العدد 47-48 - السنة الرابعة – شعبان ورمضان 1411هـ آذار ونيسان 1991م

مع القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ    قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)

سورة آل عمران: 165 ـ 168

يومَ أُحُدٍ أصيبَ المسلمون وقُتِل منهم سبعون وكانت الغلبة عليهم للمشركين. ونحن نستذكر الآن هذه المعركة ونتلوا هذه الآيات التي تتحدث عنها لنأخذ منها موعظة ليومنا هذا بعد أن أُصِبْنا وأصيب جيشنا في العراق وكانت الغلبة علينا للكفار الأميركيين وحلفائهم.

قال ابن كثير في تفسيره:

يقول تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) وهي ما أصيب منهم يوم أُحُد من قتل السبعين منهم (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً وأسروا سبعين أسيراً. (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) أي من أين جرى علينا هذا؟… (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتُمْ، يعني بذلك الرُّماة. (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ثم قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك، (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا. (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبيّ ابن سَلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى أُحُد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس. فرجع بمن تبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب. (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وكان الذي قال لهم هذا هو عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة قال: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم. (أَوْ ادْفَعُوا) أي كثروا سواد المسلمين، (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ) أي لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم، ولكن لا تلقْون قتالاً. فما استعصوا عليه وأبوْا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) استدل العلماء به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر وفي حال أقرب إلى الإيمان. ثم قال تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ). ثم قال تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) أي لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قُتلوا مع من قُتِل. قال الله تعالى: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.

إن موقف حكام العرب والمسلمين اليوم الذين وقفوا على الحياد يشبه موقف عبد الله بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين. أما موقف الحكام الذين وقفوا مع أميركا فهو أسوأ من النفاق، إنه ينطبق عليهم قوله تعال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

وتفيدنا هذه الآيات أن المعصية قد تكون سبباً لخسارة المعركة (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وتفيدنا أيضاً أن معاصي بعض الجيش تجعل الجيش كله يخسر المعركة، فالذي حصل يوم أحد هو أن قسماً صغيراً ارتكب معصية وهم الرماة الذين خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتهم جرّت الهزيمة على الجيش كله. فلا ينبغي أن يكون في الجيش عصاة.

وخسارة المسلمين لمعركة أحد لم تجعلهم ييأسون، بل أنهم استعدوا من جديد وخاضوا معارك كثيرة وكسبوا الحرب في نهاية المطاف. ونحن اليوم سنخوض المعارك من جديد ضد الكفار المعتدين وسنكسب الحرب بعون الله وسيظهر الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *