اختراقٌ لا يُقاس بعدد العملاء بل بعمق الوصول
3 ساعات مضت
المقالات
35 زيارة
لم يبقَ الحديث عن الاختراق الاستخباراتي (الإسرائيلي) لإيران وحلفائها مجرّد تهمة دعائية في سجالٍ سياسي، بل صار يُقرأ في نتائج العمليات نفسها: دقة الوصول، وتوقيت الضربات، ونوعية الأهداف. فحين تتمكن دولةٌ من اصطياد قادة الصف الأول مرارًا، وفي أماكن يُفترض أنها الأكثر تحصينًا وسرية، فإن السؤال اليوم ليس: هل يوجد اختراق؟ بل: ما حجم هذا الاختراق، وأين تنتهي دوائره؟ وفي هذا السياق، تتردد على نطاق واسع تصريحات منسوبة إلى الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، قال فيها إن إيران أنشأت وحدةً لمكافحة اختراق الموساد، ثم تبيّن -بحسب روايته- أن رئيس تلك الوحدة نفسه كان عميلًا للموساد، مع حديثه عن عناصر آخرين داخل البنية نفسها. هذه الرواية، سواء نظرنا إليها بصفتها اعترافًا صادمًا أو بصفتها مؤشرًا على صراع داخلي، تكشف شيئًا أخطر من مجرد “وجود جواسيس”: إنها تطرح احتمال اختراق أدوات مكافحة الاختراق ذاتها. ما جرى في لبنان عزّز هذا المعنى بقوة. فقد أظهرت تقارير دولية أن اغتيال حسن نصرالله جاء ضمن سلسلة ضربات أصابت الصف العسكري الأعلى في حزب إيران، مع حديثٍ عن قتل ثمانية من أصل تسعة من كبار القادة العسكريين خلال مدة قصيرة، وعن امتلاك (إسرائيل) “معرفة آنية” باجتماع القيادات. هذا المستوى من الإصابة ليس مجرد تفوق ناري؛ إنه في جوهره تفوق معلوماتي، أي نجاح في الاختراق والتتبع والبناء الاستخباراتي طويل النفس.
ثم تأتي المقارنة الكاشفة مع يحيى السنوار. فرغم أنه كان الهدف الأول لكيان الاحتلال، ورغم مطاردةٍ مكثفة استمرت أكثر من عام، فإن روايات الكيان نفسها -كما نقلتها رويترز- تقول إن القوة التي قتلته لم تكن تعلم ابتداءً أنها واجهت السنوار، وأن مقتله لم يكن نتيجة ضربة مخططة وموجهة استخباراتيًا على غرار اغتيالات قادة آخرين. هنا يظهر الفرق بين هدفٍ محميّ باحتياطات ميدانية صارمة، وبين بيئاتٍ يبدو أن طبقاتها الأمنية قد نُخرت من الداخل.
واليوم، ومع التقارير المتسارعة عن مقتل قيادات إيرانية بارزة في الضربات الأخيرة، بل ومقتل المرشد الأعلى نفسه في الضربات الافتتاحية للحرب، فإننا نرى أن ما يحققه الكيان الصهيوني في هذه المواجهات لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ثمرة “تفوق عسكري” مجرّد، بقدر ما هو ثمرة اختراقٍ استخباراتي عميق، يتغذّى على نفوسٍ ضعيفة تبيع المعلومة بثمنٍ بخس، فتفتح للأعداء أبوابًا ما كان السلاح وحده ليفتحها. ومن هنا تتولد غطرسة كيان يهود في المنطقة؛ إذ يرى أن الطريق إلى الرؤوس والدوائر الحساسة صار أقصر من ميادين القتال نفسها. غير أن المشهد لا يكتمل دون رؤية الوجه الآخر للمسألة: فالنظام الإيراني الذي طالما أسهمت سياساته في إخضاع الأمة لمقتضيات الخطط الأمريكية، وجرّع شعوبها مرارات التمزيق والاستنزاف في سوريا والعراق واليمن ولبنان وغيرها، ها هو اليوم يتجرّع الكأس ذاتها؛ كأن سنن السياسة والتاريخ تعود إليه بما صنعته يداه، ليذوق نتائج المسارات التي أضعفت الأمة وفتحت المجال واسعًا للعدو كي يتمدد، لا بقوة الحديد وحده، بل عبر شقوق الداخل قبل حدود الجبهات.
1447-09-25