العدد 47-48 - السنة الرابعة – شعبان ورمضان 1411هـ آذار ونيسان 1991م

صوم شهر رمضان في ضوء الكتاب والسنة

هذا البحث مأخوذ من كتيّب بعنوان: «الصوم في ضوء الكتاب والسنة» بقلم الدكتور عمر سليمان الأشقر من منشورات دار الصحابة ـ بيروت.

الصائم يُوَفَّى أجره بغير حساب

لما كان الصوم سراً بين العبد وربه ـ إذ لا يطلع على صدق العبد في هذا غير خالقه ـ كان الثواب والأجر عليه لا يدخل تحت القاعدة التي يحاسب الناس بها «الحسنة بعشر أمثالها» كما يقول عليه السلام. رواه البخاري.

إنما الذي يقدّر أجر الصائم هو الله وحده، يقول عليه السلام فيما يرويه عن ربه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» حديث قدسي رواه البخاري في صحيحه؛ ذلك أن الصوم من الصبر، والصابرون يُرَفَّوْنَ أجورهم بغير حساب، كما في القرآن الكريم وكان السلف يسمون شهر الصوم شهر الصبر.

الصيام يمنع من الذنوب

والصيام جنة ووقاية يقي العبد الذنوب المعاصي، والبغيض من الكلام والسيء من الفعال، وبذلك يتقي العيد النار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل ولا يصخب». رواه البخاري.

والرفث: الفاحش من الكلام، والنهي عن الجهل نَهْي عن أفعال أهل الجهل، كالصيام والسفه والتعدي، فالصيام حصن منيع، يحصن الإنسان من الشيطان وخطواته، ويمنع صاحبه من أن ينزلق في الأقذار والأرجاس. ويبالغ الرسول صلى الله عليه وسلم في توجيه الصائم إلى الأمثل والأفضل حين يأمره بأن لا يرد السيئة بمثلها إذا ما أسئ للقائم بالصيام يقول عليه السلام: «وإن امرؤ قاتله ـ أي الصائم ـ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم مرتين». رواه البخاري.

وبذلك يتبين لنا مدى الخطأ الذي يقع فيه كثير من المسلمين باعتقادهم أن الصوم يبرر الخطأ، وضيق الصدر، فكم سمعنا من قائل يقول لمن أصابه ضرر من أحد الصائمين: دعه فإنه صائم، وهذا خطأ بيّن فاحش ناشئ من الجهل بدين الله.

طيب ريح فم الصائم

ومن عجائب الصوم وفضائله أنَّ ما يكرهه الناس من ريح فم الصائم، يكون عند الله طيباً محبوباً، «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» حديث صحيح رواه البخاري.

باب خاص للصائمين في الجنة

ومن تكريم الله للصائمين أن خصَّهم الله سبحانه بباب خاص بهم لا يدخل منه أحد غيرهم يقول عليه السلام: «إن في الجنة باباً يقال له الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد». رواه البخاري، ولما كان الصائم من أشهر ما يعانيه العطش، فقد سمى باب الصائمين باسم «الريان» للدلالة على ما سيصير إليه حالهم من الري.

شهر تفتح فيه أبواب الخير وتغلق أبواب الشهر

لذلك كان شهر رمضان خير الشهور، والعمل فيه أفضل من العمل في غيره، فإذا قدم هذا الشهر: «فتحت أبواب الجنية، وفتحت أبواب السماء، وأغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين». رواه البخاري.

وسلسلة الشياطين حسم لمادة الشر، وبذلك يتلمس القلب طريقه إلى النور والهدى بخلو المانع، وهذا يفسر لنا السر في أَوْبَةِ كثيرٍ من الضالين في هذا الشهر.

بالصوم تغفر الذنوب المتقدمة

وكفي الصائم أجراً ما بشره به الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».

الغفران مشروط بشرطين

ولكن علينا أن ننتبه إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إيماناً واحتساباً» فبدونهما لا يستحق الصائم الأجر الذي بيّنه المصطفى عليه السلام، ذلك أن الإيمان والاحتساب هما مدار الفرق بين العادة والعبادة، فبدونهما يكون الصوم إرثاً وتقليداً قلما يدفع صاحبه إلى الخير وقلما ينهاه عن الشر. فالذي يصوم لعلمه أن الله ربه فرض عليه الصيام، ويستجيب لندائه وبذلك ينال المغفرة، وتكفر عنه السيئات، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» رواه مسلم. أما ذلك الصائم لا إيماناً ولا احتساباً بل رياء أو عادة،ن فلا ينفعه صيامه والله غني عن صومه. وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم..

وبشرى للذين يصومون إيماناً واحتساباً فالعاقبة حميدة، والقدوم على الله مفرح. «للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» حديث متفق عليه.

فرض الصوم على أحوال

الآية التي أوجبت صوم رمضان

عندما نزل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أصبح الصوم مفروضاً واجباً، يؤكد الوجوب قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).

كيف كان الصوم قبل فرض رمضان

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء في مكة، ـ كما رواه البخاري في صحيحه ـ فلما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، كما رواه عند الإمام أحمد في مسنده، وصام عاشوراء وقد وجد اليهود في المدينة يصومونه فسألهم عن سبب صيامهم له، فقالوا: هذا يوم صالح نَجَّى الله فيه موسى من الغرق، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَنا أحَّقُّ بموسى منكم» فصامه وأمر يصيامه. رواه البخاري. وبذلك أصبح صيام هذا اليوم واجباً، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك. رواه البخاري.

ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك صومه على سبيل الوجوب وبقي صيامه مستحباً. ومما يوضح الوجوب ما رواه البخاري عن الرُبيّع بنت معود أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم» قلت: فكنا نصومه ونُصَوِّم صبياننا. رواه البخاري.

الصوم بعد فرض رمضان

وعندما نزل الأمر بصيام رمضان رخص الله لمطيقي الصيام ويرغبون في الفطر أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكيناً واتبع ذلك بذكر أفضلية الصوم. روى البخاري عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك. وهذا معنى قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ثم نسخ الله جواز الإطعام بالنسبة للقادرين وأوجب عليهم الصيامَ. روى البخاري ذلك عن ابن أبي ليلي، ومن الصحابة عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع. والآية الناسخة هي قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). وبذلك أصبح صيام رمضان واجباً، وركناً من أركان الإسلام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان». متفق عليه.

وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله عليّ؟ قال: «الصلوات الخمس إلا أن تتطوع شيئاً» فقال: أخبرني ماذا فرض الله عَليَّ من الصيام؟ فقال: «شهر رمضان إلا أن تتطوع شيئاً» رواه البخاري.

المدة التي يمسك فيها الصائم

الصوم الشرعي هو الإمساك عن المفطرات من الطعام، والشراب، والوقاع، بنيَّة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم يباح ذلك كله طوال الليل، وقد كانت المفطرات مباحة في أول الإسلام من غروب الشمس حتى ينام الصائم، فإذا نام حَرُمَ عليه الطعام والشراب والوقاع حتى غروب اليوم التالي، وقد شق ذلك على بعض الصحابة، ففد روى البخاري عن البراء بن عازب، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإِنَّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فحضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلقُ فاطلبُ لَكَ، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) فاستقر الأمر على تحريم الطعام والشراب والوقاع من تبين الفجر إلى الليل، وإباحته طوال الليل بعد أن كان يحرم بالنوم. والمقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود: سواد الليل وبياض النهار، لأن الله تبارك وتعالى قال بد ذلك (مِنْ الْفَجْرِ) وعليه يدل الحديث الذي يرويه البخاري عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ )عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يتبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك كله فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه عائشة رضي الله عنها: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر».

ويستمر الصائم ممتنعاً عن الطعام والشراب حتى تغيب الشمس كما روى البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هنا فقط افطر الصائم».

وروى أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه كان يفطر حين تغيب قرص الشمس.

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلمبتعجيل الفطر، ففي الحديث المتفق عليه من حديث سهل بن سعد يقول الرسول عليه السلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر، روى ابن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فقال لرجل: «انزل فاجدح لي» قال: يا رسول الله! الشمس. قال: «انزل فاجدح لي» قال: يا رسول الله! الشمس. قال «انزل فاجدح لي» فنزل فجدح له، فشرب، ثم رمى بيده ها هنا، ثم قال: «إذا رأيتم الليل أقبل من هنا، فقد أفطر الصائم». رواه البخاري.

وروى ابن حبان والضياء بسند صحيح أن الرسول عليه السلام قال: «إنا معشر الأنبياء أُمرنا بتعجيل فرطنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة».

أما تأخير الفطر حتى تطلع النجوم، أو إلى ما بعد ذلك، فهو مخالف للسنة المحمدية، وليس من التقوى التي يقتضيها الصيام، وهو من التنطع في الدين، وتكلفٌ منهيٌ عنه.

ويحسب بالصائم أن يعجل الفطر على تمر، فإن لم يجد فماء في أول وقت الفطر، ثم يبادر إلى صلاة المغرب في أول الوقت، فيجمع بين الحسنيين، تعجيل الفطر، وتعجيل المغرب، أما تأخير المغرب إلى ما بعد تناول العشاء فليس من السنة.

صيام الصبيان وتأديبهم

ومن المعروف أن مناط التكليف في الإسلام، البلوغ مع الرشد للرجال والنساء، ولكن على أولياء الأمور أن يرعوا أبناءهم في صغرهم، ويربوهم على تحمل تكاليف الإسلام حتى تسهل على نفوسهم وينشأوا على حبها ويداوموا عليها، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود بإسناد حسن. ورواه الترمذي بلفظ: «علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر سنين».

وقد كان الرسول عليه السلام والصحابة يقومون بتربية الناشئة على الأدب الكريم، وعلى التزام أحكام الإسلام، فقد رأى الرسول عليه السلام غلاماً تطيش يده في الصحفة أثناء الطعام، وكان يأكل مع الرسول، فقال له الرسول عليه السلام معلماً مؤدباً: «يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».

ويبقى أثر هذا التأديب في نفس الغلام ما دام حياً، استمع إليه وهو يقول ـ أعني الغلام ـ: فمازالت تلك طعمتي بعد. رواه البخاري ومسلم.

وروى البخاري عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: كنا نصوّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار.

فهكذا تربية الرسول، وكذلك رَبَّى الصحابة الكرام أبناءهم، فخرجت أجيال مسلمة تنشر الخير في ربوع الأرض، وعاشت بالإسلام وللإسلام، أما أن نترك أبناءنا وبناتنا يقضون أوقاتهم في الطرقات وفي منابت السوء، ينشأون على الفاسد من الأخلاق والذميم من الأفعال، فيشتد عودهم على ذلك، وتشحن قلوبهم، فيشتد عودهم على ذلك، وتشحن قلوبهم وتُشغل بغير الإسلام، ثم نريدهم بعد بلوغهم سن الرشد مسلمين يعملون بالإسلام ويدعون إليه فإنهم لا يستجيبون لنا، ولا يلقون بالاً لحديثنا، ويكون مثلنا كمثل من يريد أن يجني من الشوك العنب، ونقضي بعد ذلك الوقت في الحسرة والندم إذا ابتعد شباب الإسلام عن الإسلام، وضلوا في منحيات الطريق، والحق أن السبب الأول المسؤول عن بُعد الشبيبة عن الإسلام هم الآباء والأمهات وأولياء الأمور، والعجب كل العجب أن يبحث الأب لأبنائه عن خير لباس وأفضل طعام وأهنأ سكن ثم لا يبحث لهم عن المربي الفاضل، ولا يلقنهم الصحيح من الأخلاق والأفعال، جاهلاً أو متجاهلاً أنه بذلك يلقى بفلذة كبده في نار مستعرة لا تخبو، وقودها الناس والحجارة، فأين الرحمة، وأين الشفقة، وأين الحنان: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

وليعلم الحكام والآباء أن الله سائلهم عن كل ذلك يوم القيامة، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته».

فأبناؤكم أمانة في أعناقكم فعلومهم الإسلام، وأدبوهم بأدبه، وعرفوهم بربهم ورسولهم، وربوهم على الصلاة وعودوهم على الصوم، وعرفوهم القرآن وتلاوته، وصلوهم بربهم فهو خير لكم إن كنتم تعلمون.

الأعذار المبيحة للفطر

الفرق بين تشريع وتشريع

إن الفرق بين تشريع البشر وتشريع خالق البشر، كالفرق بين البشر وبين خالقهم، فلذلك يأتي تشريع الناس للناس تشريعاً ناقصاً معوجاً، مُْرطاً حيناً ومُفْرّطاً أحياناً، يصيب الحقيقة مرة ويخطئها مرات لا تحصى، ذلك لأن البشر بتصفون بصفات النقص، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، وعِلْمُهُهُ الذي يدركونه فيما بعد علم جزئي محدود، يحتاج دائماً إلى تغيير وتحويل وتبديل وتطوير، أما تشريع الله فهو تشريع كامل كاف عادل، لأن الله يتصف بصفات الكمال، فهو العليم والذي يشرع للبشر ما يصلحهم، وينهاهم عما يفسدهم، بناء على علمه المحيط الشامل، وهو عادل لا يشرع لحساب طبقة من الناس دون أخرى، بل الناس سواسية في ميزان الحق، يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، فلذلك جاء الشريعة وافياً باحتياجات الإنسان مصلحاً لحياته، مقوماً لاعوجاج نفسه، مراعياً مع ذلك ضعفه وبشريته، وما يطرأ عليه من أحوالٍ تؤثر فيه.

الرخصة للمريض والمسافر في الفطر

وهكذا نحد الله تبارك وتعالى يرخص لنا في الفطر في حال السفر والمرض على أن نقضي عدة الأيام التي افرطرناها بعد انقضاء رمضان بعد أوبة المسافر وبرء المريض، (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ونلمح السماحة واليسر في هذا التشريع واضحاً جلياً في هاتين الحالتين (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) وإن وجد المسافر قدرة على الصيام وأحب ذلك فله أن يصوم، فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أاصوم في السفر؟ وكان كثير الصوم، قال:: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». وهكذا كان الرسول عليه السلام وصحابته يصومون في السفر ويفطرون، روى ابن عباس: «أن الرسول عليه السلام عندما خرج إلى مكة صام حتى بلغ الكديد، افطر فأفطر الناس». رواه البخاري.

وإذا كان الصوم يشق على الإنسان في السفر وأحب أن يصوم فله ذلك إن لم يمنعه عن القيام بما يجب عليه من أعمال، روى البخاري عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة. رواه البخاري. فإن أدى الصيام بالمرء إلى إضعاف وإنهاك قواه واحتياجاته إلى غيره في أموره، فالأفضل في حقه الفطر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ورأى زحاماٍ ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصوم في السفر» رواه البخاري.

وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان والناس صائم ومفطره، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن وماء وضعه على راحلته ثم نظر الناس.

وفي رواية أخرى له عن ابن عباس: ثم دعا بماء فشرب نهاراً ليراه الناس. ولمسلم عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قيل له: إن الناس شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر.

وله من وجه آخر عن جعفر: ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: أن بعض الناس قد صائم، فقال: «أولئك العصاة».

وهذا يدلنا على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار ولو استهل رمضان في الحضر، والحديث نَصَّ في الجواز، إذ لا خلاف في أن الرسول صلى الله عليه وسلم استهل رمضان في عام عزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في أثنائه، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعزم على أصحابه أن يفطروا في السفر في الجهاد عند القرب من العدو، فقد روى مسلم عن أبي سعيد: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا». فكانت رخصة فمنا من صام، ومنا من أفطر فنزلنا منزلاً فقال صلى الله عليه وسلم: «إنكم مصبحوا عدوكم الفطر أقوى لكم فأفطروا» فكانت عزيمة فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر. وهذا السبب الذي من أجله نسب الرسول صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان حين عزم عليهم فخالفوا.

نوع السفر والمرض اللذين يباح الفطر بهما

يجب أن نعلم أن المرض الذي يجوز الفطر به هو المرض الذي يزيد بالصوم، أو يتأخر برؤه به، أما المرض الذي لا يؤثر فيه الصوم فلا يجوز لصاحبه الفطر، والسفر الذي يجوز فيه الفطر هو السفر المباح، أما سفر المعصية فلا.

الصيام بعد تيسر سبل المواصلات

وقد يتوهم بعض الناس أن الفطر في هذه الأيام في السفر غير جائز أو أنه خلاف الأولى، بسبب تيسر المواصلات، وتوفر سبل الراحة فيها، فهؤلاء نذكرهم بقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ويقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). فتشريع الله للناس تشريع دائم لا يختص بجزء من الأمة دون بقية الأمة، ولا بزمن دون زمن، ولا بمكان دون مكان، ذلك أنَّ منزّل هذا الشرع هو خالق الإنسان والزمان والمكان، العليم الخبير الذي يعلم حاجة الناس وما يصلحهم وما يصلح لهم، فلا يجوز أن نخضع أحكام الله لآرائنا وعقولنا، بل يجب أن يكون موقفنا كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).

الحائض والنفساء

ومن الذين رَخَّص الله لهم في الفطر في رمضان الحائض والنفساء، ولكن يجب عليهم الفطر ولا يباح لهما الصوم بحال حتى تطهرا، فمتى طهرتا صامتا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عن أبي سعيد الخدري: «أليس إذا حاضت لم تصم، ولم تصل؟! فذلك نقصان دينها» رواه البخاري.

رواه مسلم من حديث ابن عمر: «تمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان في الدين».

وعلى الحائض والنفساء قضاء عدة ما أفطرتاه بعد انقضاء رمضان.

الحامل والمرضع

وممن يلحق بالمريض الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، أو شق عليهما الصوم فلهما الفطر وعليهما قضاء عدة ما فطرتاه، فعن أنس بن مالك الكعبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى». قال صاحب مشكاة المصابيح: رواه أبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال المحقق (الشيخ ناصر الدين الألباني): إسناد جيد.

وحصل الخلاف بين العلماء هل عليهما شيء آخر غير القضاء؟ فمن العلماء من أوجب أن يُطعما مسكيناً عن كل يوم فطرتاه، ومن ذهب إلى وجوب الإطعام مع صيام عدة الأيام فليس لديه دليل يوجب الإطعام.

الكبير والهَرِم والمريض والمُزْمن

ويلحق بالمريض أيضاً الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، ولكن لا يجب عليه القضاء ولا على المريض الذي لا يرجى برؤه، لأنهما لا يصيران إلى حال تمكنهما من الصيام، وهل يجب عليهما الإطعام عدة الأيام. صح النقل بذلك عن ابن عباس ورواه البخاري أن أنس من فعله إذ كان يفطر لكبره ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه

الإنسان مخلوق ضعيف؛ ولذلك يقع منه الخطأ أحياناً، ويتنكب جادّة الصواب أحياناً أخرى لتغلب هوى النفس، والله يعلم ذلك من الإنسان وفي ذلك قال: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) وقد يقع الخطأ من الصائم فيأكل أو يشرب ناسياً ولا إثم عليه في ذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله عفا لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ولا يفسد صومه بهذا النسيان. يقول عليه الصلاة السلام: «إذا نسى فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». رواه البخاري.

أما مَنْ غَلبَتْهُ شهوته فأفطر متعمداً فقد أتى جرماً عظيماً، وإن كان الفطر بجماع فعليه الكفارة. روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله! هلكت وأهلكت، قال: «مالك؟» قال: وقعت على أهلي في رمضان، فقال رسول الله: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتيَ النبيُّ بعرق فيه تمر ـ والعرق: المكتل ـ قال: «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذها فتصدق بها» فقال: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوا لله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من بتي . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» رواه البخاري، فهذه القصة التي وردت في هذا الحديث تبيّن كفارة الجماع في رمضان.

أما من أفطر بطعام أو شراب متعمداً فليس عليه كفارة الجماع خلافاً لما يرى ذلك من العلماء، والذي يدعونا إلى القول بهذا عدم وجود الدليل الموجب للكفارة بعمد الطعام والشراب، وقياسه على الجماع قياس مع الفارق مع أن القياس في العبادات لا يجوز.

ولكن هل يقضي يوماً مكانه أم لا؟ بلزوم القضاء، قال سيعد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد، وعن أبي هريرة يرفعه: «من أفطر في رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه به» رواه البخاري تعليقاً، وغير الجماع من مباشرة وتقبيل لا تفسد الصوم فهذه عائشة رضي الله عنها تروي لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويباشر وهو صائم، وكذلك روت أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، رواه البخاري.

أما من جامع في رمضان فطلع عليه النهار ولم يغتسل فصيامه صحيح. روى البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم..

ويجوز للصائم المضمضة والاستنشاق والاغتسال والتطيب والتكحل.

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسواك عند كل صلاة، ورغب في الإكثار من استعماله ولم يأت دليل يخصص رمضان، وينهى عن استعمال السواك فيه، وقد يحتج بعض من يرى عدم جواز استعمال السواك بالحديث الذي يرويه البخاري: «ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك»، بحجة أن السواك يذهب هذا الخلوف، ويكفي في الإجابة على هذا الزعم عموم الأحاديث التي تحث على الاستياك دون تحديد لزمن معين مع العلم أن هذه الرائحة، مصدرها المعدة لا الفم والأسنان، وبذلك يثبت جواز استعمال السواك في رمضان بل استجبابه، وقد يفرق بعضهم فيجيز استعمال قبل الزوال، ويكرهه أو يمنعه بعد الزوال وهذا تفريق بغير مفرق يدل على التفريق، وكذلك يقال بالنسبة للمضمضة والاستنشاق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وأمر بالاستنشاق بدون تفريق بين رمضان وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس بالمضمضة والتبّرد للصائم، وقال ابن مسعود: إذا كان يوم صوم أحدكم فيلصبح دهيناً مترجلاً. ولم يَرَ أنس والحسن وإبراهيم بالكحل بأساً للصائم، روى ذلك عنهم البخاري في صحيحه، فإن دخل الماء على حلق الصائم بدون أن يملك له دفعاً فلا شيء عليه، روى البخاري ذلك عن عطاء، وصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله عفا لي عن أمتي الخطأ والنسيان». وأما القيء فيرى أبو هريرة أنه لا يفطر الصائم، لأنه يخرج ولا يولج، وبهذا ويقول ابن عباس وعكرمه،ويرى فريق آخر من العلماء أن القيء عمداً يفطر الصائم بخلاف من غلبه القيء فقاء وهذا هو الصحيح.

أما الحجامة فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها، ثم رخص فيها، فعن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أفطر هذان» ثم رخص بعد في الحجامة فكان أنس يحتجم وهو صائم رواه الدار قطني. وذكر البخاري عن أنس أنه سئل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ فقال: لا.

والحجامة استخراج الدم الفاسد طلباً للاستشفاء بحرج الرأس ثم يمص هذا الجرح من قبل الحاجم.

وصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس أنه احتجم وهو صائم، وذكر البخاري عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة أنهم احتجموا صياماً، وذكر عن بكير عن أم علقمة قالت: كنا تحتجم عند عائشة فلا تنهى.

صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته

كان من حكمه الله أن جعل التعرف على بداية الشهر القمري الذي تُبنى عليه الأحكام الشرعية، مستطاعاً لجميع الأمة، لا يختص بجماعة دون جماعة، كما هو الحال في الشهور الشمسية، وبذلك يأمن المسلمون من التلاعب بالأحكام المتعلقة بالشهور، ويأمنون من البلاء الذي وقعت فيه الأمم الماضية، إذ تلاعب العلماء والحكماء منهم الصوم بالتقديم والتأخير والزيادة والتغيير، فمتى رأى المسلمون هلال رمضان فعليهم الصوم، ومتى رأوا هلال شوال فعليهم الفطر، فإن حال دون الرؤية غيم أو غبار، فعليهم أن يتموا العدة ثلاثين يوماً، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه» وفي رواية له: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإذا غم عليكم فاقدروا له» رواه البخاري. وفي رواية: «الشهر تسعة وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».

وروى الدار قطني وأبو داود بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنيِّ رأيته فصام وأمر الناس بصيامه».

ومن هذه الرواية نعلم أنه يكفي شهادة الواحد لإثبات دخول شهر رمضان وكذلك لإثبات دخول شهر شوال للفطر.

اختلاف المطالع

ووقع الخلاف فيما لو رأى المسلمون الهلال في قطر دون قطر فهل يجب على البلد الذي لم ير الهلال الصوم؟ الصحيح ـ والله أعلم ـ القول بالوجوب لعموم الحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، ويرى ابن عباس أنه لا يصوم إلا القطر الذي رآه دون الذي لم يره، روى ذلك مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عنه.

أفضل ما يشغل به الصائم نفسه

وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم بأنه جُنَّة، لأنه يقي الصائم النار، وذلك لأن الصائم يمسك عن الشهوات التي حُفَّت بها النار علاوة على أن الصائم يترك محبوبات نفسه التي أحلها الله له في الصيام. فعليه أن يتخلى عن الرذائل والفواحش، ويترك الناس من أذاه، وعليه أن يتحلى بالجميل من الصفات والحسن من الأخلاق، والفاضل من الأعمال وبذلك يسلك الصوم بصاحبه سبيل التقوى حيث ينال مرضات الله.

أما أن يوصم العبد عما أحله الله في غير الصيام، ويفطر عما حَرَّمَهُ عليه في رمضان وغير رمضان من قبيح الكلام، وسفيه الفعال، وسماع الباطل، وحضور مجالس السوء فإنه بذلك يدخل في وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري.

وافضل ما يشغل به الصائم نهاره: ذكر الله والتقرب إليه سبحانه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، فهذه هي الباقيات الصالحات التي يدوم نفعها ويبقى أجرها. وعلى الصائم أن يلح في طلب الغفران فإنه شهر فاضل وموسم من مواسم العبادة، وموطن حَرِيٌ أن يستجاب فيه الدعاء، خاصة إن اقترن الاستغفار والدعاء بقلب حاضر، ونية صادقة صالحة، وكان الدعاء مشروعاً لا عدوان فيه.

ومن افضل الأعمال حضور مجالس العلم وحلقاته، خاصة في بيوت الله، فإنها مجالس مرحومة، تتنزل عليها السكينة من الله، وتغشاها رحمته وتحف بها ملائكته، ويذكر الله أهلها في من عنده من الملائكة الكرام، لأنها المجالس التي يدرس فيها كتاب الله، وتبيّن فيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكثرة تلاوة القرآن وتدارسه في رمضان عمل شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله الصحابة، روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة». رواه البخاري.

ويدل على استحباب الإكثار من قراءة القرآن في هذا الشهر، أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

والإكثار من الصدقة في هذا الشهر أمر مرغوب فيه، وحبذا لو أخرج الصُوّام فيه زكاة أموالهم وخصوه بها دون غيره من الشهور، لازدادوا خيراً على خير لأن الثواب فيه مضاعف.

تسحروا فإن في السحور بركة

السحور مشروع للصائم وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تسحروا فإن في السحور بركة» رواه مسلم وغيره، وكلما أخر السحور إلى آخر الليل كان أفضل، لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطور» رواه الإمام أحمد. والسحور مما يميز صيامنا عن صيام أهل الكتاب، ففي الحديث الذي يرويه عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور». رواه مسلم والنسائي وغيرهما.

على أي شيء يفطر الصائم

روى أنس بن مالك عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسى حسوات من ماء. رواه أحمد والترمذي وأبو داود.

وعن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور» رواه أبو داود والترمذي.

ويستحب للصائم أن يقول عند فطره ما رواه ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». أخرجه أبو داود والنسائي والدار قطني والحاكم.

النية في الصوم

النية في اللغة هي القصد وفي الاصطلاح الشرعي القصد إلى فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى. وبها يحصل التفريق بين العبادة والعادة، وهي ضرورة لقبول الأعمال وصلاحها، فلو أمسك إنسان عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بقصد الاستشفاء ولم يقصد بذلك التعبد لله فلا يعتبر صائماً شرعاً وليس له أجر على إمساكه.

فعلى الصائم أن ينوي بصيامه طاعة أمر الله تقرباً إليه لنيل رضاه وخوف عقابه يقول صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم ذنبه وما تأخر» رواه البخاري، وروى أيضاً الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي».

ويلزم الصائم في صيام الفرض تبييت النية من الليل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيت الصيام فلا صيام له» رواه الترمذي والنسائي وغيرهما. وتكون النية بعزم القلب ليلاً على الصوم غداً أو بالتسحر. أما صيام النفل فلا يحتاج إلى نية الليل لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عَليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» قلت: لا، قال: «فإني إذن صائم» قالت: أتانا يوماً آخر فقلت: يا رسول الله! أهدي لنا حيس، فقال: «أدنيه ـ قربيه ـ فلقد أصبحت صائماً» أخرجه مسلم. فهذا يدلنا على عدم وجوب تبييت النية من الليل في صوم النفل، وإلا لما عزم صلى الله عليه وسلم على الصوم بعد بزوغ الفجر.

صلاة التراويح

روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». فقيام رمضان بنية صادقة خالصة رجاء الثواب وتحقيقاً لرضوان الله، سبب في غفران الذنوب.

ولقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم قيام رمضان جماعة، ثم تركه مخافة أن يفرض على الأمة فلا تستطيع القيام بهذه الفريضة، روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج ليلة في جوف الليل، وصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع الناس أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عَلَيَّ مكانُكم ولكني خشيت أن تُفرض عليكم، فتعجزوا عنها» فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، وبقي الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وصدر خلافة عمر. رواه البخاري، وكان الناس يصلون في رمضان في المسجد أوزاعاً متفرقين يصلى الرجل لنفسه، ويصلى الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب وخرج مرة فرآهم مجتمعين يصلون بصلاة أبي، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، رواه البخاري. ويعني هنا عمر بـ «البدعة»: البدعة اللغوية لا البدعة الشرعية، فإن البدعة لغة تطلق في عالم الشر وعالم الخير، فيقال: هذا شيء بديع وقد يكون بديعاً في عالم الأجرام أو في عالم الخير، ومن ورودها في القرآن قوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ) فجاء الشارع وخصص إطلاق البدعة في الشرع على ما كان شراً، ولذلك كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». و«كل» من ألفاظ العموم فتعم كل بدعة، ولم يأت مخصص يخص بعض البدع بأنها حسنة كما يزعم بعض الناس، واحتجاجهم بقول عمر: «نعمت البدعة» قول مردود لأن تعريف البدعة لا ينطبق عليها، فالبدعة: «استحداث عبادة في الدين غير مأمور بها يقصد بها التقرب إلى الله» فهذه الصلاة: صلاة القيام مشروعة بنص حديث الرسول، وصلاتها في جماعة مشروع أيضاً، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاها بالصحابة ثلاث ليال وإنما ترك ذلك مخافة أن تفرض عليهم فلما انقطع الوحي أَمِنَ ما خاف منه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أن تفرض عليهم وبقيت السنة للجماعة لزوال العارض.

وأما عدد ركعات القيام فالصحيح الثابت أنها إحدى عشرة ركعة، وقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث».

ولا تعرف هذه الصلاة التي يصليها الناس اليوم ثلاثاً وعشرين ركعة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبتها إلى عمر رضي الله عنه نسبه غير صحيحة. والأولى بالعبد بل الواجب عليه البحث عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والتزامها ولو هجرها الناس، ففي ذلك الخير والسعادة. ومما ابتلى به المسلمون في الصلاة ـ صلاة القيام وغيرها ـ السرعة المخلة بالصلاة في قراءة القرآن وفي الركوع والسجود وغير ذلك، وهذا مخل بالصلاة مذهب لخشوعها وقد يبطلها في بعض الحالات.

وصلى الله على محمد وآله وصحبة وسلم¨

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *