن ذلك، والحقيقة اليوم زمن حرب أمريكا على إيران هي حقيقة مضيق هرمز، من حيث هو ممر بحري حيوي شديد الخطورة وقفل خانق قاتل، والذي كشفت الحرب أنه يكاد يكون أقوى سلاح إستراتيجي في يد إيران الساعة!
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الحيوية والإستراتيجية لتجارة الطاقة ومن أخطرها، ويربط شمال الخليج بخليج عُمان وبحر العرب جنوبا، وتكسبه أبعاده الجغرافية خطورة إستراتيجية قصوى، فممره الملاحي الفعلي لحركة السفن والناقلات ضيق جدا، بالكاد يصل إلى ثلاثة كيلومترات في كل اتجاه، وتستخدم الناقلات ممرين ملاحيين، أحدهما للدخول والثاني للخروج، بعرض ثلاثة كيلومترات فقط لكل اتجاه وهي مساحة ضيقة للعبور، ما يجعل منه نقطة اختناق شديدة الحساسية وقفلا شديد الإحكام، ويسمح بالسيطرة التامة عليه لصاحب الرؤية المبدئية والقرار السياسي السيادي، ويزيد من خطورته الإستراتيجية انعدام البدائل له، رغم ما يقال من وجود خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات. لكن مراكز الطاقة وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تشير إلى أن “معظم الشحنات التي تعبر المضيق لا تملك بدائل أخرى للخروج من المنطقة”، فمضيق هرمز هو الشريان الحيوي الرئيس لناقلات النفط والغاز العملاقة المتجهة إلى أسواق آسيا والعالم، والقادمة من السعودية والكويت والعراق وقطر والبحرين والإمارات وإيران (نفط وغاز البلاد الإسلامية وثروة المسلمين المنهوبة!).
يعد مضيق هرمز أهم نقطة اختناق بحرية في العالم لتجارة الطاقة وأخطرها، فعبر مضيق هرمز يمر أكثر من ثلث النفط الخام المنقول بحراً لأنحاء العالم وتصل نسبته إلى 38% من الإمدادات النفطية العالمية، يمرعبره يوميا نحو 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات البتروكيماوية، ويُعد كذلك مركز الغاز المسال، حيث تعبره حوالي 20% إلى 33% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتعتمد عليه قطر بشكل كلي لتصدير شحناتها من الغاز لدول آسيا والعالم، وهو شريان الطاقة الرئيس للأسواق الأسيوية وعلى رأسها أكبر الاقتصادات الآسيوية مُمثلة في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، كما يعد المضيق شريانا حيويا لتجارة الأسمدة والمواد الكيماوية، ووفقا للبيانات والتقديرات في سنة 2026 يمر عبر المضيق ما بين 25% إلى 30% من صادرات الأسمدة النيتروجينية (اليوريا بالخصوص)، ثم المواد الكيماوية، ويشكل الكبريت أهمها فيعبر من المضيق ما يقارب 45% من تجارة الكبريت في السوق الدولية، وهو العنصر الرئيس في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، عطفا على الخامات والمعادن (الألمنيوم، والنحاس، والكبريت، والليثيوم والكوبالت)، وتأثيرها على سلاسل الإمداد لقطاع الصناعة والتكنولوجيا (حمض الكبريت واستعمالاته في أشباه الموصلات عصب التكنولوجيا)، ثم باقي البضائع التي تمر عبره. تصفه وكالة “رويترز” بمركز الثقل الحقيقي لأمن الطاقة العالمي، وأي اضطراب فيه يؤدي حتما إلى صدمة فورية للأسواق والتجارة. “يمر عبر المضيق نحو خمس الطلب العالمي تقريبا من النفط قادما من السعودية والإمارات والعراق وإيران والكويت، إلى جانب ناقلات تحمل الديزل ووقود الطائرات والبنزين وخامات ومنتجات أخرى”. المصدر رويترز.
الأمر الذي يجعل من مضيق هرمز رئة الاقتصاد الرأسمالي وشريان الحياة للصناعة والتكنولوجيا الرأسمالية عبر سلاسل توريد الطاقة والخامات لتشغيل مصانعها ومعاملها، وكذلك الأسمدة والكيماويات اللازمة للزراعة الرأسمالية التسويقية، عطفا على كونه شريانا حيويا للتجارة الرأسمالية، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري بل هو حقيقة سلاح ردع إستراتيجي يكاد يوازي أو يفوق سلاح الردع النووي، لأنه يصيب الاقتصاد الرأسمالي في مقتل، وتأثيره يطال صلب المنظومة الرأسمالية في اقتصادها، ومعها الدولة والمجتمع والحياة في الغرب والصين على السواء.
يمر من مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، وشبه إغلاقه تَسبَب في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار النفط، وأثار مخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية، ما دفع برؤساء شركات النفط الأمريكية الكبرى “إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس” إلى تحذير إدارة ترامب من أن أزمة الطاقة ستتفاقم مع استمرار إغلاق مضيق هرمز بحسب إفادة صحيفة وول ستريت جورنال، ونقلت الصحيفة كذلك عن مصادر مطلعة أن رؤساء الشركات الثلاث شاركوا في اجتماع في البيت الأبيض، وأجروا سلسلة محادثات مع وزير الطاقة ووزير الداخلية لتدارس تبعات إغلاق مضيق هرمز.
فمضيق هرمز هو العقدة والورطة الكبرى لأرعن أمريكا ترامب، الأمر الذي حطم حقيقة عنجهيته وصلفه، وليس ضرب قواعده ومنشآت عساكره في الخليج، فإغلاق المضيق هو الذي اضطَره للضغط على الصين ودول أوروبا والحلف الأطلسي لفك معضلة إغلاق مضيف هرمز، فقد طالب ترامب حلفاءه في الناتو وأوروبا بـالمشاركة في تحالف عسكري لفك إغلاق مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، وذلك منتصف مارس/آذار 2026، وذكر ترامب بالاسم الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، فقد صرح ترامب بأنه “طالب حوالي سبع دول تعتمد على نفط الشرق الأوسط بالانضمام إلى تحالف لفرض الأمن في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية”، وتحفَّظ الكل على طلبه، وهو حقيقة رفض مبطن، حتى إن هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست دعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها في الصراع الدائر مع إيران، مقترحة خيار “إعلان النصر والانسحاب” سبيلا وحيدا لكسر الجمود في مضيق هرمز. بل إن خيار الهجوم البري يرى فيه كثير من الساسة والقادة العسكريين الأمريكان كابوس فيتنام وأفغانستان ومستنقعا ساما مدمرا للدولة.
فمقتل الغرب ليس في تحطيم جيوشه ومعداته، ولكن مقتل الغرب الرأسمالي هو في تحطيم اقتصاده الرأسمالي، فالاقتصاد الرأسمالي هو قلب المبدأ الرأسمالي والمحرك الفاعل والمؤثر في المنظومة السياسية والرؤية الإستراتيجية للغرب، فقلب الغرب ورئته هما اقتصاده الرأسمالي، وجوهر الرأسمالية هي التجارة العابرة للقارات، فهي مصدر الربح والثروة الرأسمالية، والطاقة هي وقود محرك إنتاجها، ومقتلها هو في شل إنتاجها وتعطيل سلاسل التوريد عبر تعطيل إمدادات الطاقة عصب النشاط الاقتصادي الرأسمالي، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج ويتسبب تلقائيا بموجة التضخم المزمن، ومعه ارتفاع تكاليف المعيشة والاستهلاك، وضرب للقدرة الشرائية، ومعها مزيد من الاحتقان والتذمر والتمرد ضد المنظومة الرأسمالية، فالمضايق هي سلاح الردع الإستراتيجي للجم الغرب والتصدي لهمجيته الصليبية ووحشيته الاستعمارية متى كانت الدولة صاحبة الرؤية المبدئية والقرار السياسي السيادي، فيخرج من كونه أداة للمناورة والمفاوضة والمقايضة إلى سلاح للردع يمنع الاعتداء أصلا.
وهنا تكمن الخطورة الإستراتيجية للمضايق بوصفها ممرات حيوية وأقفالا قاتلة وأسلحة إستراتيجية عالية التدمير. فالمضايق البحرية هي شرايين التجارة الرأسمالية العابرة للقارات (نفط وغاز ومعادن وأسلحة وخامات وسلع وبضائع..) بل هي شرايين الحياة للاقتصاد الرأسمالي وشرايين حياة دوله ومجتمعاته، فالسيطرة عليها والتحكم فيها هو تحكم فعلي قوي في اقتصاد الغرب الرأسمالي، وهي نفوذ وتأثير ضاغط على الغرب دولا ومجتمعات متى وجدت الدولة المبدئية والقرار السياسي السيادي النابع من رؤيتها المبدئية علما أن المضيق جزء من سيادتها ومجالها الحيوي الإستراتيجي.
المفارقة الدامية أن مضيق هرمز هو جزء من الجغرافية الإسلامية، وخطورته الإستراتيجية كانت لتكون سلاحا إستراتيجيا لخدمة الإسلام وقضايا أمته، وليس مجرد أداة ضغط ومناورة ومقايضة وتوظيف زمن الحرب لمصالح وطنية ضيقة، وتشتد المفارقة قساوة متى عُلِم أن أخطر مضايق الأرض وأقفالها تنتمي للبلاد الإسلامية، وهي جزء من جغرافيتها الحيوية ومجالها الجيوستراتيجي، وهذه بعض من مضايقنا الحيوية وأسلحتنا الإستراتيجية ومكمن ثقلنا الجيوستراتيجي متى وجد الفاعل السياسي المبدئي:
*مضيق ملقا
فهناك مضيق ملقا بين ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، ويعد أقصر ممر مائي بين المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعله حجرًا أساسيًا في التجارة العالمية، حيث تمر عبره نحو 82 ألف سفينة سنويًا، ويمر عبره أكثر من 40% من التجارة العالمية، بما في ذلك 80% من واردات الصين من النفط الخام، وجزء كبير من إمدادات الطاقة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ما يجعل منه شريان الطاقة لدول آسيا واقتصاداتها الكبرى (الصين واليابان وكوريا الجنوبية)، ويعد معضلة جيوستراتيجية بالنسبة للصين، فهو عقدة النقل البحري لاقتصاد الصين، ما يعني أن السيطرة عليه والتحكم به يلزم منهما التأثير الفعال في دول آسيا الكبرى، وتحديدا الصين.
*مضيقا البوسفور والدردنيل
مضيقا البوسفور والدردنيل رئة البحر الأسود ومفتاح أوراسيا، فهما الممر البحري في قلب مدينة إسطنبول، يربطان البحر الأسود ببحر مرمرة وعبر الدردنيل ببحر إيجه وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط. وخطورته الإستراتيجية في كونه الممر البحري الوحيد الذي يربط آسيا بأوروبا ويربط بحارا مغلقة بأخرى مفتوحة، ويشكل المنفذ الوحيد لدول البحر الأسود، وهو بحكم الرئة التي تتنفس منها دول، منها روسيا وأوكرانيا وجورجيا ورومانيا وبلغاريا، ويُمكِّنُها من الوصول إلى المياه الدافئة،أي البحر الأبيض المتوسط والمحيطات العالمية، يمرّعبره أكثر من 40 ألف سفينة سنويا، وحوالي 3% من إمدادات النفط العالمية، وبخاصة النفط الروسي والكازاخي. ويشكل الممر الرئيس لصادرات الحبوب الأكرانية والروسية التي تغذي العالم. اختصارا هو الورقة الإستراتيجية الفعالة بيد صاحب القرار السياسي السيادي للتأثير في روسيا ودول حوض البحر الأسود وجزءحيويخطير من أوراسيا.
*مضيق باب المندب
يقع مضيق باب المندب بين شبه الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، ولا سيما جيبوتي وإريتريا، ويشكل ممرًا مائيًا ضيقًا يربط البحر الأحمر بخليج عدن ومن ثم بالمحيط الهندي، كما يعد مفتاح البوابة الجنوبية لقناة السويس بمصر، ويُعدّ المنفذ البحري المباشر الوحيد إلى قناة السويس والرابط الرئيس بين أوروبا وآسيا، ويعدّ شريانا حيويا للتجارة الرأسمالية العالمية بمعدل 10% إلى 12% من حجم التجارة العالمية سنويا، والسيطرة عليه والتحكم به يعني التأثير الفعال في حركة التجارة العالمية والسياسات المرتبطة بها، فأي حادث في مضيق باب المندب له التأثير المباشر على الأسواق العالمية عبر تعطيل سلاسل التوريد في القطاعات الحيوية الرئيسية ورفع تكاليف الخدمات اللوجستية، وهو ما ظهر جليا مع الحرب على غزة ونيرانها التي طالت البحر الأحمر ومضيق باب المندب وأغلقت معه البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما اضطَرّ الشركات الرأسمالية الكبرى للشحن البحري إلى تحويل مسارها عبر رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، وهي مسافة أطول بكثير، ما ضاعف تكاليف الشحن والتأمين ومعه تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والبضائع وما تبعه من تضخم…
*مضيق جبل طارق
مضيق جبل طارق نافدة على أوروبا وبوابة الغرب الإسلامي وأفريقيا، بمثابة قناة تربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، بين أقصى جنوب بلاد الأندلس المغتصبة وأقصى شمال غرب بلاد المغرب، ذو أهمية حيوية عالية. فوفقًا لهيئة ميناء جبل طارق يعبر المضيق سنويًا نحو 60 ألف سفينة تنقل سلعًا أساسية كالنفط والغاز الطبيعي والمواد الغذائية والسلع المصنعة، إضافة إلى ذلك يُعد جبل طارق أحد أكبر موانئ التزويد بالوقود وأكثرها ازدحامًا في البحر الأبيض المتوسط، أما عن أهميته الإستراتيجية وخطورته الجيوستراتيجية فيكفي أن يعلم أن بريطانيا الصليبية أقامت أخطر قواعدها البحرية على مشارفه “قاعدة جبل طارق البحرية البريطانية” التي تعد أخطر قاعدة لمراقبة التحركات البحرية في المنطقة والتجسس على التحركات البرية والجوية عبر تواجد الجيش البريطاني وسلاح الجو البريطاني في جبل طارق، تحت غطاء تقديم خدمات الإصلاح والإمداد والدعم اللوجستي. وكل هذا يعكس الأهمية الحيوية والخطورة الإستراتيجية والجيوستراتيجية لمضيق جبل طارق. والأمر متوقف على الفاعل السياسي المبدئي الذي يعيده لحضنه وجغرافيته الإسلامية كما كان ويقطع اليد البريطانية ويمنع كل يد من الوصول إليه، بل ويعود معه البحر الأبيض المتوسط بحرا لأسطول دولة الإسلام وخلافة المسلمين.
هذه بعض مضايقنا الإستراتيجية الضائعة وأهميتها الجيوستراتيجية المفقودة، فهي بحق مفاتيح العالم وأقفاله وفوق ذلك هي جزء من أرض الإسلام وجغرافيته الحيوية الإستراتيحية.
هذه الأهمية الحيوية والخطورة الإستراتيجية كشفتها الحرب الدائرة الآن ضد إيران، فبمجرد ما تم التلويح بإغلاق مضيق هرمز أعلنت شركات تأمين الشحن البحري باتفاق وإجماع بينها على سحب التغطية والتأمين للسفن والناقلات العابرة للمضيق بسبب مخاطر الحرب، فقد ذكرت وكالة “رويترز” أن كبريات شركات التأمين من بينها جارد وسكولد ونورث ستاندرد ونادي لندن للحماية والتعويض وذا أمريكان كلوب، في إشعارات بتاريخ أول مارس/ آذار على مواقعها الإلكترونية أن الإلغاءات يسري مفعولها اعتبارا من الخامس من مارس/ آذار، كما علّقت شركات شحن الحاويات الكبرى بما فيها ميرسك وهاباج لويد عمليات النقل عبر مضيق هرمز، ما شل حركة ناقلات النفط وتسبب في تعطيل إمدادات الطاقة والخامات وشل الحركة التجارية عبر المضيق، كما حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب مع إيران وما يصاحبها من اضطرابات في إمدادات الطاقة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي على مستوى العالم، وذلك في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز لمدة طويلة وكالة رويترز 19/03/2026. علاوة على ذلك توقع بنك غولدمان ساكس استمرار ارتفاع أسعار النفط، ويقدر البنك أن سعر خام برنت قد يتجاوز أعلى مستوى تاريخي له عند حوالي 147 دولارًا للبرميل الذي سجله عام 2008 إذا استمرت اضطرابات الإمداد وإغلاق المضيق. وتبعًا لذلك تتصاعد أسعار الغاز والكهرباء ومعها فاتورة الطاقة للشركات والحكومات على حد سواء، ما يضغط على إنتاج الشركات ويعقّد القرارات المتعلقة بميزانيات الدول الرأسمالية بالخصوص. لهذا السبب بدأت أوروبا التي تعاني أزمة طاقة حادة جراء الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات على النفط والغاز الروسي والتي تفاقمت واستفحلت مع هذه الحرب، تتوقع الصدمة وتتوجس الكارثة، وعكس ذلك مراجعة أوروبا سياسات تخزين الغاز وخوفها الحقيقيً بشأن احتمال انقطاع الإمدادات، وهكذا يعود شبح أزمة طاقة عالمية جديدة للظهور، وقد كان هذا الأمر ضاغطا على حكومات أوروبا، ما دفعها إلى الاستجابة لرأسماليتها وأسواقها الرأسمالية وحسابات بنوكها في طلب التهدئة وعدم الانخراط في حرب ترامب وتحالفه، فالكلفة الرأسمالية لإغلاق مضيق هرمز عالية جدا وعلى أوروبا بالخصوص، والعرف الرأسمالي الغربي المأثور أن “رأس المال جبان”.
فحرب إيران باتت ورطة ترامب العسكرية كما كانت ورطة أفغانستان والعراق لمن سبقه، إلا أن انكشاف أمريكا ترامب في حرب إيران كان سريعا وصادما، وهو يكشف حجم تدهور الغرب وسوس الانهيار الحضاري الذي ينخر أحشاءه ودولته الأولى. ولقد شكل مضيق هرمز وتبعات إغلاقه الجزئي ضربة صاعقة لأمريكا والغرب بمجمله،فأوروبا تعيش الساعة كابوس الكساد الكبير جراء اعتمادها الكلي على نفط الخليج وتحديدا بعد الحرب الروسية/الأوكرانية وتوقف إمدادات الطاقة الروسية جراء العقوبات.
فلقد كشفت الحرب أوراق القوة الضائعة من أيدي المسلمين جراء فراغ الدولة، والتأثير المدمر الفعال لبعض هذه الأوراق على الاقتصاد الرأسمالي الغربي صلب المنظومة الرأسمالية الغربية، عبر مصادر الطاقة ثروة المسلمين بامتياز، وعصب الإنتاج الصناعي للغرب وزراعته التسويقية والتكنولوجيا والشحن ومواصلات التجارة الرأسمالية الغربية، ثم امتلاك المسلمين لمفاتيح البحار والمحيطات وأقفالها، وهي الشرايين الحيوية للطاقة والخامات والمعادن والبضائع الضرورية للصناعة والتكنولوجيا والفلاحة المتعلقة بسلاسل الإمدادات والموصلات لتجارة الغرب الرأسمالي.
فحرب أمريكا ترامب على إيران أكدت الحقيقة العارية؛ أن القضية مع الغرب ليست عسكرية ولكنها سياسية بامتياز، والغرب يوظف فراغ الدولة الذي نعاني منه لتحويل ورطته العسكرية لمخرج سياسي منها، وهو ما يجري اليوم عبر فتح نافذة المفاوضات مع حكام إيران للخروج من الورطة العسكرية.
فقضيتنا المصيرية في القرار السياسي المبدئي (الدولة المبدئية) التي تُفَعِّل أوراق القوة التي هي ملك للمسلمين في ردع الغرب وشل حركته، علما بأن الغرب يعيش حالة انهيار حقيقية، وأي حرب حقيقية مع إحكام القبضة لخنقه وإغلاق كل الشقوق والمنافذ لخروجه من ورطته كفيلة بإنهاكه واستنزافه بل وإفنائه، والأمر متوقف على الفاعل الحقيقي، خليفة المسلمين، وصاحب القرار السياسي المبدئي السيادي.
فحرب أمريكا على إيران كشفت حقيقة أوراق القوة الإستراتيجية والجيوستراتيجية الضائعة التي يملكها المسلمون ويستغلها عدوهم الغرب الكافر ويوظفها ضدهم، جراء غياب الدولة الذي يعاني منه المسلمون. فغياب الدولة الذي تعاني منه الأمة والجغرافية الإسلامية هو الثقب الأسود الجيوستراتيجي والإستراتيجي الذي ضاعت معه طاقات الأمة الحية وقواها الحيوية وأوراق قوتها الإستراتيجية، بل تحولت أوراق قوتها بغياب الدولة التي تنتزع هذه الأرواق وتعيدها لأصلها الإسلامي، إلى نقمة وشر وسلاح يستخدم ضدنا وليس لنا.
هي طاقتنا ومضايقنا وأسلحتنا الإستراتيجية الضائعة في زمن ضياع دولة الإسلام، ولن تعود لنا إلا بهدم هذا الواقع الاستعماري وردم هذا الثقب الأسود الجيوستراتيجي والجيوسياسي عبر إقامة دولة الإسلام على أنقاضه وفوق ردمه.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
1447-11-01