العدد 414-415-416 - السنة الخامسة والثلاثون – رجب وشعبان ورمضان 1442هـ – شباط وآذار ونيسان 2021م

إكرام الله سبحانه لأهل نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم دافع للقيام بواجب النصرة اليوم

يـوســف أبـو مصعـب

الأرض المباركة فلسطين

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: « فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ»، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟»، قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: «أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ» َقالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ:« أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» قَالَ : فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقُوا» (رواه أحمد).

ينطوي الحديث السابق على بيان بفضل الأنصار على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان مدى حبه وتقديره لهم لما قدَّموه في خدمة الإسلام ونصرة دعوته والتمكين له وتثبيت أركانه، فقال: « أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ» وقال: «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ».

لقد قدم الأنصار لهذه الدعوة ما أبت قريش وزعماؤها وقبائل العرب وقادتها تقديمه، والذين قصدهم النبي عليه الصلاة والسلام من قبل بحثًا عمن ينصر هذه الدعوة ورسولها، ويجعل من أرضه مرتكزًا لدولة الإسلام الأولى ومن نفسه سندًا وناصرًا لها. فبهم نصر الله الدين، وأقيمت دولته، وأصبح للمسلمين المستضعفين من يدفع عنهم أذى المشركين ويرد عنهم كيد المنافقين. فإن كان المهاجرون أول من صدَّق وآمن، فإن الأوس والخزرج (الأنصار) هم أول من آوى ونصر، فكان فضلهم على المسلمين عظيمًا استحقوا به كل هذا الرضى والمديح من الله ورسوله والمؤمنين.

فقد امتدحَهم الله في كتابه، وأثنى عليهم، وقارنهم بالمهاجرين، فقال سبحانه: (وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠).

وقال تعالى أيضًا: (وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩).

لقد بلغ حبُّ النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار مبلغًا عظيمًا حتى تمنَّى أن لو كان واحدًا منهم، وقد بوَّب البخاري في صحيحه: (باب: حبُّ الأنصار من الإيمان). والأحاديث التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم فيها على الأنصار مشيرًا إلى فضلهم ومنزلتهم كثيرة، منها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شِعبًا لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امْرأً من الأنصار» فقال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه» (رواه البخاري).

جعل النبي صلى الله عليه وسلم حبَّهم علامةً على الإيمان، وبغضهم أمارةً على النفاق، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية الإيمان حبُّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (رواه البخاري).

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (رواه البخاري).

قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأيام أوصى بهم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية بردٍ، قال: فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرشي وعَيْبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (رواه البخاري).

ويكفي في فضلهم وحبِّ النبي صلى الله عليه وسلم لهم دعاؤه بالمغفرة لهم، ولأبنائهم، وأبناء أبنائهم، ونسائهم، فعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار» (رواه البخاري).

والأنصار اسم سَمَّى الله به الأوس والخزرج وحلفاءهم في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وإنما سُمُّوا الأنصار لنصرتهم للإسلام ولرسوله؛ ولذلك تمنَّى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسب إلى نصرة الدين لولا مانع الهجرة، وهذا يدلُّ على عظيم منزلتهم وفضلهم في كونهم إنما نسبوا لأمر عظيم؛ وهو نصرة دين الإسلام. وأشهر الأنصار -رضي الله عنهم- سعد بن مُعاذ، وسعد بن عُبادة، وأُبي بن كعب، ومُعاذ بن جبل، وأسيد بن حضير، والبراء بن معرور، وأسعد بن زرارة، وأنس بن النضر، وأنس بن مالك، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وابنه جابر بن عبد الله -رضي الله عنهم أجمعين.

هؤلاء هم الأنصار أهل الكرم والبذل والسخاء، فقد جادوا بمهجهم وأرواحهم وأبنائهم وأموالهم في سبيل نصرة الدين وإعزازه، فقد والَوا وعادَوا في هذا الدين، ومن أجله قطعوا علائقهم بالبعيد والقريب، ورمتهم العرب بسبب هذه النُّصْرة للدين عن قوس واحدة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

فهؤلاء الأوس والخزرج ومعهم سادتهم وقادتهم يسارعون بلا تردد ولا إبطاء، وبلا شرط أو قيد، فيبايعون النبي على الإسلام في العقبة الأولى، ثم جاءوه يبايعون على النصرة في العقبة الثانية.

روى الإمام أحمد بسنده عن جابر قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: «من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة» حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر كذا قال فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنْك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يُظهرون الإسلام ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك، قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» قال: فقمنا إليه فبايعناه.

وهذا الصحابي سعد بن معاذ رضي الله عنه، الأوسيُّ الأنصاريُّ الأشهليُّ، صحابيٌّ من أهل المدينة، سيدُ الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير الذي أوفده الرسول صلى الله عليه وسلم للدعوة في المدينة قبل الهجرة، قال ابن إسحاق: «لما أسلم وقف على قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلًا، وأيمننا نقيبةً، قال: فإن كلامكم عليَّ حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا». 

وعندما خرج المسلمون إلى بدر لملاقاة المشركين واستشار النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار، قال سعد: «آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ماجئت به هو الحق، وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يارسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلَّفَ منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدًا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقرُّ به عينك، فسرْ بنا على بركة الله». فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله، وحمل سعد لواء الأوس في المعركة وأبلى بلاءً حسنًا.

أصابه في الخندق سهم في ذراعه فقطع أكحله (عرق من وسط الذراع) فقال سعد: «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذَّبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظة»، ولما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة طلبوا منه أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا مواليه وحلفاءه في الجاهلية. فجاء سعد رسول الله مستندًا على حمار له، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: «قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه فأنزلوه» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «احكم فيهم» قال: «فإني أحكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري»، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله، فلما قتل آخر رجل منهم انفجر الدم من عرقه»، واحتضنه النبي صلى الله عليه وسلم: «فجعلت الدماء تسيل على رسول الله وجعل أبو بكر وعمر يبكيان ويسترجعان» وتوفي على إثرها فحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسيله ودفنه، ولما انصرف من جنازته ذرفت دموعه حتى بلَّت لحيته، وندبته أمه فقال صلى الله عليه وسلم: «كل نادبة كاذبة إلا نادبة سعد». وأهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب حرير جعل الصحابة يتعجبون من لينه وحسنه، فقال صلى الله عليه وسلم: «مناديل سعد في الجنة أحسن من هذا». توفي وهو ابن سبع وثلاثين سنة، بعد 6 سنوات في الإسلام نال بها هذا المقام الرفيع.

قال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن الحسن البصري، قال: كان سعد بادنًا، فلما حملوه، وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنًا، وما حملنا أخف منه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن له حمَلة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش».

وهذا ابن خالته (أسعد بن زرارة) رضي الله عنه، الأنصاريُّ الخزرجيُّ النجاريُّ، قديمُ الإسلام، أسلم باكرًا وشهد العقبتين، وكان نقيبًا على قبيلته، ولم يكن في النقباء أصغر سنًّا منه، ويقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة.

قال ابن إسحاق: «فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعوده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا».

قال: «أمن موالي يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيًّا مبعوثًا الآن قد أظل زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلمَّا كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله. قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنَّكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدَّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعنهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا. قال أبو نعيم إنه – أي أسعد بن زرارة – أول من أسلم من الأنصار من الخزرج.

كان يسعى مع سيدنا مصعب بالمدينة، ويتضح ذلك في قصة إسلام سيدنا أسيد بن حضير وسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنهما وعنه وعن صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم جميعًا.

كان عميق الفهم مذ حداثة سنه، ويظهر ذلك من موقفه في بيعة العقبة الثانية، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فقمنا نبايعه -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله عز وجل، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر عند الله، قالوا: يا أسعد بن زرارة أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا يأخذ علينا بشرطه العباس ويعطينا على ذلك الجنة.

ذكر الواقدي أنه مات على رأس أشهر من الهجرة رواه الحاكم في المستدرك من طريق الواقدي عن أبي الرجال، وفيه جاء بنو النجار فقالوا: يا رسول الله مات نقيبنا فنقب علينا، فقال: «أنا نقيبكم» .

وقال البغوي إنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وإنه أول ميت صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وروى الواقدي من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة، وهذا قول الأنصار.

وأُسَيْدُ بن حُضَير بن عبد الأشهل الأنصاريُّ رضي الله عنه، فارس قومه ورئيسهم، فأبوه زعيم الأوس، وواحد من كبار أشراف العرب في الجاهلية. يُعدّ أسيد رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، وكان إسلامه رضي الله عنه على يد مصعب بن عمير  قبل سعد بن معاذ -رضي الله عنهم أجمعين.

ذهب أسعد بن زرارة يومًا ومعه مصعب بن عمير إلى بستان من بساتين بني عبد الأشهل، أحد بطون الأوس، فجلسا فيه، واجتمع حولهما عدد من الذين أسلموا، فرآهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وهما يومئذ سيِّدا بني عبد الأشهل، ومن سادة الأوس أيضًا، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهم، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدُقِ الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف عليهما متشتِّمًا فقال: ما جاء بكما إلينا تسفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوَتجلس فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت، ثم ركَّز حربته، وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لقد عرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهُّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين. قالا له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين. ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتَّبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلًا، قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، فقام سعد مغضبًا مبادرًا؛ تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيتَ شيئًا، ثم خرج إليها فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فكان معه ما كان مع أسيد رضي الله عنه.

كان لأسيد بن حضير موقف عظيم مع الرسول عليه الصلاة والسلام لما بلغه مقالة عبد الله بن أبي حين إقفاله من غزوة بني المصطلق، قال ابن إسحاق: فلما استقلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالجيش) وسار لقيه أسيد بن حضير فحيَّاه بتحية النبوة وسلَّم عليه ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة (وقت الظهيرة) ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوما بلغك ما قال صاحبكم؟» قال: وأيُّ صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله بن أُبَيّ قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ» قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت، وهو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، اِرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوِّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا.

 هذه بعض مواقف للرجال الذي نصروا الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، فكان لهم السبق في إعطاء النصرة لإقامة دولة الإسلام الأولى، فحقَّق الله على أيديهم مراد نبيه عليه الصلاة والسلام، وهي تنطق بفضلهم ومكانتهم، وهي تزيل الغرابة عن تلك المكانة التي نالوها عند الله ورسوله والمؤمنين.

إن هذا الفضل لهو حافز لكل صاحب قوة من المسلمين اليوم أن يفعل كما فعل الأنصار الأوائل، وأن ينصر الدين ودعاة الخلافة – حزب التحرير – كما نصر الأوس والخزرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأقاموا دولة أصبحت ملء سمع الدنيا وبصرها لقرون عدة.

إن الأمة الإسلامية اليوم وهي تعيش في أسوأ أيامها وبعد مائة عام هجرية على هدم دولة الخلافة، تتلمَّس طريقها نحو الخلاص من الحكم الجبري الذي يجثم على صدرها وتتطلع إلى اللحظة التي تستعيد فيها سلطانها فتحكم بكتاب ربها وسنة نبيها، وتستعيد مكانتها التي أرادها الله لها «خير أمة أخرجت للناس»، هذه الأمة المكلومة المنكوبة فيها حزب مخلص حمل على عاتقه الوصول إلى الغاية، وهو يقودها في مشروعها لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ويبحث بين أهل القوة من المسلمين من ينال شرف نصرة هذا الدين فيرضى عنه ساكنو الأرض والسماء، ويخلد اسمه في سجل الشرف كما خلدت أسماء الأوائل من الصحابة الكرام.

فإلى ذلك الشرف الرفيع والمقام الكريم الذي ينتظركم ندعوكم أيها القادة والضباط في بلاد المسلمين، ولا تخشوا إلا الله، وعليه توكلوا وهو ناصركم، قال تعإلى: (إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ).

 والحمد لله رب العالمين. 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *