العدد 47-48 - السنة الرابعة – شعبان ورمضان 1411هـ آذار ونيسان 1991م

سياسة التصنيع وبناء الدولة صناعياً من وجهة نظر الإسلام

إعداد: المهندس/ عطا أبو الرشتة

هذا البحث مأخوذ من محاضرة ألقاها المهندس عطا أبو الرشتة، الناطق الرسمي باسم حزب التحرير في الأردن. وقد ألقى هذه المحاضرة في مؤسسة عبد الحميد شومان في عمان في 18/09/90. والمحاضرة مطبوعة كلها في كتيّب بعنوان «سياسة التصنيع وبناء الدولة صناعياً من وجهة نظر الإسلام».

وحي أن الطاقة هي عصب الصناعة فإن الإنسان كان كلما اهتدى إلى مصدر للطاقة جديد أوفر وأجود، كلما عظمت صناعته وتسارعت.

وقد كان أول ما اهتدى إليه من مصادر للطاقة النار من الأخشاب والنبات ثم الفحم وقوة البخار الناتجة بسببه واستمر الفحم مصدراً رئيسياً للطاقة حتى أوائل النصف الثاني من هذا القرن حيث زاحمه النفط، ففي منتصف الستينات أصبح النفط المصدر الأول للطاقة في العالم بعد أن أزاح الفحم إلى المرتبة الثانية كما أن الغاز الطبيعي بدأ يساهم بنسبة أكبر في الطاقة العالمية.

فقد كانت نسبة مساهمة الفحم في ميزان الطاقة العالمي 73% عام 1938 وانخفضت إلى 59% عام 1950 ثم إلى 40% عام 1965 في حين بلغت مساهمة النفط من ذلك العالم 44% واستمرت مساهمة الفحم في الانخفاض حتى وصلت 28,2% عام 1974 ثم انخفضت عن ذلك في الأعوام اللاحقة.

وفي الحرب العالمية الثانية وبعدها بدأ يظهر مصدر جديد وهو الطاقة النووية حيث عكفت الدول المتحاربة على كشف أسرار القوى النووية وتم إطلاق ذلك المارد الجبار من عقاله ومنذ ئذ والصناعات الذرية تتقدم بخطى ثابتة. وعلى الرغم من أن الطاقة النووية أكثر أنواع الطاقة تركيزاً إذ أن الطاقة الكامنة من كغم واحد من اليورانيوم لو استخلصت تعادل الطاقة الناتجة عن حرق ثلاثة ملايين كغم من الفحم، إلا أنه لا يتوقع أن تساهم هذه الطاقة بأكثر من 10% من احتياجات الدول الصناعية وبالتالي فإن البترول والفحم والغاز الطبيعي هي المصادر الأساسية للطاقة في الوقت الحاضر حيث أن نسبة توزيع مصادر الطاقة المستغلة حالياً تقارب النسب التالية:

بترول 50%، فحم 20%، غاز طبيعي 20%.

طاقات أخرى بما فيها النووية 10%.

ولقد استغلت الدول مصادر الطاقة الجديدة في الصناعات الحربية والسلمية لإنتاج سلع وأدوات حربية تغطي العاملين المذكورين سابقاً: إشباع حاجاتها والحفاظ على أمنها وسيادتها. وكانت هذه الدول تتنافس بينها للحفاظ على صناعتها محققة للعاملين المذكورين غير متأثرة ولا تابعة لغيرها، واستطاع عدد من هذه الدول أن يتقدم في الصناعات الثقيلة وإنتاج الآلات والصناعة الحربية الهائلة ولأن فكرة الرأسمالية هي البارزة على هذه الدول فقد حاولت أن تبقي التقدم الصناعي في يدها وتمنع غيرها من الدول لأن تكون دولاً صناعية قوية فلا تصنع مستلزماتها الحربية ذاتياً كذلك بل حرصت على إبقائها تابعة لها في صناعاتها واستعملت أساليب خبيثة مباشرة وغير مباشرة رسمتها لهذه الدول بحيث لا تجد فكاكاً منها فيصعب عليها إن لم تستحل أن تصبح هذه الدول دولاً صناعية ما دامت تسير على المنهج الذي رسمته لها الدول المتقدمة.

والآن كيف تتقدم الدولة ـ أية دولة ـ صناعياً؟. وكيف تتفادى الأساليب الخبيثة التي تحيكها الدول المتقدمة لتحول دون أن تتمكن الدول الأخرى من بناء نفسها صناعياً؟.

أن السياسة الصناعية تقوم على جعل البلاد من البلاد الصناعية ويسلك إلى طريق واحد هو إيجاد صناعة الآلات أولاً، ومنها توجد باقي الصناعات، أي أن يباشر أولاً وقبل كل شيء بإيجاد المصانع التي تصنع الآلات من موتورات وخلافها، ثم بعد توفر الآلات من صناعة البلاد تؤخذ هذه الآلات وتصنع باقي المصانع.

ولا توجد طريقة أخرى لجعل البلاد بلاداً صناعية إلا بالبدء بصناعة الآلات أولاً وقبل كل شيء، ثم عدم القيام بإيجاد أي مصنع إلا من الآلات المصنوعة في البلاد.

أما القول بأن إيجاد صناعة الآلات يحتاج إلى وقت طويل فلا بد أن نبدأ بصناعة الحاجات الأساسية فهو قول غير سليم بل هو دسيسة يراد منها تعويق صناعة الآلات وصرف البلاد إلى الصناعات الاستهلاكية حتى تظل سوقاً لمصانع أميركا وأوروبا، كذلك فإن القول بأن صناعة الآلات تحتاج إلى إيجاد وسط صناعي من مهندسين وعمال وفنيين وما شاكل ذلك فهو قول يقصد به المغالطة والتدليس، لأن استحضار العلماء من الدول الأخرى أو إرسال الأعداد المناسبة من شبابنا لتعلم صناعة الهندسة الثقيلة وصناعات الفولاذ وما شاكلها سهل ميسور وفي متناول اليد إذا ما اعتبرت هذه المسألة في سلم الأولويات وبذل فيها الجهد والوسع.

ولهذا لا يصح أن يلتفت إلى شيء من الصناعات الاستهلاكية وإنما يحصر الاتجاه نحو إيجاد صناعة الآلات ليس غير.

والحقيقة أنه لا علاج للدولة المتخلفة صناعياً إلا بالثورة الصناعية والثورة الصناعية هي تسلم زمام رأس الصناعة منبعها وهي صناعة الآلات بعملية انقلابية في الصناعة وعدم التلهي بأي صناعة قبل تسلم زاما رأس الصناعة وجعل الجهود الاقتصادية كلها موجهة لإيجاد صناعة الآلات ولا يقام بأي شيء سوى الضروريات وسوى ما لا بد منه لإيجاد صناعة الآلات.

على أن الواقع يثبت ذلك فإن أوروبا حين حصلت فيها الثورة الصناعية إنما حصلت حين وجدت فيها صناعة الآلات وأميركا كذلك كانت مستعمرة لعدة دول لكنها تقدمت مادياً حين حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات. وأن روسيا كذلك لم تصبح دولة ذات قيمة إلا بعد أن حصلت فيها الثورة الصناعية بصناعة الآلات.

أن الدولة التي لا تكون فيها صناعة الآلات فإن مصانعها الأخرى تصبح مربوطة تبعياً للدولة التي تملك الآلة وقطع الغيار، فإن توقف آلة لعطل يصيبها يؤدي إلى تعطيل المصنع إن لم تتوفر الآلة أو قطع الغيار اللازمة، كذلك فإن معدات الدولة العسكرية تفقد قيمتها إن لم تتمكن الدولة من استيراد قطع الغيار اللازمة لصناعتها، وهذا يجعل سيادة الدولة وأمنها فيما إذا حصلت حالة عداء بين الدولة صاحبة السلاح أو صاحبة الآلات وبين الدولة المستوردة لهذا السلاح وهذه الآلات، وقد تحدث حالة حصار لهذه الدولة فتصبح صناعاتها بمجملها الحربية والمدنية شبه متوقفة إذا لم تكن هذه الدولة قادرة على صناعة الآلات فتعالج ذاتياً الآلة المعطلة أو قطعة الغيار اللازمة.

وعليه فمن كان يريد أن يبني صناعة ويتقدم صناعياً فلن يتأتى له ذلك إن لم يبدأ بثورة صناعية بالمبادرة إلى إقامة صناعة الآلات رأساً وبدون تدرج بل بشكل انقلابي حتى يكون العمل ثورة صناعية صحيحة.

هذا بالنسبة لأية دولة وأية أمة، أما بالنسبة للأمة الإسلامية ولدولة الخلافة الإسلامية القائمة قريباً بإذن الله فإن الأمر أوْجَبُ والشأنَ أعظمُ لأن إيجاد مصانع الآلات واجب شرعي أي فرض على المسلمين، فرض على الدولة وعلى الأمة والفرض ينفذ حتماً وبلا خيار وإلا كانت عليه عقوبة، أما لماذا هو فرض فلما يلي:

1- أن عدم وجود مصانع الآلات يجعل جميع المصانع في بلادنا عالة الدول الأخرى المتقدمة في صناعة الآلات الثقيلة فإذا تعطلت آلة أو لزمت قطعة غيار تعطل المصنع وتوقف عمله على تزويدنا بذلك من الدول الكافرة المستعمرة وفي هذا ضرر يلحق بالمسلمين، ثم أن عدم وجود مصانع الآلات لدى المسلمين يجعل البلاد الإسلامية معتمدة في صناعاتها الحربية كذلك على الدول الأخرى وفي هذا ضرر أفظع من الأول وكلاهما يجعل سبيلاً للكافرين على المسلمين والله يحرم هذا (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).

2- إن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام وهو طريقة رئيسية لنشر الإسلام في الخارج، والجهاد قائم على الصناعة الحربية فإن كانت تعتمد على الدول الكافرة يكون قد تعطل المعنى المقصود من الجهاد، فحتى يتم الجهاد على وجهه لا بد من أن تتوفر الصناعة الثقيلة لإنتاج الآلات اللازمة للجهاد. هذه واحدة أما الثانية فإن الإعداد للقتال فرض على المسلمين، والإعدادُ المطلوب هو ما كان فيه إرهاب للعدو وهذا يحتاج صناعة أسلحة لم يعهدها العدو في القوة والعظمة. وإن لم يكن هناك صناعة ثقيلة وصناعة آلات فلا يمكن تحقيق الإرهاب (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) وحين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب تكون الصناعة الثقيلة وإيجاد صناعة الآلات واجبة.

ولذلك فإن إيجاد المصانع الثقيلة ومصانع الآلات فرض على المسلمين وليس على بيت المال فقط، لهذا إن لم يكف ما في بيت المال لإيجاد المصانع الثقيلة فإن الدولة تفرض على أغنياء المسلمين ضرائب تقدرها لإقامة المصانع الثقيلة في البلاد.

هذا فضلاً عن أنه من الناحية التجارية يعتبر التعجيل بإيجاد مصانع الآلات أمراً ضرورياً لأن الشرق الأوسط كله يكاد يكون خالياً من مصانع الآلات، وهو يستورد ما يحتاجه من الآلات والمصانع من أميركا وأوروبا، وهو يقبل على إنشاء مصانع استهلاكية كثيرة فهو سوق رابحة، فإيجاد صناعة الآلات في بلادنا يكسب هذه السوق المفتوحة التي لن يكون لنا مزاحم فيها إذا ما وجدت عندنا صناعة الآلات.

وأيضاً فإن شراء المصانع والآلات من الخارج يكلفنا ثمناً غالياً، وهي تباع لنا بأسعار عالية، ولكن إذا أوجدنا نحن مصانع الآلات خاصة والنفط متوفر في بلادنا فنحصل على المصانع والآلات بأرخص مما نشتريها من أوروبا وأميركا.

ولكننا ننادي بضرورة صناعة الآلات لا لهذه الأسباب، وإنما لتحقيق سياسة معينة اقتصادية هي جعل بلادنا بلاداً صناعية سواء أنتج هذا ربحاً أم خسارة وسواء وجدت لها أسواق في الخارج أم لم توجد، لأن هذا فرض ومن أجله فحسب لا بد من البدء بإيجاد صناعة الآلات وأن يكون هذا البدء ثورة صناعية وبشكل انقلابي.

إن بلادنا مليئة بكل ما يلزم للثورة الصناعية، فالمواد الخام متوفرة بشكل يكفي لإيجاد هذه الصناعة الثقيلة وقيادة العالم لإسعادهم لا لامتصاص ثرواتهم ودمائهم كما تفعله الدول الصناعية الرأسمالية حالياً.

وإنه يحسن بنا أن نذكر بعض ما نشر عن المعادة المنقب عنها والموجودة في بعض بلاد المسلمين، دون ما هو في باطن الأرض من مخزون لم ينقب عنه بعد.

الحديد

اليورانيوم

البلد الموجود فيها

الكمية

البلد الموجود فيها

الكمية

العراق

29.8 مليون طن

السعودية

2.3 طن «320 غ/ طن»

سوريا

140 مليون طن

الجزائر

0.09 طن «125 غ/ طن»

مصر

525 مليون طن

المغرب

1.6 (حد أدنى) «طن 130غ/ طن»

السودان

60 مليون طن

موريتانيا

0.018 طن «37غ/ طن»

المغرب

990 مليون طن

العراق

120. طن «تركيز 130غ/ طن»

موريتانيا

2500 مليون طن

سوريا

200. طن «110غ/ طن»

تونس

75 مليون طن

مصر

310. طن «95غ/ طن

ليبيا

3525 مليون طن

الصومال

2.2 طن «800غ/ طن»

الجزائر

3525 مليون طن

تونس

0.05 طن «80 غ/ طن»

الكبريت

الرصاص

البلد الموجود فيها

الكمية

البلد الموجود فيها

الكمية

السعودية

70 مليون طن

مصر

107 مليون طن

مصر

96 مليون طن

الجزائر

واحد مليون طن

المغرب

500 مليون طن

المغرب

45 مليون طن

المنغنيز

الفوسفات

البلد الموجود فيها

الكمية

البلد الموجود فيها

الكمية

سوريا

7.5 مليون طن

سوريا

624 مليون طن

مصر

70 ـ 200 مليون طن

الأردن

1038 مليون طن

السودان

300 ـ 360 مليون طن

تونس

795 مليون طن

الجزائر

600 مليون طن

الجزائر

205 مليون طن

المغرب

4200 مليون طن

المغرب

13175 مليون طن

الزنك

المعادن الثمينة

البلد الموجود فيها

الكمية

البلد الموجود فيها

الكمية

مصر

2.5 مليون طن

السعودية

12900 ألف طن «9 ذهب: 60 فضة»

السعودية

15 مليون طن

السودان

450 ألف طن «12ذهب: فضة»

تونس

2.5 مليون طن

الجزائر

18000 ألف طن «0.4 ذهب: 100 فضة»

الجزائر

8 مليون طن

المغرب

980 ألف طن «3 ذهب: 110 فضة»

المغرب

15 مليون طن

موريتانيا

5000 ألف طن «2.5 ذهب: 2 فضة»

البوتاس

النحاس

البلد الموجود فيها

الكمية

البلد الموجود فيها

الكمية

الأردن

2000 مليون طن

الأردن

100 مليون طن

ليبيا

705 مليون طن

السعودية

28 مليون طن

تونس

40 مليون طن

عمان

11 مليون طن

المغرب

250 مليون طن

مصر

واحد مليون طن

الصخر الزيتي

السودان

9 مليون طن

البلد الموجود فيها

الكمية

المغرب

7 مليون طن

الأردن

1030 مليون طن (10%)

موريتانيا

19 مليون طن

المغرب

90000 مليون طن (8.5%)

 

 

 

كما أن البحر الميت يزخر بكثير من المواد الذائبة في مياهه والتي تدخل في كثير من الصناعات فمثلاً يحوي (2000) مليون طن متري من كلوريد البوتاسيوم الذي يستعمل في صنع البارود و(22000) مليون طن من كلوريد المغنيسيوم الذي يستعمل في صناعة الطائرات والمعادن وكمادة أساسية في الصناعات الكيماوية و(980) مليون طن من برومنيد المغنيسيوم الذي يدخل في صناعة القنابل وتكرير واستخراج بنزين الطائرات.

هذا عن المواد الخام الموجودة في بعض أجزاء من بلاد المسلمين، أما عن مصادر الطاقة والذي أعظم مصدر لها الآن هو البترول فإن بلادنا تكاد تحوي معظمه فإن نسبة الاحتياطي المثبت للبترول باستثناء ما لم يكتشف حتى الآن على النحو  التالي:

20% الدول الأوروبية الشرقية.

15% أميركا وأوروبا الغربية.

65% دول الأوبك.

وهذه موزعة على النحو التالي:

22% السعودية.

29% دول الشرق الأوسط الأخرى.

14% باقي دول الأوبك.

علماً بأن كمية الاحتياطي من البترول المثبت يقارب الـ (1000) بليون برميل. ولذلك فإن بلادنا غنية بمصدر الطاقة الضروري للصناعة وغنية بالمواد الخام اللازمة وهي كذلك غنية بالفنيين والمهنيين مما يجعلها قادرة على أن تكون دولة صناعية تسود العالم بقوتها إذا أخلصت العمل وأحسنت التصرف وأفرغت الوسع وبذلت الجهد وعلمت أن هذا فرض عليها، وأي فرض.

إن الغرب يدرك أن تقدم الدولة الصناعي لا يتم بدون البدء بصناعة الآلات وطبقاً لوجهة نظرهم الرأسمالية الاستعمارية فإنهم يرسمون الخطط لتبقى الدول الأخرى تابعة صناعياً لهم وسوقاً لتصريف صناعاتهم ومنطقة نفوذ وهيمنة لهم. ومن الأساليب الخبيثة التي يضعونها لبلادنا كي تبقى متخلفة صناعياً ولا تتمكن من أن تبني نفسها صناعياً ما يلي:

1- دراسات وأبحاث لإيجاد قناعات لأصحاب القرار في بلادنا وأعوانهم بأن الصناعة تحتاج إلى مراحل حتى تكتمل، فقد نشر البروفيسور (روستو) في كتابه المثير (مراحل التنمية الاقتصادية) 1960 ما يوحي بأن المجتمع لا بد أن يمر بمرحلة المجتمع التقليدي ثم مرحلة الانطلاق ثم مرحلة النضوج ثم مرحلة الاستهلاك الشعبي العالي قبل أن يصل إلى مرحلة التصنيع الثقيل، وكل مرحلة من هذه المراحل وضع لها شروطاً تحتاج إلى زمن طويل لتكتمل مما يجعل أي دولة تريد أن تبدأ التصنيع الثقيل، يجعلها تسير عقوداً قبل أن تصل إلى مرحلة التصنيع الثقيل. والهدف من هذا الكتاب وأمثاله الحيلولة دون الثورة الصناعية، فإن من يقتنع به يعتقد أنه لا بد من المرور بمراحل طويلة وهذا يعني صرف الناس عن الثورة الصناعية.

وهذه الدراسات وأمثالها تريد أن تبقي العالم أسواقاً للغرب تستهلك ما ينتجه وتحقق مصالحه، وهذا ما ذكره صراحة رئيس البنك الدولي للإعمار والإنماء السابق السيد يوجين بلاك في كتابه سياسة الإنماء الاقتصادي، حيث اقترح في كتابه المذكور أن يكون العون الاقتصادي الإدارة الرئيسية للحفاظ على فعالية الغرب السياسية والاقتصادية في العالم المتخلف اقتصادياً.

2- عدم السماح بنقل التكنولوجيا إلا فيما يمكن البلاد من توريد منتجاتهم واستعمالها، فمثلاً المكان الذي لا توجد فيه كهرباء لا يمكن أن تباع فيه الثلاجات الكهربائية حتى لو كان فيها من يستطيع شراء الثلاجة لذلك لا بد من تعميم الكهرباء في الدول المتخلفة ولو بقروض من الدول الصناعية ولا بد والحالة هذه من إيجاد المهندسين والفنيين القادرين على تشغيل واستخدام الأجهزة الصناعية التي تنتجها الدول المتقدمة ولذلك فهم لا يمانعون في مثل هذا التعاون العلمي ونقل الخبرة التكنولوجية في مثل هذه الحالات، ولكن ليس لجعل الدول المتخلفة تستوعب التكنولوجيا إلى حد يمكنها من إقامة الصناعات الثقيلة.

3- اشغال البلاد في أنواع من الصناعات تستنفذ طاقاتهم وتهدر وقتهم وتوجد عندهم نوعاً من الترف يبعدهم عن الجد والاجتهاد في إيجاد الصناعات الثقيلة أو حتى الوسيطة، وهذا واضح من هيكل الصناعات في بلادنا الذي يتصف بغلبة الصناعات الاستهلاكية بنسبة 61% مقابل 39% للصناعات الوسيطة والاستثمارية حيث تتمثل الصناعات الاستهلاكية في المواد الغذائية والملابس والمنتجات الجلدية وملحقاتها وتتمثل الصناعات الوسيطة في عدد محدود من منتجات الصناعات الكيماوية وبخاصة تكرير البترول، وتتمثل الصناعات الاستثمارية أساساً في الحديد والصلب والألمنيوم، وحتى هذه الصناعات الوسيطة والاستثمارية فهي في معظمها من الصناعات التحويلية كأن تشتري المادة المصنعة أولياً من الخارج ثم يشتري امتياز صنعها هنا من شركة تصنعها في الخارج ثم نصكها نحن هنا كصناعة عدد كبير من الأدوية وبعض المعجونات أو نشتري المحركات الرئيسية وامتياز الصنع من الشركة الأمة ونجمع الإنتاج عندنا كما يحدث في صناعة تجميع السيارات.

4- إيجاد نمط جديد للتصنيع في البلاد وهو ما يسمى بالصناعة العابرة التي تتخذ من بلادنا محطة الإنتاج فحسب تستفيد إن صح التعبير من المزايا النسبية للبلد المعني وخاصة من خاماته أو طاقته أو موقعه لإنتاج منتجات معدة للتصدير للسوق العالمية وفي هذه الصناعة العابرة تستورد أغلب عناصرها لتعيد تصديرها وأن يكن ذلك بعد إدخال قدر من التصنيع عليها، ففي البحرين مثلاً توجد شركة للألمنيوم تشترك الحكومة مع مصالح أجنبية متعددة في رأسمالها، وهذه الشركة تستورد المادة الخام من استراليا لتتولى تحويلها في البحرين بفضل الغاز الطبيعي الموجود بوفرة فيها والذي لم يكن بالوسع نقله إلا بتكلفة عالية. وهكذا ينتج في البحرين ألومنيوم نقي بهدم التصدير إلى الخارج، ويكون المقصود منها حصول الدول الأوروبية على مادة الألمنيوم المصنعة بسعر رخيص. وهناك بعض المشاريع أمثالها في السعودية.

هذه بعض الخطط والدراسات والمشاريع التي يرسمها الغرب لبلادنا حتى لا تصبح دولاً متقدمة صناعياً بعد أن تصرفها عن الصناعة الثقيلة والتي تشمل صناعة الآلات من الحديد والصلب والمحركات وهياكل الطائرات والصناعات الإلكترونية والصناعات النووية بما في ذلك الأسلحة وصناعة الفضاء وأمثالها. ومن الجدير ذكره أن هناك أمرين يجب أن يلازما الثورة الصناعية في بلادنا:

1- أن التصنيع الحقيقي معناه الثورة على النفوذ الأجنبي، فهو لذلك أمر سياسي لا يمكن أن يقام به إلا على أساس فكري عقائدي تتبناه قيادة سياسية واعية، وهو هنا الإسلام الذي يجب أن تقوم القيادة السياسية بالتكتل حوله وإنهاض الأمة على أساسه فتوحد بلاد المسلمين في دولة خلافة واحدة حتى يتوفر في هذه الدولة الواحدة القوى البشرية اللازمة والمواد الأولية وكذلك مصادر الطاقة. وعليه فإن الوحدة بين بلاد المسلمين فوق كونها فرضاً محتماً فهي كذلك من ضرورات التصنيع.

2- أن الصناعة يجب أن تقوم على أساس حربي فتكون الصناعة الحربية هي الهدف الأساس من التصنيع الثقيل فضلاً عن القطاعات الصناعية الأخرى، وبدون الصناعة الحربية تكون الدولة حتى وإن تقدمت في القطاعات الصناعية الأخرى غير مؤثرة في المجال الدولي والسياسة العالمية، كما هو الحال مع ألمانيا واليابان بعد تقييد صناعتها الحربية بعد الحرب العالمية الثانية. أما في الإسلام فإن التصنيع الثقيل لا ينفك عن الصناعة الحربية فهي أساس لأن هذا من متطلبات الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام. ولذلك فإن دائرة الصناعة في نظام الحكم في الإسلام تكون تابعة لأمير الجهاد.

بعد أن بيّنا كيف يمكن أن تبنى الدولة صناعياً وأنه يجب أن يكون على أساس البدء بالصناعة الثقيلة فإنه قد يرد سؤال وهو: إذا كانت السياسة الصناعية هي جعل البلاد بلاداً صناعية أي حصر الجهد في أول الأمر بإيجاد صناعة الآلات والانتظار حتى توجد الآلات فتوجد منها صناعات استهلاكية، وماذا نعمل في الصناعات التي تحتم السياسة الصناعية أن تكون ملكاً للدولة كاستخراج النفط مثلاً؟

والجواب على ذلك هو أن البلاد الإسلامية في جملتها ليست بلداً مصنعاً فليس فيها واحدة من الصناعات الثقيلة أو الكبيرة أو التي تستقطب طائفة من الصناعات ذات الحلقات المتصلة باستثناء بعض الحلقات البسيطة المتفرقة هنا وهناك.

وجل ما في البلاد الإسلامية في جملتها حتى الآن من الصناعات الحديثة البارزة هي صناعات استهلاكية، وهذه تظل كما هي ولكن لا نسير فيها شوطاً أكبر ولا ننشئ غيرها بل يجب التوقف عند حد ما هو موجود وتغيير الطريق تغييراً فجائياً وحصره بالاتجاه لإيجاد صناعة الآلات. ولكن ليس معنى تغيير الطريق هو قفل باب الاستيراد فإن هذا لا يجوز حسب سياسة الاقتصاد في الإسلام لأن لرعايا الدولة أن يشتروا ما يريدون من داخل البلاد وخارجها باستثناء ما يلحق ضرراً بالأمة، بل معنى تغيير الطريق هو إيجاد صناعة الآلات وجعلها كأرض مصانع الآلات، وحينئذ يحصل الشراء منها ولا يحصل الاستيراد طبيعياً بشكل تجاري من غير حاجة لأن تمنعه الدولة.

أما الصناعات التي تحتم السياسة الاقتصادية ملكية الدولة لها فإنها لا تحتم وجوب ملكيتها ولكنها تمنع الأفراد من ملكيتها فصناعة استخراج الحديد هي من الصناعات التي تملكها الدولة لأنها من الملكية العامة ولكن ليس معنى ملكيتها أن تشتري الدولة مصانع لاستخراج الحديد بل معناه أن هذه المصانع لا يملكها الأفراد وأن الدولة تملكها حين تجد إمكانية لملكها وحسب السياسة الاقتصادية في الإسلام فلا تنشئ الدولة مصانع مما هو من ملكيتها إلا ما لا بد منه لإيجاد مصانع الآلات. وهكذا فإن ما عندنا من مصانع استخراج النفط ومصانع تصفيته ومصانع استخراج البوتاس والفوسفات وما شاكل ذلك، كل ذلك يجب الاستمرار فيه ولكن دون التوسع في ذلك ودون إنشاء جديد، بل ننتظر في ما لم يستخرج بالفعل إلى أن نصنع نحن الآلات وحينئذ نقوم باستخراج المعادن والنفط من المناجم الجديدة والآبار بآلاتنا التي صنعناها نحن.

كما قلنا فإن سياسة التصنيع هذه فرض في الإسلام والفرض واجب التنفيذ ولذلك فإن الدولة الإسلامية قد طبقت ذلك قبل أن يقضى عليها المتآمرون بعد الحرب العالمية الأولى، ونقول طبّقته حتى بدون أن نذكر الواقع الصناعي الذي كان في دولة الخلافة لأن سياسة التصنيع هذه فرض على الدولة وعلى الأمة. ومع ذلك فإني سأذكر ثلاثة أمثلة على قوة صناعة الدولة الإسلامية، في عصرها الأول ووسطه وآخره:

1- هاجر رسول الله r وأقام الدولة الإسلامية هنا وعلى الرغم من أن السلاح كان بسيطاً ويمكن شراؤه إلا أن الرسول لم يكتف بذلك فأرسل اثنين من المسلمين إلى جيوش اليمن يتعلمان صناعة الأسلحة ثم بعد ذلك نقلاها إلى الدولة الإسلامية وما أن دخلت السنة الثامنة للهجرة حتى تمكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه من استعمال المنجنيق في دك أسوار الطائف عند فتحها وقد كان هذا السلاح يعتبر حينها من الصناعات الحربية الثقيلة تعلمه المسلمون وأنتجوه.

2- في زمن هارون الرشيد في الدولة الإسلامية العباسية أهدى ساعة إلى شارلمان أشهر ملوك أوروبا في حينه فلما صارت الساعة تدق في ديوان شارلمان ظنّت حاشيته أن في الساعة عفاريت وهرب بعضهم، هكذا كان حال صناعة المسلمين وهكذا كان حال باقي الأمم.

3- في زمن محمد الفاتح في الدولة الإسلامية العثمانية، قام أحد المخترعين الحربيين بعرض اختراعاته الحربية على ملوك أوروبا فلم يبالوا بها بل واعتبرها البابا ورجال الدين عندهم هرطقات فعلم به محمد الفاتح فاهتم بالأمر وأكرمه وسخى عليه المال لتنمية صناعاته فقام بتصميم المدافع الضخمة ومن أبرزها ذلك المدفع العملاق الذي يزن (700) طن ووزن قذيفته 12 ألف رطل ويجره مئة ثور يساعدها مئة رجل شديد وكان دوي انفجاره يسمع على بعد (13) ميلاً كما أن قذيفته كانت تنطلق بعيداً لمسافة ميل واحد ثم تغوص في الأرض ستة أقدام. وقد استعمل هذا المدفع في دك أسوار القسطنطينية عند فتحها من قبل محمد الفاتح.

أيها الأخوة:

لقد كان المسلمون يخططون وينفذون لتكون صناعتهم في المقدمة، تتبعها الدول الأخرى لا أن تتبع هي وتقيد بصناعات الدول الأخرى، لقد كانت تتعهد أرباب الصناعة ليس فقط ممن هم من رعيتها بل لو علمت بأحد العلماء من الخارج استدعته وتعهدته كما تفعل الدول المتقدمة صناعياً الآن. وبقي هذا حال الدولة الإسلامية حتى ضعف الإسلام في النفوس وتآمر عليها المتآمرون وقضي على الخلافة بعد الحرب العالمية الأولى.

بعدها أصبحت الدول الكافرة المستعمرة ترسم لنا أساليب خبيثة تحول بيننا وبين أن نصبح بلداً صناعياً لتبقى لهم في بلادنا الهيمنة والنفوذ، وقد تمكنوا من إيجاد بعض الحكام في بلاد المسلمين وبعض أصحاب رؤوس الأموال يتوجهون في صناعاتهم وسياساتهم، بتوجهات الدولة الغربية التي تحاول منع دول العالم الثالث وبخاصة البلاد الإسلامية من إدخال التصنيع الثقيل كي تبقى هذه الدول تابعة لها فتستثمر مصادرها الأولية وتبقيها سوقاً لتصريف منتجاتها بدل أن تتحول إلى منافس لها.

أيها الأخوة:

إنه إذا كان حكام البلاد الإسلامية الآن قانعين بالتبعية لدول الغرب في السياسة والتشريع والاقتصاد والتصنيع وسائر الأمور، فإن دولة الخلافة الإسلامية عند قيامها ستعمل ليس لترك التبعية فقط بل لتكون هي الدولة الأولى المؤثرة في العالم وإدخال التصنيع الثقيل وبأقصى سرعة ممكنة وسيكون من أولويات أعمال الدولة. إلا أن هذا لا يعني إهمال سياسة الصناعة هذه وتأخيرها إلى ما بعد قيام الخلافة فإن إقامة الحكم بما أنزل الله في بلد صناعي سيضيف قوة إلى قوة وسيختصر الوقت اللازم للانتهاء من التصنيع الثقيل في دولة الخلافة بإذن الله.

ولهذا فهذه دعوة موجهة لكل مخلص غيور على أمته قادر على المساهمة في تصنيع هذه الأمة لتلحق بالدول المتقدمة عليها صناعياً، دعوة لكل هؤلاء وغيرهم ممن لهم علاقة، حكاماً ومحكومين، دعوة لكل من أعطاه الله قدرة علمية أو قدرة تكنولوجية، وقدرة توجيهية يمكن أن تفيد في أي حقل من حقول الصناعة التي تحتاج إليها البلاد الإسلامية، دعوة لكل هؤلاء للعمل لا أقول بسرعة بل بأقصى سرعة لوضع البلاد على طريق التصنيع الثقيل.

إننا ندرك أيها الاخوة أن الدول الكافرة المستعمرة وعملاءها الذين زرعتهم في بلادنا فحملوا أفكارها وثقافاتها، سيبذلون الجهد الجهيد لمنعنا من هذا الأمر لكن أمة حية كالأمة الإسلامية لن يعجزها ذلك إن أخلصت لله العمل وأعطت من جهدها وعرقها ما يتناسب والمكانة التي ارتضاها الله لها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *