العدد 40 - السنة الرابعة – محرم 1411هـ، آب 1990م

النظام الديمقراطي

بقلم: د. عبد الرحمن أبو الهيجا

بالغ الناس في تمجيد الديمقراطية الغربية والدعاية لها، حتى أن بعض الناس خلطوا بينها وبين الإسلام، فوجدت لزاماً عليَّ أن أتحدث عنها راجياً من الله أن يسددني للصواب، ويجعل هذا المقال خالصاً لوجهه الكريم.

وقد قسمت هذا الموضوع إلى خمس فقرات وخاتمة، وجعلت الفقرة الأولى نبذة موجزة عن الديمقراطية، والفقرة الثانية: آراء لبعض رجالها وحملة لوائها من مفكري الغرب، والثالثة في كيفية انتقالها لبلاد المسلمين، والرابعة في التفريق بينها وبين الشورى، والخامسة في موقف الشرع منها وأقوال بعض العلماء فيها.

الفقرة الأولى: نبذة عن الديمقراطية:

منذ أن بدأت الاكتشافات العلمية في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي انتهى الصراع الطويل بين رجال الديانة النصرانية ورجال السلطة من ملوك وأباطرة بفوز الآخرين، ففصلوا الدين عن تنظيم شؤون المجتمع، وقصروا الدين على العبادات والأعمال الفردية الأخرى وحسب رغبة الأفراد. ونادوا بالحرية والتحرر من القيود والأوامر الإلهية، وعادوا للثقافتين الوثنيتين اليونانية والرومانية، فأخذوا فلسفة الأولى وأفكارها، وأخذوا قوانين الثانية، فكانت فكرة الديمقراطية في الحكم فكرة يونانية وثنية قديمة تتلخص في حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل الشعب. فالشعب هو صاحب السيادة التي ليس فوقها سيادة لا الله ولا لغيره.

قبل ميلاد المسيح عليه السلام ببضعة قرون، كانت تقوم في اليونان ملتقى جميع الأفكار الوثنية القديمة فكانت بحق تجمع خلاصة أفكار الوثنيين في العالم، وكانت الدولة في أثينة تمارس الحكم الديمقراطي، فكانت مجموعة من زعمائهم تقوم بوظيفة المندوبين، فيقترح أحد هؤلاء الزعماء قانوناً ويجري الاستفتاء عليه علناً في ساحة البلدة العامة بنعم أو لا فقط من قبل بقية الناس وهم العامة، ولا يحق لأحد من العامة أن يقترح مشروع قانون.

وكان عدد هؤلاء العامة لا يزيد عن عشرة في المائة من سكان أثينة أما البقية فلا يجوز لهم الاقتراع ولا يعتبرون مواطنين وهم النساء والأطفال والمحكومين والعبيد والمدينون والأجانب. ومن هنا نجد أن الحكم الديمقراطي في أثنيه لم يكن حكم الشعب ولا حكم أكثرية الشعب أيضاً.

أدى انتصار الملوك والفلاسفة والمفكرين وعلماء الطبيعة على رجال الدين النصراني كما أسلفت إلى فصل الدين عن الدولة وإلغاء القوانين الدينية والتي كانت في حقيقتها دنيوية يحتكرها هؤلاء لتنفيذ مآربهم وأطماعهم، وتعبر عن أهوائهم ومصالحهم، وبعد انخذال رجال الدين وفصل الدين عن الدولة نادى المنتصرون بالحرية والمساواة والديمقراطية. ولما كان يصعب جمع الناس في مكان واحد في الدول الديمقراطية اليوم جعلوا للشعب نواباً يقترعون لإقرار القوانين بعد أن يضعها رجال القانون، وانتخبوا حاكماً لينفذ هذه القوانين من أجل أمن الشعب ورخائه وتكافله.

وأدى التطبيق العملي لذلك إلى انتخاب الأقوياء والأغنياء نواباً عن الشعب، لأن أكثر الناس لا يملكون أموالاً لدفع رسوم الترشيح وبث الدعاية التي تحمل الناس على الانتخاب، هذا إذا لم نقل رشوة الناس بالأموال والوعود. فأصبح النواب هم الحقيقيين مع أنهم قلة من الشعب وأصبح لحكامه هم أصحاب الشركات الكبرى أو من يمثلهم.

وفي الواقع أن إقرار القانون يبدأ باقتراح من أحد النواب الذي يحاول أن يتصل بزملائه ليحاول أن يقنعهم بفائدة القانون التي هي فائدته الشخصية، ويتبادل هؤلاء النواب المصالح فيؤيد الواحد منهم اقتراح غيره ليؤيد هذا الأخير في اقتراح آخر.

فهذا مشروع منع استيراد الترابة إلى لبنان حفاظاً على الصناعة الوطنية عام 79 أدى إلى زيادة أسعار الترابة في اليوم التالي من 15 ليرة إلى 25 ليرة للكيس الواحد، وبذلك تزيد الأرباح وتتحقق مصلحة النائب صاحب مصنع الترابة على حساب الشعب الديمقراطي الحر، وهذا يعني أن الحكم الديمقراطي هو في الحقيقة حكم فردي استبدادي، ولكنه مغلف بكلمات معسولة وأساليب ناعمة، وذلك لأن القانون هو تعبير ابتدأ بشخص واحد هو الذي اقترحه لمصلحته الشخصية وسخر كل الشعب لتنفيذ هذه المصلحة.

ثانياً: بقي أن نرى ما يقوله بعض مفكري الغرب من أبناء الديمقراطية وحملة لوائها:

أ- يقول كيفن رايلي في ص 19 وما بعدها: ومع ذلك فإننا باسم الأمن القومي والمصلحة القومية نعطي للدولة درجة من التحكم في حياتنا ربما جعلت قيصر بورجيا يحمر خجلاً، والمشكلة إننا مثل ميكافيلي نترك للحاكم مسألة تحديد المصلحة القومية على افتراض أن الحكم لا بد أن يستعمل سلطته لصالح الدولة، وهكذا فإمكان إساءة السلطة كامن فيها.

وقد أجال ميكافيلي بصيرته في الأمراء واستنتج أنهم يتصرفون مثل الوحوش في الفلاة وانصب اهتمامه على ما هو كائن لا على ما ينبغي أن يكون.

كان ثوار الطبقة الوسطى في القرن السابع عشر يتحدثون بلغة المطلقات الأخلاقية الجديدة إحياءً للأفكار القديمة عن القانون الطبيعي: وهو مذهب حاول أن يربط بين الفطرة والخير وبين الحقيقة والمثال، وبين السياسية والأخلاق.

عندما تصبح الحكومة في يد الأكثرية، لا يمكن حسمها إلا من خلال الجدل والإقناع والمساومة والمهادنة والمقايضة، ولم يكن بوسعهم التأكد أن هذه العملية ستؤدي دائماً إلى القرار الصحيح.

كانت العملية السياسية مغلقة في وجه الجميع ما عدا طبقة الملاكين، وقدمت نظرية العمل السياسي صورة للإنسانية بوصفها غابة متوحشة، وتصوراً للمجتمع باعتباره سوقاً تسوده المنافسة، فأصبح المجتمع أكثر تنافساً وأقل تعاوناً، وأصبحت العلاقات أكثر سيولة وأقل ثباتاً وكان عدم الطمأنينة والحرب يبدوان أكثر طبيعية من الأمن والسلام، وكان هوبز أول من سلَّم بهذا المجتمع الجديد وسماه «حالة الطبيعة أو الفطرة».

ما زالت المشكلة قائمة إلى اليوم، فقد تغاض لوك عن مشكلة المشاركة العامة في العملية السياسية بترديد المطلقات الأخلاقية الطنانة التي تستند إلى تراث فكرة القانون الطبيعي. فقد يستطيع الجميع أن يقترعوا، ولكن كما كان في إمكان شركة واحدة أن تدفع أربعمائة ألف دولار في حملة انتخاب رئيس الجمهورية، فإن من حقنا أن نتساءل عن جدوى هذا الاقتراع، فالتفاوت الاقتصادي يجعل المساواة السياسية أمراً لا معنى له فلا يمكن لذلك أن تكون السلطة السياسية ديمقراطية إلا للقلة.

ب- ويقول لسلي لبسون في صفحة 215 وما بعدها: والفروق في المساواة تؤدي إلى الفروق في الحريات التي هي في الواقع عدم مساواة، فالمساواة في الأعراب عن الرأي لا تعني أن جميع الآراء مقبولة، ويجب التمييز بين الخطأ والصواب، والصالح والفاسد.

ويتوقف توفير حقوق المساواة وتنفيذ هذه الحقوق على سلطة الحكومة.

وتبعاً لمنطق الحرية والمساواة فإنهما تتضاربان، فأي اتجاه في الفكر والعمل لا يخضع للقيود فسوف يقضي على اتجاه آخر، لذلك فالحرية والمساواة فكرتان تجريديتان.

والأساس السياسي للفلسفة الديمقراطية هو سيادة الشعب كمصدر للسلطة، إذ أن المساواة بين الأفراد وحريتهم مكفولة، حتى أن سلطات الدولة النهائية هي في أيديهم. أما من الناحية العملية، فإن عدداً قليلاً من الأفراد، في ديمقراطية ما، هم الذين يمارسون الحكم باسم الشعب.

والواقع أن بعض الناس يوافقون وبعضهم يرفضون هذه المناهج، لأن من غير المعقول توقع الإجماع النادر، ولذلك ينقسمُ الناسُ إلى أكثريةِ وأقلية، ولأن الديمقراطية لا تقبلُ سيادة القلةِ، فيبقى الاحتمالُ الوحيدُ للديمقراطية هو حكمُ الأكثرية، والفرق بين الأكثرية والأقلية هو عدديٌّ وليس نوعياًن ولا يوجد حقٌّ أخلاقيٌّ فطري في النظر إلى الأكثرية العددية، وتتفوق الأكثرية العددية في مجال واحد فقط هو قوتُها، وهذه حقيقة يجبُ فهمُها وقولُها بصراحة.

جـ- وأخيراً فإن محمد حسين ينقل في كتابه حصوننا مهددة في صفحة 148 رأي توينبي الذي وضعه في كتابه «الحضارة في الميزان» و«الحضارة والغرب» أن الحضارة الغربية هي الآن في النزع الأخير.

ثالثاً: كيف انتقلت الأفكار الغربية كالديمقراطية وغيرها إلى المسلمين:

يقول محمد محمد حسين في كتاب الإسلام والحضارة الغربية ص 19 وما بعدها:

وقد تأثر أعضاء البعثات من المسلمين بالثورة الفرنسية بعد اتصالهم بها مطلق القرن التاسع عشر وكتبوا وترجموا عن الفرنسية كتباً تجد فيها صدى التفكير الأوروبي في القرن الثامن عشر وهي آراء تظهر للمرة الأولى في المجتمع الإسلامي: فللمرة الأولى نجد عند المسلمين كلاماً عن الوطن والوطنية وحب الوطن بالمعنى القومي الحديث في أوروبا: الذي يقوم على التعصب لمساحة محدودة من الأرض يراد اتخاذها وحدة وجودية يرتبط تاريخها القديم بتاريخها المعاصر، ليكونا وحدة متكاملة ذات شخصية مستقلة، تميزها عن غيرها من بلاد المسلمين وغير المسلمين ولأول مرة نجد اهتماماً بالتاريخ القديم يوجه لتدعيم هذا المفهوم الوطني الجديد.

وللمرة الأولى نجد كلاماً عند رفاعة وخير الدين عن الحرية بوصفها الأساس في نهضة أي أمة وفي تقدمها…

ولأول مرة نرى عرضاً للنظم الاقتصادية الغربية التي تقوم على المصارف والشركات، عرضاً مجرداً من التعليق في بعض الأحيان، ومشوباً بالإعجاب والتساؤل عن إمكان تطبيقه على المسلمين أحياناً أخرى.

ونرى بعد ذلك كلاماً كثيراً عن المرأة، لا شك أنه من وحي الحياة الاجتماعية الأوروبية، مثل منع تعدد الزوجات، وتحديد الطلاق، واختلاط الجنسين.

انتقلت أكثر البلاد الإسلامية مع نهاية القرن التاسع عشر إلى الاحتلال الفعلي من قبل الغرب الكافر، وفرض الغرب لغاته وثقافته تيسيراً على الغربي في التعامل مع السكان من ناحية وتمهيداً لمحو طابع المستعمرات الشخصي وامتصاصها من ناحية أخرى.

دعا كرومر إلى بناء جسر بين الهوة التي تفصل بين الكفار والمسلمين بكافة الوسائل التي سارت في طريقين:

1- تربية جيل من المسلمين العصريين، الذين ينشَّؤون تنشئةً تقربهم من الغربيين في السلوك والتفكير، ومن أل ذلك أنشأوا الكليات والمدارس، ليكون خريجوها هم أدوات المستعمر الكافر في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا مع مرور الوقت أدوات تقريب بين المسلمين والكفار وأدوات نشر للحضارة الغربية. فقد كان الاستعمار الغربي، ينتظر الوقت الذي يستطيع أن يستغني فيه عن الجيش، ويعتمد في حراسة مصالحه على الصداقة.

2- وتتمثل في تطوير الإسلام نفسه، وإعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها، أو غير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها ولقيمها وأساليبها، وبذلك وُجد عاملٌ جديد من صلات الإسلام بالحضارة الغربية، وهو تدخلُ الغرب نفسه في توجيه هذه الصلات، والتي كانت قد بدأت أولاً بإحساس المسلمين بالحاجة إلى إصلاح مجتمعهم.

وإلى جانب هذين المنهجين، وُجد عاملٌ ثالث له دور مباشر في صلات الإسلام بالغرب ويتمثل في نصارى العرب، وخصوصاً نصارى الشام الذين يشاركون المسلمين الولاء للإسلام.

وأود أن ألفت النظر إلى أمرين يجب أن لا يغفل عنهما أحد، لكي يأمن الزلل، ولا يضلَّ الطريق ولا يُخدع عن الحقيقة.

1- الأول أن كثيراً من الأشخاص، الذين نعتبرهم دعائم النهضة، لم يصبحوا كذلك في أوهام الناس، إلا بسبب الدعايات المغرضة التي أرادت من وراء شهرتهم، تحقيق أغراضها، في نشر مذاهبهم وآرائهم، وأن كثيراً من الآراء المنحرفة، لم تكن تستطيع أن تجد طريقها إلى المسلمين، لولا أن نسبتها إلى هذه الزعامات، التي لا يتطرق الشك إلى الناس في إخلاصهم وعلمهم.

فقد أصبح يكفي في ترويج أي مذهب فاسد، كما يقول (جِبْ) في كتابه «الاتجاهات الحديثة في الإسلام» أن يقال أنه يوافق رأي فلان، ويكفي للتشهير برأي سليم، أن يُنسب إلى ضيق الأفق، والذي لا يوافق هذا أو ذاك، ممن اتصف بسعة الأفق، والتسامح، وصحة الفهم لروح الإسلام، على ما تزعمه الدعاية، وليس مهماً أن يكون الاستعمار هو الذي استخدمهم لذلك، أو أن هذه الآراء نشأت بعيدة عن حضانته، ثم رآها نافعة فاستغلها.

وخطة الاستعمار في ذلك تقوم على الإعلام، الذي يسلّط الضوء على كتّاب ومفكرين من نوع خاص، ويبنيهم بالمداومة على الإعلان عنهم، ونشر أخبارهم وصورهم، وذلك في الوقت الذي يهمل فيه الكتاب والمفكرين، الذين يحملون وجهة نظر معارضة، وتُسفّهُ آراءهم ويشهر بهم.

ونحن حين ندعو إلى إعادة تقويم الرجال لا نريد أن ننقص من قدر أحد، ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا، أصنام جديدة، معبودة للجماهير، يزعم الزاعمون أنهم معصومون، وأن كل أعمالهم حسنة.

2- والأمر الثاني هو تطوير الإسلام لكي يوافق الأمر الواقع، في الحياة العصرية، وقد بدأت هذه الدعوة برفاعة وخير الدين، وأصبحت بعد ذلك على يد محمد عبده ومدرسته ولا سيما رشيد رضا، دعوةً عامة، تطالب بإعادة النظر في التشريع، وفتح باب الاجتهاد، للقادرين وغير القادرين، حتى ظهرت الفتاوى، التي تبيح الربح البسيط (أنظر كتاب الخلافة يسيرُ الإسلام، لرشيد رضا)، وتحظُرُ تعدد الزوجات، والطلاق، وتجيزُ تدخل القضاء فيهما، وظهرت الآراء التي تجعل الإسلام داخلاً في هذا المذهب أو ذاك، من المذاهب السياسية والاجتماعية التي ابتدعها الغربُ (كالاشتراكية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والوطنية والقومية… الخ) وبذلك يتحول الاجتهاد إلى تطوير للشريعة الإسلامية لتطابق الحضارة الغربية.

على أن الاجتهاد في حال افتتاننا بالحضارة الغربية، خطرٌ غير مأمون، يُخشى معه أن يتحول المجتهد إلى تسويغ قيم الكفار التي هو معجبٌ بها، فإذا لم يكن هو معجباً بها، فالمجتمع المعجبُ بها لا يقبل اجتهادهُ، بل لا تزال تتناوله ألسنة السفهاء والجهال، الذين يُبدون رأيهم فيما يعرفون ويجهلون، حتى يفقد ثقتهُ بنفسه، ويعتبر به غيره، فيُفتي إرضاء للخلق، ويذهل عما عند الله، تعجلاً لما عند الناس.

وخطر التطوير على المسلمين يأتي من وجهتين.

فهو إفساد للإسلام، ويشوّه مفاهيمه الأصيلة، بإدخال الزيف على الصحيح، وإثبات الغريب الدخيل، فبعد أن كان الناس يعيشون حياتهم، وهم يعلمون أن هذا الذي غلبوا عليه، ليس من الإسلام، وأملهم في مجيء نهضة صحيحة تردُّ الأمور إلى نصابها، أصبح الناس يعيشون وهم يظنون أن ما يفعلونه هو الإسلام، فإذا جاءهم بعد ذلك من يريد أن يردهم إلى الإسلام الصحيح، أنكروا عليه ما يقول، واتهموه بالجمود والتطرف والتمسك بظاهر النصوص، دون روحها.

أما الوجه الآخر لخطر التطوير ـ وهو الذي يعني أعداء الإسلام ـ هو أن هذا التطوير سيؤدي إلى الفرقة التي لا اجتماع بعدها، لأن كل جماعة سوف تذهب مذهباً في التطوير غير الأخرى ومع توالي الأيام سنجد إسلاماً تركياً وإسلاماً هندياً وأخر عربياً وفارسياً، وقد سمعنا عن ذلك منذ الآن.

رابعاً: الفرق بين الديمقراطية والشورى:

أما في الديمقراطية فالقوانين يضعها الشعب (أو أصحاب النفوذ من الشعب) والسلطة التنفيذية بيد الشعب فيقوم الحاكم المنفذ المنتخب الأجير عند الشعب بتنفيذ القوانين من أجل الشعب (كل ذلك يكون باسم الشعب والواقع أنه لمصلحة فئة قليلة).

وأما الشورى فهي طريقة في الحكم اتباعاً لقوله تعالى: ]وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ[ وقوله: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ فلا تكون إلا في المباحات ولذلك رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم النزول على رأي المسلمين في صلح الحديبية اتباعاً للوحي وقبل النزول على رأيهم في الخروج إلى الكفار في أحد، فقتال الكفار واجب ولكن اختيار مكان القتال مباحٌ، ورفض أبو بكر الصديق رضي الله عنه النزول عن تحصيل الزكاة رغم المخاطرة بقتال الأكثرية في حروب الردة.

خامساً: موقف الإسلام من الديمقراطية:

يقول حافظ صالح في صفحة 22: للحكم على فكرة ما، أنها صحيحة، هناك مقاييس وقواعد لا يختلف فيها اثنان من العقلاء وهي الاحتكام إلى العقل، ومطابقة الفكر للواقع، والرجوع إلى القواعد التي يعتقدها الخصمان. وبالتدقيق في فكرة الديمقراطية نجدها تقوم على فكرة فصل الدين عن الحياة. فلا ضرورة برأي أصحابها لتقرير الحقيقة في الوجود، لذلك فهي لم تبن على العقل الذي يقرر حقيقة الشيء، وإنما على الحل الوسط، وهو موقف اللامبالاة والشك، فهي فصلت الدين عن تنظيم شؤون الحياة دون أن تقرر إذا كان للدين حقيقة أولاً دون برهان عقلي على ذلك فهي تقوم على أساس من الوهم (أي تقف في الوسط بين الحق والباطل، فلا هي تعترف بالحق وتبرهم عليه ولا تنكر الباطل وتبرهن بطلانه).

وعندما تجعل الديمقراطية الإنسان مصدر التشريع فهي فكرة خيالية لا تطابق الواقع لاستحالة اجتماع الناس على تقرير حكم واحد، ولذلك تهرب دعاتها من حكم الشعب وجعلوه حكم الأكثرية. والحق أن من يسنُّ الدستور ويضع القوانين هم فئة قليلة، أما التنفيذ فالحاكم واحداً وهيئة تنفيذية قليلة العدد، فالدستور تضعه هيئة تأسيسية، ثم يطبق على الناس، دون الرجوع إليهم، أو بإقراره من أكثرية المجلس النيابي، أو من أكثرية الناس، وفي الحالتين الأخيرتين لا تعرف هذه الأكثرية شيئاً عن التشريع والقانون، وهذا يؤدي إلى أن القلة هي التي تضع القوانين ويجعل الديمقراطية مرة أخرى خيالية لا تطابق الواقع.

وإذا عدنا للإسلام نجد أن الحكم للشرع وليس للشعب قال تعالى: ]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ[.

وقد قمنا بعرض للديمقراطية كي لا نترك لأحد ذريعة في أخذها، مؤمناً كان أو كافراً، فهي فكرةٌ باطلة، وهْم وخيال، لا تطابق الواقع، وهي نقيض الحكم الإسلامي.

فهي تقول أن الإنسان حرٌّ، ليس لأحد سلطان عليه، والإسلام يقولُ أن الإنسان عبدٌ لله سبحانه. وهي تقول أن الإنسان يتصرف حسب هواه، والإسلام يقول أن على الإنسان أن يتصرف حسب أوامر الله سبحانه. وهي تقول أن الشعب هو مصدر التشريع، ومصدر التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم والسنة الشريفة وما أرشدا إليه.

وأخيراً علينا أن لا ننسى عندما نقومُ بعمل أنه عمل صحيح، وأن هناك هدفاً نسعى إليه، وأن هذا الهدف يستحق الجهد والعناء اللذين نبذلهما من أجله، وأن الطريق التي نسير عليها تقودنا إليه.

وقد ضرب بيكون مثلاً فقال إن مسافراً إلى لندن لا يعرف الطريق مر بفلاح يزرع فسأله: هل هذه هي الطريق إلى لندن، فأجابه الفلاح بالإيجاب دون أن يرفع إليه رأساً، فاستمر المسافر في طريقه حتى نهكه التعب، فرأى شخصاً آخر فأساله عن الطريق إلى لندن فأجابه قائلاً: نعم هذه هي الطريق إلى لندن ولكنك تسير في الاتجاه المعاكس.

فحتى لا نسير على غير هدى وحتى لا نبتعد عن الهدف، دعونا نعيد النظر والتفكير، قبل أن نعمل، ثم نعمل العمل الصحيح وفي الاتجاه الصحيح بعد أن نعلم. أليس ذلك خيراً لنا من إضاعة الجهد والوقت على غير طائل، ثم نكتشفُ خطأنا بعد فوات الأوان، فنعض أصابعنا غيظاً وحسرة وندامة¨

المراجع:

1- الاستبداد الديمقراطي: عصمت سيف الدولة.

2- الغرب والعالم: كيفن رايلي ـ عالم المعرفة 97.

3- الحضارة الديمقراطية: لسلي لبسون ـ دار الآفاق الجديدة.

4- حصوننا مهددة من داخلها ـ محمد محمد حسين ـ مؤسسة الرسالة.

5- الإسلام والحضارة الغربية ـ محمد محمد حسين.

6- الديمقراطية وحكم الإسلام فيها ـ حافظ صالح ـ دار النهضة الإسلامية.

7- الديمقراطية نظام كفر يحرم أخذها وتطبيقها أو الدعوة إليها ـ عبد القديم زلوم.

8- الإسلام والغرب ـ أنور الجندي ـ دار المكتبة العصرية.

9- التبشير والاستعمار ـ مصطفى خالدي وعمر فروخ ـ دار المكتبة العصرية.

10- فصل الدين عن الدولة ـ إسماعيل الكيلاني ـ المكتب الإسلامي.

11- مفاهيم إسلامية ـ محمد حسن آل ياسين ـ دار مكتبة الحياة.

12- تهافت العلمانية ـ عماد الدين خليل ـ مؤسسة الرسالة.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *