العدد 39 - السنة الرابعة – ذو الحجة 1410هــ، تموز 1990م

حتى لا تبقى الرموز وتتغير الحقائق

عبد الرحمن أبو الهيجاء

جاء في جريدة السفير الصادرة بتاريخ 6 شباط 90 مقال مترجم كان قد نشر في نيويورك تايمز في 05/01/90 ونقلته عنها الهيرالد تربيون في اليوم ذاته بتوقيع Z ـ أي مجهول ـ وأن مصدر الاهتمام الكبير في الصحافة الغربية بهذا المقال هو أن يكون حاملاً وجهة النظر الأميركية على المستويات الرفيعة. ويقول رئيس تحرير اللوموند في تعليقه الصادر في 16/01/90 أن توقيع Z أعاد للأذهان مقالاً شهيراً كتبه عام 1947 مدير مكتب التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية تحت توقيع X  ـ أي مجهول ـ ويتحول مضمونه إلى برنامج سياسة الاستيعاب في مواجهة الشيوعية جاء في المقال المذكور فقرة تقول: «يجب أن يكون هدف الغرب التشجيع على تغيير الحقائق السوفياتية دون المس بالشعارات القديمة. على غرار الترتيبات التي جرت مع اليابان الاشتراكية الامبراطورية«.

ولو فكرنا قليلاً بهذا القول ونظرنا إلى المسلمين اليوم فهل نستطيع أن نرى فيما إذا كان الغرب يهدف إلى تغيير الحقائق الاسلامية ولابقاء الرموز، وهل انطلى هذا الأسلوب على بعض المسلمين فأخذوا يقومون بالأعمال دون أن يعنوا أنفسهم بالحقائق والمحافظة عليها، وسوف أضرب مثلاً على ذلك: الجهاد.

لا يستطيع أحد أن يقنع المسلمين بأن الجهاد خطأ ويجب تركه، لأنه من الأمور الثابتة قطعاً في الدين فماذا عن حقيقة الجهاد ومعناه؟

الجهاد في اللغة بذل الجهد والعمل الشاق والوسع والطاقة في أمر من الأمور وعلى هذا المعنى اللغوي جاءت بعض الآيات والأحاديث مثل ]وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[.

والجهاد في الاصطلاح الشرعي هو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله سبحانه فهو قتال يقوم به المسلمون ضد الكفار، وعلى ذلك فلا يعتبر قتال المسلمين بعضهم بعضاً سواءً أكان بحق أو بغير حق لا يعتبر جهاداً ولكنه ربما كان قتالاً مشروعاً كما لو قاتل فئة باغية لردها عن بغيها.

وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حميةً، ويقاتل رياءً فأيهم في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله» رواه الجماعة.

والأصل في الجهاد ابتداء الكفار بالقتال، قال تعالى: ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ[ (الأنفال: 39) ومعنى كون الدين كله لله أن تكون الأححكام الشرعية هي الوحيدة المطبقة على الناس في سائر أنحاء الدين، ولا يعني كون الدين كله لله أن يُجْبَرَ الكفار على دخول الإسلام رغماً عنهم لأن الله سبحانه يقول في ذلك: ]لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ (البقرة: 256). هذا من جهة ومن جهة أخرى فالجهاد عمل كسائر أعمال المسلمين الأخرى. يهدف إلى غاية، وهذه الغاية هي ضم بلاد الكفار وفتحها لنور الإسلام والقضاء على السلطات وأنظمة الكفر فيها وفتحها لنور الإسلام والقضاء على السلطات وأنظمة الكفر فيها وحكمها بالقوانين الاسلامية وبذلك تزول الحواجز المادية التي تقف حائلاً دون انتشار الدعوة الاسلامية العملية والنظرية في كل أرجاء المعمورة.

إذن فالجهاد هو طريقة نشر الدعوة الاسلامية بين الناس خارج الدولة الاسلامية وتقوم به الدولة فتعد الأسلحة وتجهز الجيوش وتدربها وترسلها إلى بلاد الكفار.

أما في حالة غزو الكفار لبلاد المسلمين فلا يحتاج قتالهم إلى إذن أمير المؤمنين ويجب قتالهم بهدف دفعهم عن بلاد المسلمين.

أما أرض المسلمين فهي البلاد التي فتحها المسلمون يوماً ما وخضعت للأحكام الشرعية ولسلطة الخلافة والبلاد التي أسلم عليها أهلها دون فتح، والتي أكثر أهلها من المسلمين.

ولو راجعنا التاريخ لوجدنا أن الدولة الاسلامية كانت تشغل أكثر من ثلاثة أرباع العالم القديم فقد وصلت جيوش المسلمين إلى بلاط الشهداء في قلب فرنسه وإلى سويسرا أو شمال إيطاليا وجنوبها وإل فينه وكانت تضم يوغوسلافية واليونان والمجر ورومانيا وجنوب غربها، وأسلم أهل ماليزيا وإندونيسيا دون فتح فماذا بقي من العالم القديم؟ لم يبق سوى شرق آسيا وشمال آسيا وأوروبا وجنوب غرب إفريقيا.

ونعود الآن إلى ما يجري اليوم من جهاد، ونحن متفقون على الإبقاء على الرموز فهل تغيرت الحقائق؟!

نرى بعض الجماعات الاسلامية تقوم بعمليات ضد اليهود في فلسططين وبعض الجماعات قامت بعمليات ضد الروس في الأفغان أمما أذربيجان والطاجيك والتركمان المحتلة فتسيل فيها دماء المسلمين ولا تجد من يعيرها إنتباهه من المسلمين لماذا؟ هل لأن أرض فلسطين مباركة؟ فما بالنا نقاتل في الأفغان وهي كغيرها من البلاد الاسلامية.

ومن الذي يزودنا بالأسلحة والصواريخ ضد الروس في الأفغان رغبة منه في نصر المسلمين وهو يطلب من المسلمين في فلسطين أن يلجأوا إلى الحجارة عوضاً عن الصاروخ والمدفع؟!

ولماذا يضمن هذا الذي يرغب في نصر المسلمين في الأفغان لماذا يضن بالسلاح على المسلمين في كل مكان آخر.

هل أصبح المسلمون لعبة في يد أميركا تزودهم بالسلاح ليقاتلوا روسيا بالنيابة عنها؟

ثم نعود للغاية من العمل ونسأل: لماذا كان الأفغانيون في مستوى حربي عالٍ أيام وجود الروس واستطاعوا أن يقضّ,ا مضاجعهم، وبعد أن خرج الروس هدأ القتال وراوح مكانه؟ هل استغلت أميركا هؤلاء المجاهدين ثم عقدت صفقة مع الروس: أن يخففوا من إمداد الثوار بالأسلحة مقابل خروج الروس من البلاد، فمنذ متى يعتمد المسلمون على تسليخ الكفار لهم لقتال كفار آخرين وقد قال تعالى: ]وَأَعِدُّوا[ ـ أي أيها المسلمون ـ لهم ـ أي للكفار سواءً كانوا أميركيين أو روس ـ ]مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[ .

وهل يثق المسلمون بالكفار أنهم ينصرونهم وهم يلهجون بذم المسلمين وما تخفي صدورهم أكبر، فهل هذا هو الجهاد الذي فرضه الله علينا ونفذه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. فلنقارن لنرَ مدى تغيير الحقائق.

ونعود إلى فلسطين المباركة، فهل عرف الانكليز والفرنسيون حدود هذه البركة عندما قسموا بلاد المسلمين، والله سبحانه يقول: ]الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ[ فأين الأرض المباركة التي عناها الله سبحانه من حدود سايكس وبيكو. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك في شامنا ويمننا» وقال: «أهل الشام مرابطون إلى يوم القيامة» ثم هل تحقق هذه العمليات المتتالية الغاية من الجهاد وهي استرجاع كل فلسطين أم أنها تهدف إلى استمرار دعم اليهود بحجة العمليات الارهابية أو إلى رضوخ اليهود للصلح وتسليم جزء من فلسطين على أحسن تقدير.

لا شك أن أي عاقل يرى أن الجهاد الذي يعيد فلسطين وغير فلسطين إلى حياة المسلمين لا بد له من إمكانيات كبيرة من الجيوش والأسلحة مما لا يتوفر إلا بدولة إسلامية تستطيع استرجاع بلاد المسلمين فعلى من يريد أن يؤدي فريضة الجهاد أن يؤدي فريضة إقامة الدولة الاسلامية أولاً، لنؤدي فريضة الجهاد ونحقق الغاية من الجهاد. وبدونها سوف نحافظ على الرمز ونغير حقيقة الجهاد. ولنعد إلى التاريخ لعل في ذلك عبرة.

منذ أن فتح المسلمون فلسطين والشام كلها من الروم أيام الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر y والنصارى يحلمون باحتلالها مرة أخرى.

وقد انتهزو فرصة ضعف المسلمين أواخر عهد الخلفاء العباسيين وجمعوا أنفسهم وقاموا بالحروب الصليبية المقدسة بزعمهم عام 1092 ميلادية، قاموا بعدة حملات شاكرت فيها جميع دول النصارى في ذلك الوقت من إنكلترا وفرنسيين وألمان وإيطاليين وسوسريين.. الخ واحتلوا ساحل الشام كله وابادوا المسلمين وأطفالهم ونسائهم. وهزوا مشاعر المسلمين في العالم كله بإراقتهم دماء الألوف من الرجال العزل والنساء والأطفال الذين لجأوا إلى حرم المسجد الأقصى حتى قيل أن الدماء أصبحت بركة بلغ ارتفاعها أرجل خيل النصارى. فماذا فعل المسلمون؟

رغم الضعف والتمزق فقد كانت حقيقة الجهاد واضحة عند المسلمين لذلك لم يبعثوا ثلاثة نفر أو عشرين شخص ليقوموا بعملية فدائية انتحارية. بل بدأوا بجمع المسلمين تحت لواء واحد وقاتلوا البغاة حتى ضموا جميع مدن سورية والعراق ومصر ومن هناك انطلق الجيش الاسلامي الذي كان يناهز المليون من المقاتلين الجشعان الذين يريدون أن تكتب لهم الشهادة أو النصر. وقد روي عن صلاح الدين الأيوبي الفقيه العالم الشجاع أنه كان يطوف بالمضارب والقرى والدساكر ويستنفر الناس وكان يقول لهم: من يشغله من هموم الدنيا شاغل فلا يتبعني: لا أريد رجلاً متعلقاً بزوجه وأولاده، ولا أريد رجلاً معلقاً بماله وتجارته إنما أريد رجالاً يودون لو يذهبون فلا يرجعون. وفي معركة حطين الفاصلة الحاسمة حقق الله للمسلمين الوعد بالنصر على كل جيوش أوروبا مجتمعة واندحروا يجررون أذيال الخيبة في الدارين.

هكذا عادت فلسطين وهكذا يمكن أن تعود، أما ما نفعله الآن فما هو إلا تنفيس لاحتقان المسلمين وإلهاء لهم بأمور لا طائل تحتها عن الطريق الصحيح لاسترجاع بلاد المسلمين من براثن الكفار الذين يعيثون بها علواً وفساداً.

هذا مثال عن تغيير الحقائق والابقاء على الرموز ولعل المسلمين الواعين إذا تنبهوا أن يحصوا أمثلة كثيرة.□

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *