السقوط الحضاري
ساعتين مضت
المقالات
22 زيارة
يشبه فلاسفة التاريخ الحضارة بالسلم المتهالك، كلما صعدت لأعلى، سقطت درجة من درجاته، فإذا سقطت من ارتفاع منخفض لن تصاب بأذى، لكن إذا صعدت عدة درجات ستكون تبعات السقوط أخطر، وإذا وصلت لارتفاع محدد سيكون أي سقوط مميتاً، غير أن انهيار المجتمعات الحديثة ليس أمرا حتمياً، ورغم أن الأدلة التاريخية ترجح قرب انهيارها، فلا تزال أمامنا فرصة لنأخذ العبرة من مصائر المجتمعات السابقة.
ويجمع فلاسفة التاريخ الذي تناولوا ما سموه (التعاقب الدوري للحضارات)، على أن العوامل الداخلية تعد أهم الأسباب الرئيسة في اضمحلال الحضارات وتآكلها ثم سقوطها أخيراً، إذ إنها تقضي على مناعة الجسم المجتمعي، فتذره حِمىً مستباحاً للتدخل الخارجي الذي يأتي ليشكل الضربة القاضية، أو المسمار الأخير في نعش الحضارة، وإن مَثَلَ الجسم المجتمعي في ذلك، مَثَل الجسم البيولوجي الذي تتكالب عليه الفيروسات والبكتيريا عندما يختل جهازه المناعي، حتى تقضي عليه في النهاية.
ولقد أتى القرآن الكريم بما يؤكد مسؤولية العوامل الداخلية عن الانحطاط الذي يصيب المجتمعات، إذ إنها تفتك بجهاز المناعة المجتمعي فتجعله قابلاً لإتيانه من قبل الخارج، وذلك من مثل قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([1])، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([2])، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([3]).
وجاءت السنة النبوية أيضاً بما يعزو انهيار المجتمعات إلى العوامل الداخلية، كما في حديث النبي ﷺ عن القوم الذين استهموا على السفينة، وحديثه ﷺ: (كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثُغَرِ الْإِسْلَامِ، اللَّهَ اللَّهَ لَا يُؤْتَى الْإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكَ)([4])، وكل هذه الآيات والأحاديث ونظائرها تشير، إلى المسؤولية المباشرة للأفراد والمجتمعات عن انهيار الحضارات، وتقهقر الدول، وانطفاء سَورَة العصبيات. أما العوامل الخارجية، فمهما كانت عليه من القوة والإمكانيات، فلا يمكن أن تؤتي أكلها ما لم تكن الحالة الداخلية للمجتمع المعني مواتية.
ويعد المفكّر المسلم عبد الرحمن بن خلدون (توفي عام ٨٠٨هـ) أول من نظَّر لمسألة السقوط الحضاري فلسفياً، وذلك عندما حدد في مقدمته أطوار الدولة بخمسة أطوار، تبدأ من الطور الأقوى فالأقل قوة، إلى أن تضعف وتتآكل، ثم تترنح، فتسقط بفعل عوامل ذاتية بحتة.
يقول الأستاذ خالد فؤاد طحطح في كتابه (في فلسفة التاريخ): “يُعد ابن خلدون مبتدع نظرية التعاقب الدوري للدول في تاريخ الفكر الإنساني، من حيث بعدها الاجتماعي والفلسفي العام، فلقد توصل إلى الاقتناع بفكرة التعاقب في الحضارة (الدولة عنده)، وقارن في دائرية التغيير بين الإنسان والمجتمع”، ويضيف: “فللمجتمعِ عنده عمر يمر به كعمر المرء الذي يولد، ثم يكتمل نموه، ثم يهرم ويموت، وعلى هذا الأساس، تمر الدولة بالمراحل التالية: بداوة ازدهار تدهور”.([5])
ومن بعد ابن خلدون جاء فلاسفة آخرون، اقتفوا أثره في القول بنظرية التعاقب الدوري للحضارات، وبالدور الكبير الذي تؤديه الانقسامات والفتن الداخلية في تمزيق المجتمعات، وجعلها نهباً للطامعين فيها، من أبرزهم: باتيستا فيكو (توفي عام 1744م) وأوزفالد اشبنجلر (توفي عام 1936م)، وأرنولد توينبي (توفي عام 1975م).
يُرجع (توينبي) مثلاً، انحطاط الحضارات والدول وانهيارها إلى عوامل ذاتية داخلية في المقام الأول، وما العوامل الخارجية عنده إلا استغلال للعوامل الداخلية التي تمهد السبيل وتوطئ الأرض للعوامل الخارجية لكي تُجْهز على الدولة والأمة والحضارة، ويرى أن من أبرز العوامل الداخلية للانهيار، فشلَ الحكومات في الاستجابة المناسبة للتحديات القائمة المتأتية أساساً من العوامل الداخلية.
يقول الأستاذ خالد فؤاد طحطح في كتابه المذكور آنفاً: “وهكذا يفسر توينبي انهيار الحضارات بتحلل المجتمعات من الداخل قبل أن يأتيها غزو من الخارج ليجهز عليها، ذلك أن الغزو الخارجي في مثل هذه الحالة يمثل الضربة القاضية في مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لذا يمكن القول إن أية حضارة من الحضارات، أو دولة من الدول، لا يمكن أن تنهار من الخارج، دون أن تكون قد تآكلت من الداخل، إذ لا يمكن بحال من الأحوال قهر أية إمبراطورية من الخارج، إذا لم تكن قد انتحرت”.
ويتحدث الكاتب محمد حسنين هيكل في كتابه الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق عن الولايات المتحدة الأمريكية فيقول: (ومع أن السياسة الأمريكية في هذه اللحظة تبدو أمام العرب عاصفة من العنف الأحمق والجامح إلا أن ذلك لا ينبغي أن يخيف ويغرى بالفرار، لأن واحداً من أهم دروس التاريخ: أن الإمبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذُرّى العالية، ثم تكتشف عند الوصول هناك أن البقاء فادح التكاليف، وعندها تظهر حتمية النزول، لكن الإمبراطوريات تعاند وساعتها يبلغ العنف مداه، وذلك ما حدث لكل الإمبراطوريات سابقاً، منها الإمبراطورية الرومانية في العالم القديم. والواقع أن الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ لا يهزمها خصومها في صراعات مباشرة إلى النهاية، وإنما تتولى هي هزيمة نفسها بالإفراط في استعمال القوة وفي الغرور، إذ تعجز عن مسايرة التطور وتتصور قدرتها غالبة إلى الأبد).
والمتأمل حال العالم الغربي والأنظمة الرأسمالية اليوم يجد أنها تعيش في مشكلات داخلية بدأت تظهر على السطح وتطفو، وتشهد تغيرات وتحولات كبيرة بسبب الأزمة المالية التي نتجت من انخفاض أسعار النفط وانتشار جائحة كورونا، فضلاً عن كونها مجتمعات قائمة على الفكر الفردي والنظرة المادية، فالرأسمالية تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، وهذه الفكرة هي عقيدتها، وعلى أساس هذه القاعدة الفكرية كان الإنسان هو الذي يضع نظامه في الحياة، ولهذا كان لابد عندهم من المحافظة على الحريات للإنسان، وهي حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية الملكية والحرية الشخصية.
والديمقراطية التي أخذ بها هذا المبدأ آتية من جهة أن الإنسان هو الذي يضع نظامه، ولذلك كانت الأمة عنده مصدر السلطات، فهي التي تضع الأنظمة، وهي التي تستأجر الحاكم ليحكمها وتنزع الحكم منه متى أرادت، وتضع له النظام الذي تريد، لأن الحكم عندهم عقد إجارة بين الشعب والحاكم ليحكم بالنظام الذي يضعه له الشعب ليحكمه فيه.
فأحداث أميركا والعالم الغربي تدعونا للتساؤل: هل وصلت الرأسمالية والعالم الغربي إلى مرحلة السقوط الحضاري والانهيار؟ وهل ستكون معارضة الشعب الأميركي لسياسات حكوماته أحد العوامل الداخلية التي تؤدي إلى ضعف أمريكا وانكماش نفوذها وانحساره في العالم والشرق الأوسط تحديداً؟ ولو فرضنا ذلك: من هي القوى المرشحة للدخول بنفوذها إلى الشرق الأوسط بدلاً من أمريكا؟ أم سيعود الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى قيادة العالم بما لديه من عقيدة ينبثق منها نظامها فتستطيع أن تحقق السعادة للبشرية، بعد أن طغت الروح المادية على العالم وانهارت القيم الأخلاقية؟
بالتأكيد العالم اليوم يحتاج إلى من يحمل مشروعاً حضارياً مبنياً على عقيدة ينبثق منها نظامها، تكون له القدرة على حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأمة، ويعمل على توحيدها تحت راية الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المصادر:
-
(جريدة الرياض السبت 21 رمضان 1435 هـ – 19 يوليو 2014م – العدد 16826) سقوط الحضارات: التآكل يبدأ من الداخل.
-
-
خالد فؤاد طحطح، في فلسفة التاريخ.
-
محمد حسنين هيكل، الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق.
([1]) سورة آل عمران، الآية رقم (165).
([2]) سورة الرعد، الآية رقم (11).
([3]) سورة الأنفال، الآية رقم (53).
([4]) أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي، السنة، تحقيق: سالم أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ، ص 13.
( [5]) (الوعي: كلام ابن خلدون عن أعمار الدول وصعودها وسقوطها لا علاقة له بقضية نشوء الحضارات وصعودها وانحدارها وزوالها. فكلامه هو عن الدول التي يرى – ورأيه فيه نظر ونقاش- أنها لا تتشكل إلا بالعصبيات. فالدولة عنده هي عهد حكم أسرة أو عصبية، كالدولة الأموية والدولة العباسية والدولة السلجوقية والدولة الأيوبية… ونشوء هذه الدول وصعودها ثم انحدارها وزوالها لا يعني البتة نشوء حضارة وزوالها، فهذه الدول المذكورة كلها إنما نشأت وصعدت وتهاوت في كنف الحضارة الإسلامية التي لم تتأثر بالضرورة بنشوء دولة وسقوط أخرى. وعليه فالدول في اصطلاحه هي عهود الأسر الحاكمة وليست الحضارة ولا حتى الدولة بمفهومها المعاصر.)
1447-11-01