العدد 40 - السنة الرابعة – محرم 1411هـ، آب 1990م

أهل الذمة ونقض الذمة

السؤال:

هذا السؤال ورد من السودان، وهو يتعلق بأهل جنوب السودان الذين يقودهم الآن جون جارنغ ويحارب بهم حكومة السودان. والسائل يرى أنه لا تجوز مقاتلتهم، يقول: «إن أهل الجنوب هم أهل ذمة، وهم يزعمون أنهم مظلومون. والشرع الإسلامي يطلب من الحاكم أن يدرس واقع شكواهم. فإذا دُرسَ واقع شكواهم وُجِدَ أنهم مظلومون فعلاً، لأن الإسلام غير مطبق عليهم شأن سائر الرعية. وفي هذه الحالة لا تجوز مقاتلتهم، بل يجب رفع الظلم عنهم. ورفع الظلم يكون بتطبيق أحكام الإسلام. وقبل تطبيق أحكام الإسلام لا يجوز أن نقاتلهم. فهل هذا صحيح»؟

الجواب:

إن هذه المقولة مرتبة ترتيباً منطقياً، وفي المنطق فإن صحة النتيجة تتوقف على صحة المقدمات. فإذا كانت المقدمات صحيحة ومطابقة للواقع كانت النتيجة صادقة وصحيحة وإذا كانت المقدمات أو احداها غير صحيحة أو غير مطابقة للواقع كانت النتيجة غير صحيحة.

وعلى هذا الاساس فإن نتيجة هذه المقولة بنيت على مقدمات غير مطابقة للواقع وبالتالي تكون مقدمات غير مطابقة صحيحة وبناء على ذلك تكون النتيجة التي رتبت على هذه المقدمات غير صحيحة.

ولنستعرض المقدمات لنرى أهي صحيحة وصادقة ومطابقة للواقع أم هي عكس ذلك.

1- إنهم أهل ذمة: هذه المقدمة منقوصة وهي مقدمة غير صحيحة وغير منطبقة على الواقع إذ أنهم بحملهم السلاح على المسلمين نقضوا عهد الذمة، إذ لا يجوز لأهل الذمة أن يقتنوا السلاح ولا أن يحملوه ولا أن يشهروه على المسلمين ولا أن يضربوا مسلماً. فإن فعلوا شيئاً من ذلك نقض عهدهم. كما ورد ذلك في الشروط العمرية أو ما يسمى بالعهدة العمرية، وعلى حسبها كان عمر يسير في البلاد المفتوحة. وقد وردت هذه الشروط عندما احتل المسلمون الجزيرة وكان عامله عليها عبد الرحمن بن غنم، وكان أهل الجزيرة قد كتبوا شروطاً على أنفسهم كان فيها ما يلي: «ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله ولا نتقلد السيوف» وجاء في آخر الشروط ما يلي: «وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حلّ لك منا ما يحلّ من أهل المعاندة والشقاق».

وقد أرسل عبد الرحمن بن غنم هذه الشروط لعمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر قائلاً: «أن أقبل منهم وألحق فيهم حرفين اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: ألاّ يشتروا سبايانا، ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده» فهذه الشروط والعهدة العمرية تجعل حمل الذمي السلاح لمقاتلة المسلمين نقضاً للعهد. وعمر بن الخطاب قد أجلى اليهود لأنهم فدعوا رقبة أحد المسلمين فاعتبر ذلك نقضاً لعهدهم وأجلاهم.

ولهذه فهذه المقدمة خاطئة وهي الركن الأساسي في هذه القضية المنطقية. التي بنيت النتيجة عليها وخطأ هذه المقدمة يجعل النتيجة أيضاً خاطئة.

2- أما القول إنهم مظلومون: فهذا قول صحيح  وليسوا وحدهم الواقع عليه الظلم، بل الظلم واقع على جميع أهل السودان. لكنهم لا يعتبرون أنفسهم أنهم مظلومون لأن الإسلام لا يطبق عليهم، بل بالعكس فهم يعتبرون أن تطبيق الإسلام عليهم ظلم لهم، ولذلك ينادون بعدم تطبيقه، ويعلنون أنهم سيقاتلون حتى تلغي الدولة القوانين الإسلامية، وهذا ليس مجرد ضرب مسلمين أو حمل سلاح، بل حمل سلاح لهدم أنظمة الإسلام وللحيلولة دون تطبيق الإسلام عليهم، ومن أول شروط عقد الذمة الخضوع لحكم المسلمين ولأحكام الإسلام، ولذلك فإن إعلانهم هذا نقض صريح لعهد الذمة.

3- هم لا يرفعون السلاح لمجرد المحاربة وإنما كذلك لتمزيق وحدة السودان.

4- هم يضعون أنفسهم أداة تآمر طيعةً بيد القوى الكافرة لتستخدمهم ضد السودان.

فهذه الأمور الأربعة توجب مقاتلتهم، لا يقاتلون مقاتلة البغاة وإنما يقاتلون مقاتلة الكافر الحربيين، لذلك فتستباح دماؤهم وأموالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم ولا يعاملون معاملة البغاة، لأن البغاة يقاتلون قتال تأديب، وإذا هربوا لا يلحقون ولا تستباح أموالهم ولا تسبى نساؤهم ولا ذراريهم.

حتى لو اعتبرناهم بغاة فإنهم يعاملون معاملة الكفار الحربيين.

وكل واحد من هذه الأمور الأربعة يوجب مقاتلتهم حتى يرجعوا عن تمردهم وحتى يعودوا هم وبلادهم لحكم المسلمين كالسابق فما بالكم وقد اجتمعت هذه الأمور الأربعة بما يجعل وجوب مقاتلهم آكد حتى يرجعوا عن ذلك كلياً.

وهذه الأمور الأربعة توجب مقاتلتهم حتى لو كان الإسلام غير مطبق على المسلمين ولو كان الإسلام غير مطبق على المسلمين ولو كان الحاكم يحكم المسلمين بأنظمة الكفر، فذلك لا يسقط وجوب مقاتلهم. فالمقاتلة تكون عند حصول الحدث، فهجوم العدو يقتضي فوراً التصدي لدفعه ولو كان المسلمون دون حاكم أو كان حاكمهم يحكم بالكفر، فإن كانوا دون حاكم وجب أن يعلنوا أميراً لهم يقودهم لدفع العدو المهاجم، وإن كان لهم حاكم فيجب عليهم أن يقاتلوا تحت لوائه لدفع العدو، وأن تصدي شخص أو جماعة لتمزيق البلاد فمباشرة يجب على المسلمين التصدي له ومنعه من ذلك، فإن لم يكن لهم أمير اختارا أميراً منهم ليقودهم للحيلولة دون تقسيم البلاد، وإن كان لهم حاكم فاجر فاسق يجب أن ينضموا تحت لوائه ليقاتلوا للحيلولة دون تقسيم البلاد ولو كان هذا الحاكم يطبق أحكام الكفر عليهم. وهكذا فهذه الأمور الأربعة تجب المبادرة فيها لقتال جارنغ وجماعته. ولا يقال: أنه لا بد أن يقام الإسلام أولاً ويطبق ثم بعد ذلك يقاتلون، لا يقال ذلك مطلقاً لأن الحدث وجوب معالجته تكون عند حدوثه وليس بعد سنوات أو عشرات السنين.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: كيف نجاهد مع الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ونقاتل تحت لوائه لدفع المعتدين علينا، ولصد من يعملون لتمزيق وحدة البلاد مع أن الأحاديث لا توجب طاعة هذا الحاكم؟

والجواب على ذلك أن الأحاديث التي لا توجب طاعة الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله مخصصة بالأحاديث التي توجب الجهاد مع كل أمير براً كان فاجراً، عادلاً كان أو جائراً، ومخصصة بالأحاديث التي توجب دفع العدو إذا هاجمنا وبالأحاديث التي توجب قتل من يعمل لتمزيق وحدة المسلمين، أو تمزيق وحدة بلاد المسلمين. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً» ويقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير، الأجر والمغنم إلى يوم القيامة» ويقول: «… الجهاد ماضٍ مُذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخرُ أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل» فهذه الأحاديث تدل على استمرار الجهاد والقتال إلى يوم القيامة مع كل أمير براً كان أو فاجراً، عادلاً كان أو جائراً. والرسول بوحي من ربه يعرف أنه سيأتي حكام بعده قلوبهم قلوب شياطين لا يحكمون بالإسلام، ومع ذلك فالجهاد ماض معهم، وأوجب القتال معهم، وتحت لوائهم وطاعة الحاكم في القيام معه بالجهاد وبدفع العدو المهاجم، وبصدّ من يحاول تمزيق وحدة المسلمين أو تمزيق وحدة بلاد المسلمين إنما هو في حقيقته طاعة لأمر الله، وليس طاعة للحاكم، لأن الله أوجب على المسلمين القيام بذلك في كل ظرف وفي كل حين وفي كل مكان ومع أي أمير كان.

وهنا يرد سؤال آخر هو: كيف نقاتل مع الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله مع أن الأحاديث تطلب من المسلمين أن يشهروا السيف على الحاكم الذي يظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان؟

والجواب على ذلك من ناحيتين:

الأولى: أنه ما دام حاكماً للمسلمين، لم يخرج المسلمون عليه لإرغامه على الحكم بما أنزل الله، أو لعزله فإنه يجب على المسلمين في هذه الحالة المقاتلة تحت لوائه إذا دعاهم للجهاد، أو لدفع عدو مهاجم، أو لصد من يريد تمزيق وحدة المسلمين، أو تمزيق وحدة بلاد المسلمين، لأن الأحاديث الموجبة للقتال مع كل أمير براً كان أو فاجراً منطبقة عليه.

الناحية الثانية: أن إشهار السيف على الحاكم الذي يظهر الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان إن كان هذا الإظهار للكفر بعد إن لم يكن، أي كانت الدار دار إسلام، وكان الإسلام هو المطبق فيها، فأظهر هذا الحاكم الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان في هذه الدار، وجب على المسلمين مباشرة إشهار السلاح عليه لإرغامه على الالتزام بأحكام الإسلام أو لعزله، وذلك كما حصل مع اللعين مصطفى كمال عندما هدم الخلافة، وألغى الحكم بما أنزل الله فكان يجب على المسلمين حينئذ مقاتلته لإزالته وإعادة الإسلام إلى الحكم.

أما إن كان الحاكم يحكم في دار ليست دار إسلام، كما هي حال البلاد الإسلامية اليوم فإن إشهار السلاح عليه يكون بطريق النصرة بعد تهيئة المجتمع فكرياً وسياسياً اتباعاً للطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء سيره لإقامة دولة الإسلام، والحكم بما أنزل الله¨

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *