العدد 40 - السنة الرابعة – محرم 1411هـ، آب 1990م

نفحة من عبير الفتى

الشاعر: يوسف إبراهيم

شوال 1410هـ أيار 1990م

المجد والإقدام والعلياءُ

في أرضها والعزة الشماءُ

من دوحة الآباء خير هديةٍ

يزهو بها الأحفاد والأبناءُ

غَرْسُ البطولة يا جزائر مزهرٌ

عَبِقُ العبير، وروضة غَنّاءُ

غرسته أيدٍ، بالكفاحِ، أبيةٌ

وسقته في ساح الجهاد دماءُ

فجنيتِهِ نصراً عزيزاً خالداً

وكرامة يسموا بها الكرماءُ

فاسألْ فرنسا كيفَ حُطِّم نابُها

وتزلزلَ العدوانُ والأعداءُ

جاءت تعربد والعُتُوُّ سلاحُها

والكِبْرُ تاج والغرور رداءُ

تختال بالإجرام زاهية الخُطَى

فهوى الغرور وديست الخُيَلاءُ

حتى إذا حُطِمَ الصليب وفُرِّقَتْ

حُجُبُ الدُّجى وانجابت الظلماء

وأطلَّ فجر النصر مؤتلق السَّنا

بالمجد يُشْرق وجهه الوضّاءُ

لَبِستْ قناع الخائنين أراقمٌ

ضاقت بنشر سمومها الأرجاء

وَزَهَتْ عروش للطغاة بموطني

وتكاثر الدخلاء والعملاء

وتأخر السيفُ الأبيُّ وجنده

وتقدمَ الأنذال والسفهاءُ

فإذا البلاد صريعة عصفت بها

من كل فجٍ زَعْزَعٌ نكباءُ

وإذا الكوارث والمصائب جَمّةٌ

تنتابها والداء والأرزاءُ

وإذا فرنسا في الجزائر بعدما

زالت وساد عبيدها الؤماءُ

أرض البطولة والجهاد ذبيحةٌ

تَدْمى الجراحُ وتُنْثَرُ الأشلاءُ

تُشْوى بنار المستبد مَهينةً

وتَمَسُّها الضراء والبأساءُ

وتنوء تحت السوطِ واهنةَ الخطى

وتئِنُّ وهي قعيدةٌ شَلاّءُ

والأمّةُ الشماء تَرْسُفُ ذِلَّةً

في القيد وهي أسيرة عَزْلاءُ

ظمأى ببيداء الحياةِ تقودُها

نحو الدمار العصبةُ الرعناءُ

ويُحَطِّمُ الجلاد شامخَ عزها

ويسوسها الأوغادُ والجهلاءُ

يا ساحةً شهدت معارك عُقْبَةٍ

والمجدُ يَرْوى والسيوفُ ظِماءُ

والأرضُ تحتَ الخيل تَنْبِضُ عِزةً

والأفْقُ بالنصر المبين يُضاءُ

وترابُها بدم الأباة مُعَطَّرٌ

وفضاؤها تكبيرةٌ وحُداءُ

والبحرُ يحتضن الجوادَ مُرَحّباً

جَذِلاً، ويهتف للجهادِ الماءُ

وسل المضيقَ وطارقٌ يجتازُه

يحدوهُ عزم صارمٌ ومضاءُ

ويا فُلْكَهُ بعد العبور تحرَّقي

لا رجعةٌ تُرْجى ولا استخذاءُ

هُنَّ السِّهامُ إذا انطلقن نَوازعاً

نحوَ العدوِّ فما لَهُنَّ وراءُ

متوثبُ الإقدام ليس بناكص،

يرضى النكوص ويرجع الجبناءُ

راياتُه لا تنثني عن غايةٍ

يأبى الجهادُ الحرُّ والعلياءُ

نادى، وما أسمى النداءَ مجلجلاُ

يكسو صداهُ جلالةٌ وسناءُ

يا أيها الجُنْدُ الكواسرُ ما لكم

إلا اصطبارٌ في الوغى وبلاءُ

البحرُ خلف ظهوركم وأمامكم

ساحُ القتالِ المرِّ والأعداءُ

أنتم بها الأيتامُ يملكُ قوتكم

في أرضها اللؤماء والبخلاءُ

أنتم سهامٌ في صدور عدوكمْ

أنتم من الله العليِّ قضاءُ

فوزوا بإحدى الحسنيين فعنده

يُرْجى الجزاءُ وتُبتغى النعماءُ

إن تُنْصَروا فالنصرُ فوق رؤوسكم

تاجٌ يَتيهُ ورِفْعَةٌ وإباءُ

أوْ تُقْتَلوا فشاهدةٌ مبرورةٌ

يَسْعى لنيل ثوابها الشهداءُ

ومَشَتْ بأندلسٍ كتائبُ طارقٍ

فإذا عروشُ الظالمين هَباءُ

وعلى وجوه الكافرين مَذَلَّةًّ

وعلى قصور المترفين عفَاءُ

وأضاءَ نورُ الله حالكها فلا

بَغْيٌ يتيه بها ولا استعلاءُ

وزَها بها الفتحُ المبينُ فَرَجَّعَتْ

أصداءه الأجْواءُ والغَبْراءُ

أَنّى يسيرُ الفاتحون تَفَتَّحَتْ

بالنصر أبوابٌ وَرفَّ لِواءُ

وتجوبُ خيلُ اللهِ آفاقَ المَدى

فَتَعُمُّهَا البركاتُ والآلاءُ

تَحيى المدائنُ بالبشائر، والقُرى

وكأنها الأنواءُ والأنباءُ

سيفٌ يذلِّلُ رأسَ كلَ مُكابِر

متغطرس، ومَحَجَّةٌ بيضاءُ

أكْرِمْ بقومٍ لم تَزَلْ من جودِهَمْ

بالغيْثِ تَهْطِلُ ديمةٌ سَحّاءُ

مَوْتَى ولكنَّ الخلود يضمهم

في سِبْرهِ فكأنهم أحياءُ

ومضتْ عهودُ المجدِ خالدةَ السَّنا

يزهو بها تاريخُها الوضّاءُ

مَجْدٌ تضيءُ الشُّهْبُ من أنوارِهِ

وتَغَارُ من عليائِهِ الجوزاءُ

حتى إذا قعدتْ به أبناؤه

وتخلَّفتْ عن ركْبِهِ النُّصَراءُ

ظهرَ الفسادُ وعمّت الفوضى وقد

وُئِدَ الإخاءُ وسادت البغضاءُ

سَكِرَتْ قصور المترفين خلاعةً

غرقت ببحر مجونها الأمراءُ

وتسابقت فيها القيانُ فما بها

إلا رنينُ معازفٍ وغناءُ

دولُ الطوائف تستبدُّ ملوكها

وتقودها الأطماع والأهواءُ

متفرقون، فصفُّهم متصدِّعٌ

عُمْيُ النُّهى فسبيلهمْ عمياءُ

فتهدمت أوطانهم وعروشهمْ

وانهارت الزهراء والحمراءُ

وجرى القصاصُ عليهمُ فجزاؤهمْ

بعد الفتوحِ هزيمةٌ وَجَلاءُ

هي سُنَّةُ الله التي ما بُدِّلَتْ

يوماً، فما للمترفين بقاءُ

واليوم تجتاحُ الجزائر هَجْمةٌ

مسعورةٌ وجهالةٌ جهلاءُ

وتثور جامحةَ الهبوبِ عَتِيَّةً

للظلم عاصفةٌ بها هوْجاءُ

ويزمجر الوغدُ الجبان بأرضها

كالليثِ وهو بعوضةٌ عجفاءُ

ويضج في المذياع طبلاً صاخباً

فتجلجلُ الأصداء والأنباءُ

حتى إذا زحفَ العدوُّ بجيشِهِ

يَبْغي النزال، فَقِطَّةٌ خرساءُ

كمْ يَدَّعِي المجدَ القديمَ لطارقٍ

والمجدُ مِمّا يدعيه براءُ

كمْ يدّعي ظُهْرَ المَلاكِ، وخُلْقُهُ

عُهْرٌ يَضِجُّ خلاعةً وبِغاءُ

كَمْ يَدّعي الشرفَ الرفيع بمنصب

عَفِنٍ، وكلُّ فِعاله خَرقاءُ

ألقى لسادته قياداً مُذْعناً

ومشى كما شاءَ الضلالُ وشاؤوا

بالغدر مجبولٌ فتحتَ ثيابه

ذئبٌ يصول وحيّةٌ رقطاءُ

متبلّدُ الإحساس تَحْسَبُ أنّه

والصّخْرُ والصّنَمُ البليد سواءُ

رأسٌ من الفكر المنير مُعَطَّلٌ

خاو، ووجهٌ ليس فيه حياءُ

كُشِفَ القناعُ فليس يخفى قُبْحَهُ

تمويةُ زيفِ خادعٍ وطِلاءُ

يا نفحةَ الأمس التي من طيبها

تتعطّر الأجواءُ والبيداءُ

هُزِّي رُفاةَ المجدِ تُبْعَثُ أُمَّةٌ

أغفتْ وطالَ برمسها الإغفاءُ

واستنصري غيْثَ الهداية عَلَّهُ

يَسْقي الرمالَ، فتزهرُ الصحراءُ

واستنهضي هِمَمَ الأباةِ بها

فلا يسمو بغير التضحياتِ بناءُ

أبناءَ عُقْبةَ في الجهادِ وطارقٍ

نَعْمَ البنونَ وبورك الأبناء

المجدُ في بيداءَ لاهِبَةٍ اللّظى

ظمآن تلفح وجهه الرمضاءُ

فاسقوه من نبعِ الفِداءِ فطالما

رَوّاهُ منكم في الجهادِ فداءُ

الغرب قد حمل الصليب كأنما

بُعِثَتْ به أجدادُه القدماءُ

وسلاح إسرائيل فتاكٌ كما

يسري الوباءُ، ويستبدُّ الداءُ

تختالُ في القدس الطَّهور كأنها

في كل قلبٍ حَرْبةٌ نجلاءُ

وتُعينُها دولُ الصليب كأنها

في جسمِها القَزَمِ الهزيلِ دماءُ

وَيمُدُّها في الشِرقِ الحادٌ على

الإسلام  شُنَّتْ حَرْبُهُ الحمراءُ

مهما تصارعت المطامعُ بينهمْ

فجميعُهُمْ في حربنا حلفاءُ

قد أوقدوها نارً كُفْر حاقدِ

فَعَنا العبيدُ وأَذْعنَ الأجَراءُ

مسعورٌ، يصلى نارَ لهيبها

صنعاُ والفيحاءُ والبطحاءُ

تشقى بها أرض النبوّةِ والهُدى

والقدسُ والمعراجُ والإسراءُ

والمِنْبَرُ الشاكي المحرّفُ لم تَزَلْ

في القدسِ من أنّاته أصداءُ

سيناءُ والجَوْلانُ والأردنُّ

في أَتّونِها والصخرةُ العصماءُ

تستصرخُ الأطفال في وقَدَاتِها

تشكو شيوخٌ حُرّقَتْ ونساءُ

والهند والأفَغان في زَفَراتِها

والقَيْروانُ وتونسُ الخضراءُ

يشقى جميع المسلمين بِحَرِّها

بكلِّ قُطْرٍ ذِلّةٌ وشقاءُ

تُذْكي زبانيةُ الضلال لهيبَها

نَهماً وأجسادُ الشعوب شِواءُ

سَكِروا بكل دمٍ بريءٍ نازفٍ

مُسْتَنْقِعينَ كأنهُ الصهباءُ

ومن الخيانة يبتغون تجارةُ

بيعٌ لهم في سوقِها وشِراءُ

فيها تبارى المترفون تكاثراً

وتسابق الحكامُ والزعماءُ

في مصنع الغربِ المُعَلِّمِ رُكِّبُوا

فالفردُ منهم آلةٌ صَمّاءُ

يستوردون الفكر من أسواقه

عَفِناً كما تُستوردُ الأزياءُ

يبشرون بنهجه وكأنّهمْ

للغرب في أوطانهم سفراءُ

في كل يوم دعوةٌ هدامةٌ

في كل نادٍ صحيةٌ نكراءُ

للشرق أو للغرب قد فُتِنوا

بها وانقادت الأهواءُ والآراءُ

جَعَلوا عقيدتَها العقيمَ دِعامةً

للحكْمِ، وهي سخيفة جوْفاءُ

يا رافعينَ الراية العليا وفي

ميدانها يتسابق الشَرفاءُ

والناصرينَ الدولة الكُبرى إذا

ما راح يعلو للجهاد نداءُ

والحاملينَ العبءَ تحت لوائِها

طاب الكفاحُ وهانت الأعباءُ

سيروا على هَدْيٍ تُنيرُ طريقكم

في الحالكات شريعةٌ غرّاءُ

أمُّ المكارِم كيف يرضى أهلُها

بالذل، وهي عزيزة شَمّاءُ

أحْيوُا خلافَتَها فليسَ يعيدُها

نوحٌ على أطلالها وبكاءُ

بأبي حُماةُ المجد رُوّادُ العُلى

وسياجُهُ، والسّادَةُ النُّجبَاءُ

أنصارُ دين الله أنصارُ الهُدى

ورُعاتُهُ ودُعاتُه الأَكفاءُ

المشرقون بكلِّ لَيْلٍ حالكٍ

صافي الدُّجى يشو به البُصراءُ

الناشرونَ بكلِّ أرضٍ ظِلَّهُمْ

وكأنَّهم للعالمين سَماءُ

القائدون الأمَّةَ الحيرى بلا

مَنِّ، وهم حُرّاسُها الأُمَناءُ

صانوا عهودَ الحقِّ ما حَنِثوا

وكم للعهد عند الأوفياءِ وفاءُ

مَهَروا المعالي بالنفوسِ رخيصةً

وبكلِّ غال تُمْهَرُ الحسناءُ

يَبنونَ للإسلامِ صرحاً شامخاً

فتبارك البُنْيانُ، والبنّاءُ

في ظِلَّهِ تسمو الحياةُ عزيزةً،

وبه تُقامُ المِلَّةُ العوجاءُ

يحيى قلوبَ اليائسين، فنوره

لليائسين بِشارةٌ ورَجاءُ

يأسو جِراحَ البائسين، فَهَدْيُهُ

لذوي الجِراح النازفات شِفاءُ

ويُنيرُ درب التائهين، فنهجُهُ

في حُلْكَةِ الليل البَهيم ضِياءُ

راموا له نِدّاً فأعجز هَدْيُهُ،

وتراجع الأَنْدادُ والنظراءُ

ورماهُ كلُّ الحاقدين فحُطِموا

وهوى المُغيرُ وهدَّهُ الإعياءُ

وتربّصوا كي يطفئوه، ونورُهُ

أعيى الزمانَ فما له إطْفاءُ

يا نَفْحَة الشِّعر المُكَبَّلِ أشْرقي

نوراً بهِ تتمزقُ الظلماءُ

من أَيْنَ لي شِعْرٌ يُوَفِّي حَقَّهُ

يعْيى البيانُ ويعجزُ البُلغاءُ¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *