العدد 295-296-297 -

العدد 295-296-297 – السنة السادسة والعشرون، شعبان ورمضان وشوال 1432هـ

ثورة ليبيا وهاجس الخلافة

ثورة ليبيا وهاجس الخلافة

أحمد إبراهيم خضر

أحمد إبراهيم خضر من الكتاب القلائل الذين توصلوا بفكرهم إلى معرفة حقيقة الموقف الدولي من الإسلام، وحدد طبيعة الصراع الدولي أنه بين حضارتين: غربية آيلة إلى الانهيار، وإسلامية تلوح بشائرها في الآفاق؛ فكان علامة فارقة تستحق كتاباته الوقوف عندها. ومن بين هذه الكتابات هذا المقال الذي يتكلم فيه بإجادة، ونحن ننقله مع بعض التصرف، ولكن للأمانة نذكر في آخره رابط الموضوع.

يقول “جاي تولسون” أحد الكتَّاب الأمريكيين البارزين في شؤون الثَّقافة والفكر والدين، وهو يكتب حاليًّا في مجلة U.S. News & World Report. وكان رئيسًا لتحرير The Wilson Quarterly وكتب في عدة صحف ومجلات أخرى، أبرزها “الواشنطن بوست” و “وول ستريت جورنال” الآتى:

 “إن الخلافة الإسلامية فكرة عميقة الجذور في الذَّاكرة الثقافيَّة للعالم الإسلامي، ووُجدتْ في أشكال مختلفة على مدى ألف وثلاثمائة عام تقريبًا، وامتدَّتْ سلطة الخلافة عبر ثلاث قارات من هذه البلاد، التي تُعْرَف الآن بباكستان إلى منطقة الشَّرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى ما يعرف الآن بأسبانيا والبرتغال، كما أنَّ معظم تاريخ المسلمين كان تحت ظلّ دولة الخلافة، وما يؤكد ذلك هو أن هذه الاستبيانات التي أُجْرِيتْ على شعوب أرْبع دول إسلاميَّة، كَشفتْ أنَّ ثُلُثي هذه الشعوب يُؤيِّدون توحيدَ البلاد الإسلاميَّة في دولة واحدة، أو خلافة واحدة”.

ويقول الدكتور أحمد محمد عوف في مقالته بعنوان: “الخلافة العثمانية من الإجحاف إلى الإنصاف”: فهذه الخلافة قد جاهدت في سبيلِ الله منذ إنشائها عام 1250م، وظَلَّت في رباطٍ لم ينقطع، حتى انطوى تَحت لوائها العالَم النصراني في شرقي أوروبا، ودخَل في دينِ الله الملايين من النصارى هناك، فهي خلافة فاتحة، وَسَّعَت رقعة العالم الإسلامي لأول مرة في تاريخ الإسلام، عندما فتحت أقطارًا أوروبيَّة، وإسقاطُها للإمبراطوريَّة البيزنطية كان لطمةً كبرى للغرب، حتى اعتبروا هذا الفتحَ الإسلاميَّ للقسطنطينية بدايةَ العصر الحديث، فلقد أحْيَت عصرَ الفتوحات الإسلامية الكبرى بعد مواتٍ لأكثرَ من خمسة قرون، ومَيْزَة الفتوحات العثمانية أنَّ الذين قاموا بها أتراكٌ مسلمون، وليسوا عربًا، كما كان في الفتوحات الكبرى إبَّان الخلافة الراشديَّة والأُمُوية، وهذا يدُلُّ على أن الإسلامَ قد أصبح عالميًّا ولهذا يقول الشيخ مصطفى صبري: “أن الدول النصرانية أقامت من أعياد المسرة والفرَح على وفاة السلطان محمّد الفاتح العثماني، ما لم يقم مثلها في الدنيا على وفاة أحد”؛ (مصطفى صبرا، موقف العقل والعلم والعالم مِن ربّ العالمين وعباده المرسلين).

مِن الواضح أنَّ ما يخشاه الغرْبُ حقيقةً من أي فراغ ينجُم عن إسقاط أيَّة ديكتاتورية كان يحميها ويقِف وراءَها ليس هو مجرَّد الخوف على تدفُّق النفط إليه، وإنما هو – في المقام الأول – الخوف من أن يكونَ البديل هو تمهيدَ الطريق لعودة دولة خِلافة إسلاميَّة، ثرواتها ونفطها ومصادرها للمسلمين، وليس لأعدائهم، تقوى وتنتشر وتهدِّد أوروبا والعالَم بأَسْره مثلما كان الحال مع الدولة العثمانيَّة آخِر قلاع الخلافة الإسلاميَّة.

والواقع أنَّ مفهوم “التدخُل لأسباب إنسانية” على المسرح السياسي والفِكري، وإنْ ظهَر في العقود الأخيرة مِن القرن العشرين بسببِ هذه الأفعال الوحشيَّة، التي ارتكبتْ في حق البشر في بعضِ دول العالم، فإنَّ تبرير هذا التدخُّل لإنقاذ هؤلاء البشَر كان يُخفي وراءه تدخلاً للاستيلاء على ولايات الدولة العثمانيَّة والقضاء عليها قضاءً مبرمًا.

ويُعَرِّف مفهوم “التدخُّل لأسباب إنسانية” بأنه: “أحد أشكال التدخل الأجنبي القهري، الذي تُستخدم فيه القوَّة لإيقاف أو معارضة انتهاكات حادًّة لحقوق الإنسان، كالقتل الجماعي، أو الإبادة الجماعية في دولة ما، بشرْط ألا ينتمي الضحايا إلى جنسية الدولة المتدخِّلة”.

لكنَّه من المهمِّ أن يعرِف المسلمون ثلاثَ حقائق أساسية فيما يتعلَّق بهذا المفهوم، خاصَّةً وأنَّ هناك تحركاتٍ فعليةً تستند إليه مع تطورات الأحداث في ليبيا:

الحقيقة الأولى: هي أنَّ هذا المفهومَ ليس بالمفهوم الجديد، ولكنَّه جزءٌ مِن اختراع سياسة القوَّة الأوروبية، وأنَّه تطوَّر مرتبطًا بالسياسة الأوروبية في تعاملها مع الدول الشرقيَّة في القرن التاسع عشر، وكان يُطبَّق كنوع مِن التبرير الأخلاقي للتدخُّلات المتكرِّرة مِن القوى الأوروبية في ولايات دولةِ الخلافة العثمانية، ومِن ثَمَّ كان الاستناد إلى هذا التبرير الأخلاقي ذريعةً لإعطاء هذا التدخُّل شرعيةً قانونية.

الحقيقة الثانية: أنَّ البُعد الصليبي هو أحدُ أبعاد هذا المفهوم، ويظهر ذلك في أنَّ أحد المقاييس الأساسيَّة المبرَّرة للتدخُّل طباقً لهذا المفهوم هو: “إنَّ حكومةً ما تنتهك وفقًا لحقها السيادي داخلَ حدودِها ما تعتبره الدول الأوروبية انتهاكًا لحقوقِ الإنسان، سواء بوسائلَ تناقِض مصالحها، أم بسبب الإفراط في استخدام القسوة والظلم، ممَّا يعتبره الأوروبيون جرحًا عميقًا للأخلاق والمدنيَّة المسيحية”.

الحقيقة الثالثة: أنَّ التدخُل لأسباب إنسانية “هو الانسياب الطبيعي لاتجاه القُوى الأوروبية في التمويه عن دِفاعها عن مصالحِها الاستعمارية بالاستنادِ إلى ما يعتبرونه تعاليمَ دِينيَّةً سامية.

وتكشِف هذه الحقائقُ الثلاث عن الطبيعة الصليبيَّة الاستعمارية للمفهوم، خاصَّة مع ارتباطه بجهود الغرْب الدؤوبة، ونجاحه في القضاء على آخِر دولة للخلافة الإسلاميَّة.

وفي الثاني من شهر مارس الحالي 2011م كتب “ريتشارد سيمور” مقالةً خاصة بعنوان “التدخل لأسباب إنسانية في ليبيا: بعث للأيديولوجية الإمبريالية”. ربَط فيها بين التطورات الحالية في ليبيا وما يُسمِّيه بأيديولوجية “التدخل لأسباب إنسانيَّة” كشف فيها عن الآتي:

أولاً: وجود تحالُف بين الخبراء في شؤون الأمْن والسياسة والسفراء للترويج لهذه الأيديولوجية.

يقول”سيمور”: “الأمْر الذي يُصيبنا بالدهشةِ هو أنَّه وسط هذا الانتفاضات التي يشهدها العالَم العربي، نُلاحظ أنَّ هناك تحالفًا بين خبراء الأمْن، والسياسة، والسفراء، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي على الترويج لهذه السِّلْعة المتَّسخة التي تُسمَّى بالتدخُّل لأسباب إنسانية”.

ثانيًا: أنَّ الغرْب يُطوِّع موقفه مع الجانبِ الذي تتحقَّق فيه مصلحته، سواء أكان القذافي أو الثوَّار.

يقول”سيمور”: “ كانوا في الماضي يُسلِّحون القذافي ويَبيعونه لمستمعيهم عبْرَ العالم على أنَّه مجنون سابِق ظهَر الآن على المسرح، ولكن الولايات المتحدة والاتِّحاد الأوروبي يبحثون الآن عن الطريقِ الذي سيستخدم فيه القذافي هذه الأسلحة، لقد انتظروا وراقَبوا وأطلقوا التصريحاتِ التي رأوا فيها أنَّ نظام القذافي قد انتهى؛ وذلك ليتجنَّبوا أي زَلَّة، كالتي وقَع فيها “جو بايدن”، وتوني بلير” حينما كانا يُشيدان بشجاعة القذافي، أو يُنكران نعتَه بالديكتاتورية.

الأهم من هذا الآن هو أنهم الآن مستعدُّون للوقوف إلى جانب الثورة الليبية. العديد منهم الآن يبحث عن ثغرة. ” أن مارييى سلوتر” رئيسة شُعبة سياسة التخطيط السابقة في الخارجية الأمريكية تدندن الآن حول التدخل. “دافيد كاميرون” يرفع سلاح احتمال وجود أسلحة كيماوية لتبرير التدخُّل وفرْض الحظر الجوى على السماء الليبية، هذا إلى جانب وجود ثورة على وشك أن تقتلع القذافي، وربَّما لا تكون هذه الثورة الأخيرة ضدَّ الديكتاتوريات التي تحميها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. إن أي متابع للأنباء القادمة من ليبيا يَرى أنَّ القذافي معلَّق الآن في بضع جيوب قليلة. فهو قد فقد معظم جيشه وشرطته، ومساندة القبائل التي كانت تقف وراءه. والثوار يتقدمون ويزحفون إلى آخر قلاعه. لا يستطيع النظام استعادة المدن التي فقدها مما يعنى أن القذافي انتهى سياسيًا وعسكريًا. إن المجازر التي ارتكبها القذافي مروعة حقيقة، ولا يمكن احترام ادعاءاته بأنه يدافع عن المكتسبات التاريخية لليبيا، وهذه المجازر لن توقف سقوط النظام؛ ولهذا فإن هذه المبررات تعكس كيف تغيَّر موقف الغرب لتأييد الثوار بعد أن كان مدافعًا عن القذافي بعد تصالحه مع الغرْب.

يقول سيمور: “إنَّ أيديولوجية التدخُّل لأسباب إنسانيَّة هي شكل من أشكال الأبوية العنصريَّة التي تؤكِّد على رؤية الغرْب لشعوب الشرق الأوسط، على أنَّها شُعوب قاصرةٌ لا تستطيع حمايَة نفسها من الديكتاتورية بدون مساعدة من الدول اليورو- أمريكية، وحتى إذا فعلتْ ذلك وأوجدت نظامًا بديلاً فإنَّ هذا لن يجعلها قادرةٌ على تأسيس والحفاظ على- مجتمع ديموقراطي”.

ولعلَّ مطالبة الثوَّار للأمم المتحدة ومجلس الأمن للتدخل لحمايتهم من دكتاتورية القذافي ما يؤكد هذا التصور عندَ الغرب، فلن تكونَ مساندة الغرب للثوار  في إسقاط القذافي بلا ثَمَن.

رابعًا: هناك قلقٌ بالفعل تعبِّر عنه الصفوة الغربية مِن فَهم العرب لأهداف الغرْب وممَّا قد تؤول إليه الأوضاعُ بعد سقوط القذافي.

يقول سيمور: “هناك  في الحقيقةِ خوفٌ واضح تُبديه الصفوة الأوربيَّة الأمريكيَّة مِن خبراء الأمْن والسفراء مثل “دانييل بايبز” و “نيال فيرجسون” مِن أنَّ العرَب يُدركون أن التدخل لأسباب إنسانية ليس إيثارًا من الغرب لمصلحة الشعوب؛ ولهذا فهم يخشون من حدوث فراغ سياسي بعد سقوط القذافي. وهم يتساءلون: هل العربُ مستعدُّون للتعامل مع الديموقراطية، هل سيُتيح هذا الفراغ لتنظيم القاعدة للدخول إلى الساحة الليبية؟ ما الذي سيحدث بالنسبة لأسعار النفط؟ إنهم يعرفون أنَّ الأمل في بقاء القذافي ضعيفًا، ولهذا نجدهم مهتمِّين بطبيعة الشعور بـمدَى (استقلالية) القُوى السياسية التي ستحلُّ مكانه”.

ينتهى “سيمور” إلى القول بأنَّ ما يعتقده هو: “أنَّ الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وخبرائهم ومفكِّريهم يفكرون في طريقة تتسلُّل بها الولايات المتحدة إلى هذه الاضطرابات الثوريَّة، بحيث تجد تبريرًا لإسقاط عسكري  في موقف تجِد فيه أن مصالحها مهددة.

إنَّ محاولةَ تغليف هذا الميدان المعقَّد من الصِّراع السياسي والاجتماعي بهذه الإيديولوجية المتهدِّمة مِن “التدخل لأسباب إنسانية” يُعطى فقط “نقطة دخول” تبحث عنها الولاياتُ المتحدة وحلفائها. لكن الدعوة لـــ”التدخُّل لأسباب إنسانية” لن تفعل شيئًا لإنقاذ الليبيِّين الذين أثبتوا أنهم قادرون على إنقاذ أنفسهم”.

هذه صورةٌ موجزة عن مفهوم “التدخُّل لأسباب إنسانية”، وخلفيته التاريخيَّة، يظهر فيها أنَّ ما يظهر على السطح فقط هو خشيةُ الغرْب على مصالحه، لكن الذي يختفي وراء ذلك هو خشية الغرْب من عودة دولة الخلافة الإسلامية.

فآخِر دولة لهذه الخِلافة وضعتِ الحصار على فيينا  في قلْب أوروبا مرَّتين، ووقفتْ  في طريق أوروبا حاجزًا منيعًا وسورًا حصينًا، وحالتْ دون أطماعها، وألزمتْها بكفِّ غاراتها بأنواعها على بلاد المسلمين، وحرستْ كيان الإسلام  في عهدها الطويل، فوضَعَ الغرْبُ مائةَ مشروع لتقسيمها.

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=3196

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *