العدد 40 - السنة الرابعة – محرم 1411هـ، آب 1990م

حيرة الشباب المسلم الجامعي في دول الغرب

أبو محمد (تورنتو، كندا)

الدوافع الاجتماعية ـ الدوافع الغربية ـ نظرة الناس إلى العلم والمتعلمين ـ نظرة المتعلمين إلى أنفسهم ـ ما هو النجاح الذي حققه الشباب في تغيير واقعنا. سبب فشلهم في التغيير.

نظرة سريعة إلى مجتمعنا نجده يسير باتجاه تنشئة الجيل الشاب نحو الدراسة الجامعية بمختلف فروعها (الهندسة والطبية منها خاصة).

فالابن منذ صغره يغرس الأهل في نفسه حب الحصول على (شهادة الهندسة أو الطب) لكي يلتمس في المجتمع مكاناً مرموقاً. يحترم الجميع رأيهن وكلمته وتؤخذ مشورته في العديد من مشاكل الحياة اليومية (السياسية والاجتماعية)، مع العلم أنها قد لا تمت بصلة إلى مجال اختصاصه. ولكن المفهوم المغلوط الذي اصبح شائعاً في بلادنا أن طالب الجامعات هو الأصوب دائماً في إيجاد الحل لأي مشكلة.!!!

والحقيقة أن رأيه قد يكون منتجاً إن كان في مجال اختصاصه. فالمهندس المدني إذا سئل عن مشكلة في التربة أو في الحسابات اللازمة لبناء مجمّع سكاني، فإن رأيه أصوب لإيجاد الحلول من المهندس الإلكتروني. لأن السابق درس كيفية حل المسائل المتعلقة في التربة والبناء وتدرب على حلها، أما الآخر، ـ أي المهندس الإلكتروني ـ فاختصاصه بتعلق بالآلات الكهربائية والإلكترونية (كالمذياع مثلاً أو الآلات الطبية وغيرها)، فلقد تدرب على فهم المسائل المتعلقة بالدوائر الكهربائية. لذلك لا يصح أن يؤخذ رأيه في أمور تتعلق بالبناء مع العلم أن الاختصاصين الأول والثاني يسميان بالهندسة.

كذلك لا يصح أن يؤخذ رأي عالم حصل على شهادة الدكتوراه في علم الفيزياء في أمور تتعلق بالولادة أو عن اسم الدواء الشافي لمرض السل. لأن الآخر هو من اختصاص الطبيب العام الذي درس عوارض أمراض كثيرة وكيفية علاجها. فهو الأصلح لمعالجة الأمراض الصحية وليس عالم الفيزياء.

والحقيقة أن كلاً من عالم الفيزياء والطب درسا في الجامعات سنوات عديدة وأجريا بحوثاً عديدة وحصلوا على خبرات يفتقدها البقال أو النجار، ولكن كلٌ حسب اختصاصه ومجال عمله، فلا تؤهل كل منهما أن يأخذ مكان الآخر في النصح والإرشاد.

هناك فئة كبيرة من طلابنا يدرسون في جامعات أوروبية وأميركية. البعض سافر لتحقيق أمنية والدية للحصول على شهادة جامعية يسهدهم بها، والبعض الآخر سافر للدراسة ظاناً أنه سوف يعود ـ بالترياق السحري ت المتمثل بخبرته العملية والثقافية الغربية إلى بلاد المسلمين لينهض بها.

وهنا يأتي دور الغرب في تسير مفاهيم شبابنا نحو الانحلال الفكري والخلقي بحجة أن ذلك هو من توابع رقي الأمم ونهوضها.

فنجد هذا الشاب الذي يبحث عن حل لأمته في ظل الفكر الغربي ينهل من سموم فكرهم دون وعي أو تمحيص بهذه الأفكار؛ متجاهلاً الضرر الذي قد يلحق به وبأمته. فهي (الأمة) تتخذه مثلاً أعلى في توجهاتها ونظرتها نحو المستقبل. ويأخذ الغرور بأحدهم عند الحصول على شهادته من تلك البلاد، لأنه يعلم المكانة التي سيجدها بين أسرته ومجتمعه عند عودته، فيستغل دوره ويلعبه دوراً محكماً في اختيار الأساليب الملائمة لتمكين رأيه في النفوس العطشة إلى الحل وبين الجيل الصاعد. فيتخذ من الخطب الرنانة الفارغة أو الكتب المعوّجة فكرياً أو حتى الدروس الخاصة أداةً لنشر أفكاره.

إن عدم قدرة هذا الشاب الجامعي للتفريق بين العلوم التقنية والفنية وبين العلوم الثقافية والفلسفية والاجتماعية، التي تتعلق بمفهوم الإنسان عن (الحياة والإنسان والكون) وما قبلهم وما بعدهم، وعن النظام الاجتماعي ومفهوم المجتمع، وعن روابط الغرائز البشرية وكيفية علاجها العلاج الصحيح الذي يؤدي إلى إشباعها إشباعاً كاملاً دون زيادة أو نقصان، وجهله عن مفاهيم المبدأ الصحيح الذي يجب أن يربط أمم العالم باختلاف (لغاتها ـ ألوانها ـ أمكنة تواجدها ـ عاداتها) فيضمن العدل، ويؤمن التوازن بين الغني والفقير بالحقوق والواجبات والعقوبات ويبين كيفية قمع الظلمة ونصر المظلومين، وطرق علاج دوافع الإنسان الحيوانية (كالإنسانية ـ وحب الذات والاعتداء على حقوق الغير) والسيطرة عليها والرقي بها إلى مستوى سامٍ، جهله بهذا كله يجعل منه مردداً ومقلداً أعمى للمفاهيم الغربية عن طريق تقليده لعادات الغرب.

فهو يتبع أحدث أغاني «الروك» وغيرها من الرقصات والملابس العصرية بنظر الغرب أو يتبنى موقف الإيجاب أو المعارضة على مشكلة الإجهاض المستمرة يومياً أو قد يتظاهر ضد دفع الضرائب الحكومية التي وضعت لتقسم ظهر الفقير والطبقة الوسطى وتحمي مصالح رؤوس الأموال أو يدعو لمشاركة المرأة في التواجد في أماكن الرقص والمجون وممارسة الجنس قبل الزواج بحجة أن ذلك أسباب تحرير المرأة ومساواتها مع الرجل إلى جانب أمور عديدة لم يسبق له التعرض لها أو بحثها بعمق والتفكير لعلاجها في بلاده قبل سفره.

ويظن هذا الشاب المسكين بتتبعه طريقة عيش هذا المجتمع المنحل من كل القيم، (والذي ترك الآلاف المؤلفة من الناس من الشوارع لتنام دون مسكن يأويها، وفقدان العديد من عامة الناس العمل وارتفاع مستوى البطالة سنوياً، وكذلك مشاكل المخدرات التي قضت على العديد من الشباب دون سن (15) ومشكلة الكحول والأمية وغيرها. أنه يسير بأمته نحو مسببات النهضة باتباع التقليد الأعمى.

والحقيقة، أن الدراسة الجامعية تأخذ حوالي (90%) من وقته وجهده ولا يتسنى له خلال إقامته في تلك البلاد البحث الدقيق عن سبب وجود تلك المشاكل والخروج بحلول جذرية ومنتجة لعلاجها. فهو يخرج من امتحان في المادة الفلانية إلى اختبار تلو اختبار حتى لا تنتهي السنة وتأتي السنة الدراسية التالية وهكذا. ومن ضمن دراسته الجامعية أيضاً عليه أن يختار بعض المواد التي تتعلق بتاريخ تلك البلاد وحضارتها. أو علم النفس والفلسفة أو نظرة الفكر الغربي إلى الأديان. وكلها تعتبر فكرة فصل الدين عن الدولة واتخاذ التاريخ والعقل البشري إلى جانب التجارب المستمرة على البشرية، وسيلة لإيجاد الحلول التي لا تنتهي من مشكلة حتى تتبعها مشاكل أكثر عمقاً وتعقيداً من سابقاتها.

1-              الحرية الجنسية:

فمثلاً: عند الغرب «مفهوم الحريات» سمح لكل شخص حرية الممارسة الجنسية بين (رجل ورجل) أو (امرأة وامرأة) فنتج عنها مرض (Aids) وهو نوع من (Virus) يقضي على المناعة الجسدية ضد الأمراض الخارجية. فملا يمضي عدد من السنين حتى يموت المصاب بهذا المرض. ولم يستطع العلم الحديث أن يجد علاجاً لهذا المرض القاتل.

فبدل أن تعالج هذه المشكلة عن طريق نسف قانون الحريات من الدستور الأميركي وتقييده، قاموا بحلول جزئية لم تأت بالنتيجة المرجوة للقضاء على المريض.

سمحوا للجهاز الإعلامي ـ تحت مظلة قانون الحريات ـ للدعاية في التلفزيون والصحافة وفي المدارس الثانوية باستخدام الموانع الطبية (الكيس المطاطي) عند الممارسة الجنسية مع العلم أن المناعة المكتسبة تكون (80%) أي أن نسبة الفشل وإمكانية انتقال المرض هي (20%)، وبمعنى آخر أن من بين كل (100) شخص يستخدم هذه الطريقة سيصاب (20) منهم بمرض (Aids) وهكذا يتضاعف العدد. ناهيك عن الأطفال المصابين بمرض (Aids) نتيجة انتقال المرض عبر الحبل والولادة.

2-              مشكلة المخدرات:

انتشارها الواسع بين الناس، جعل من المستحيل القضاء عليها. فلقد سمحت الحكومة في أميركا وبعض الدول الأوروبية للمؤسسات الاجتماعية أن تدور على الناس في الطرقات بواسطة باصات مجهزة بإبر معقمة، مهمتها تغيير الإبر المستخدمة للمخدرات بين الناس بأبر جديدة. والسبب في ذلك هو تلافي انتقال مرض (Aids) عبر الدم عن طريق المشاركة في استخدام الإبر فيما بينهم. مع العلم أن من بين كبار المتاجرين بالمخدرات من يتولى مناصب حكومية أو عسكرية ولا تمسهم الدولة بسوء مع علمها بهم.

3-              مشكلة الحمل المنتشرة في صفوف المراهقات:

فالمعروف في بعض الولايات الأميركية أن سن الزواج الشرعي هو فوق (18 سنة) ويعد الشباب والشابات الذين دون هذا العمر أطفالاً!!!

ومن طبيعة المدارس الثانوية الاختلاط بين الجنسين والنتيجة الحتمية لذلك اشتعال الغريزة الجنسية لدى الطلاب والطالبات. وبما أن مفهوم الزواج في سن مبكرة مرفوض بين العائلات في تلك المجتمعات، أدى ذلك إلى تفشي الزنا في المدارس. مما تبعه الحمل المبكر للمراهقات دون سن (16). وحال معرفة الأهل بالأمر تخيّر الفتيات إما: أ- الإجهاض. ب- أو الطرد من المنزل. ونادراً ما يحدث الزواج مع الإبقاء على الجنين.

ونتج عن ذلك انتقال الكثير من الفتيات من حياة العفة والبراءة إلى عاهرات، واستغلال الكثير منهن في الأفلام الخلاعية.

إن فكرة منع الزواج مبكراً عند الغرب أسفر عنه النتائج الآتية:

1- الإجهاض المستمر (مما قد يؤدي إلى وفاة الأم في بعض الأحيان).

2- الانحلال الخلقي في المجتمع.

3- تفكك الروابط العائلي.

4- ترك التعليم بسن مبكرة وانتشار الأمية.

تفاقم هذه المشاكل الفرعية دعى اللجان المحلية والاجتماعية منها والثقافية إلى التكتل بإنشاء مراكز لمعالجتها، ولقد أثبتت فشلها.

هذه صورة مصغرة جداً عن هذا الواقع الذي يصطدم به شبابنا خلال وجوده في الجامعات الغربية. مجتمع كله فساد وانحلال وتخبط في حلول جزئية تعجز عن تضميد جراحه المنتشرة في كافة النواحي الحياتية.

ونظراً لعدم وعي شبابنا الثقافي والسياسي على المستجدات والأحداث في بلاده خاصة وأحداث العالم عامة، وعدم قدرته على تحليل هذه الأحداث تحليلاً منتجاً يشير إلى عين المرض ويعرض الدواء الشافي ودون إنصاف الحلول، هذا بالإضافة إلى جهلة بأمور دينه وبالثقافة الإسلامية التي تتناول جميع مراحل الحياة (منذ الطفولة إلى الشيخوخة) وعدم معرفته بكيفية بناء المجتمع الإسلامي الذي يضمن انصهار الشعوب والأمم تحت تأثير الفكر الإسلامي العادل.

هذه العوامل مجتمعة تجعل من شبابنا الجامعي فريسة سهلة للحضارة الغربية ووحشيتها وتعد الشاب ليكون بوقاً من أبواقها لتستخدمه في بلاد المسلمين لخدمة مصالحها وتمكن استعمارها الثقافي في عقول أطفالنا ونشئنا الجديد. وبالتالي يسهل عليهم انقياد الأمة بكاملها نحو خدمة الغرب. فبدل أن يسهم في إنهاض الأمة، نجده يساهم في نومها وتخديرها سنوات عديدة سواءً تقصد فعل ذلك أو كان عن جهالةً منه.

فيا أمة الإسلام وشبابها الفذّ هل توضحت لديكم الرؤية، أن إصلاح الأمة ورفعة شأنها لا يكون فقط بالنهل من العلوم والتكنولوجيا والسير نحو تتبع المستجدات في الأبحاث العلمية والفلكية.

ولكن لا بد أن يرافق ذلك الرقي في الفكر الإسلامي والسياسي الذي وحد قيادات الشعوب القديمة والحديثة تحت راية قيادة واحدة، هي راية التوحيد والجهاد. يرافقها الاجتهاد في الفكر الإسلامي الذي مضى على إغلاقه سنوات عديدة.

وهل لا نزال ننتظر الحل من الغرب أو الشرق ومن المثقف الجامعي المتأثر بالثقافة الغربية أو الشرقية. آن الأوان أن تتوحد مشاعرنا وأهدافنا وأن ننهض لتكسير قيود الحكام الطغاة وأن نسعى لإعادة خلافة تجمع الأمة وتوحد شملها لما يرضي خالقها¨

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *