العدد 39 - السنة الرابعة – ذو الحجة 1410هــ، تموز 1990م

سؤال وجواب

السؤال:-

عندنا في السودان بحث عن هوية البلد وهوية الشعب: هل نحن أفارقة أو عرب أو مسلمون أو شيء آخر؟ وذلك من أجل إلغاء عبارات معينة من الدستور أو ادراج عبارات فيه لارضاء مختلف الاتجاهات.

هل يجيز الشرع إسقاط كلمة «عرب» أو كلمة «مسلمون» إرضاء لفئات معينة؟

الجواب:-

المهم ليس اثبات الكلمة في الدستور أو اسقاطها منه. المهم هو اثباتها أو اسقاطها في الواقع: في أفعال الفرد وتصرفاته وأقواله، وفي معاملات الناس وعلاقات المجتمع، وفي القوانين التي تطبقها الدولة في الداخل وعلاقاتها الدولية مع الخارج إثباتها في النفوس.

هوية البلد والشعب والدولة يجب أن تبرز في هذا بشكل عملي سواء كان هناك دستور مكتوب أم لم يكن. وسواء أدرجت في المواد المكتوبة أم لم تدرج.

أما إذا كان اسقاطها من الدستور أو عدم ادراجها فيه مقصوداً لارضاء مجموعات لا تعجبها كلمة «مسلمون» و«الإسلام» أو كلمة «عرب» و«عروبة» فإن هذا لا يحل شرعاً ويجب الاصرار إلى وضعها في الدستور.

وقبل أن يتسرع بعض الناس ويتهمنا أننا من دعاة القومية حين نقول «عرب» و«عروبة» نود أن نلفت النظر إلى أن «العروبة» هي اللغة العربية وليست القومية، و«العرب» هم الذين يهتمون باللغة العربية ويحرصون عليها حتى لو لم يحسنوا النطق بها.

اللغة العربية جزء من الإسلام فهي تدخل في بحث العقيدة، وتدخل في العبادة، وتدخل في الاجتهاد.

أمّا بحث العقيدة فإن القرآن الكريم هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يلمس هذا الاعجاز إلا أهل الفصاحة وأرباب البلاغة في اللغة العربية. واعجاز القرآن أمر دائم بدأ منذ تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب أن يأتوا بمثله أو عشر سور مثله أو سورة من مثله وهو مستمر إلى اليوم وإلى قيام الساعة. فهو معجزة دائمة. وإذا اندثرت اللغة العربية فسيندثر الاحساس بهذه المعجزة. ومن هنا فإن اللغة العربية تشكل أساساً في بحث العقيدة الاسلامية. ومن الفروض الكفائية وجود عدد في كل زمان من أهل الفصاحة وأرباب البلاغة في اللغة العربية من أجل لمس هذه المعجزة.

وأما العبادة فالصلاة فريضة على كل مسلم وقراءة القرآن ركن في الصلاة ولا يسمى قرآناً إلا إذا قُرئ باللغة العربية. ويطلب شرعاً من المصلي أن يعقل ما يقرأ أو قدراً كبيراً مما يقرأ للحديث الشريف: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل». أضف إلى ذلك أن الذي يقرأ القرآن له بكل حرف عشر حسنات، فيندب لكل مسلم أن يقرأ القرآن، أي أن يتعلم لغة القرآن ليتمكن من قراءته. وإذا كان قارئ القرآن يفهم معناه كان له من الأجر أ:ثر لورود الآيات الحاضّة على التدبّر ]كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[ ولورد الأحاديث الحاضّة على تعلم القرآن «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

وأما الاجتهاد فهو فرض كفاية على المسلمين. ولك عصر فيه مسائل جديدة تحتاج إلى من يستنبط لها حكماً من الشريعة. ومعلوم أن الاجتهاد لا يكون إلا باللغة العربية.

فكل مسلم يتولد لديه حب اللغة العربية أكثر من أية لغة أخرى. وهذا ليس لتفضيل قوم على قوم بل لتفضيل لغة على لغة، فلغة القرآن، الذي وصفه الله بأنه عربي، ولغة الحديث الشريف هي أحب إلى قلب المسلم من لغة أبويه وأجداده. فتكريم اللغة العربية هو تكريم للقرآن وللرسول وللدين وليس تكريماً لأبي جهل وأبي لهب. فمن الناحية القومية لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[.

وكما جعل الشرع تكريماً للغة العربية على غيرها جعل تكريماً لبعض الأمكنة على غيرها. فالمسجد الحرام ومسجد الرسول في المدينة والمسجد الأقصى لها ميزة على غيرها.

وكذلك جعل تكريماً لبعض الأزمنة على غيرها كيوم الجمعة وشهر رمضان.

وجعل تكريماً لبعض الناس كالأنبياء ومنهم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته عليهم السلام وأصحابه رضوان الله عليهم وسائر الصالحين جعلنا الله منهم.

وحين أمر الشرع بصلة الأرحام وصلة الأقارب وأوجب الكَدَّ من أجل أفراد الأسرة ضبط ذلك بأحكام شرعية ولم يجعله دعوة عصبية أو عرقية.

هوية المسلم كفرد تبرز في قوله: الله ربي والاسلام ديني ومحمد نبيي والقرآن كتابي والكعبة قبلتي. وهذا يجب أن يظهره المسلم ويعتز به ويدعو الناس إليه.

وهوية المسلمين كأمة أنهم أمة اسلامية، وليست أمة عربية أو فارسية أو طورانية أو بربرية أو كردية أو غير ذلك. إنهم أمة الإسلام أو أمة القرآن أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ]خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[.

وقد رأينا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي كما رأينا حوله القرشي والخزرجي والأوسي وغيرهم، وقد وحّد بينهم رباط الإسلام. قال تعالى: ]وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا[. وحين أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم دولته في المدينة سجّل في دستورها: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة من دون الناس… وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس… وأن سلم المؤمنين واحدة..» وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين من مهاجرين وأنصار. وقال الله يصف المؤمنين: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[. فالاخوّة هي في الدين وليست في الطين. وقد بيّن الله ذلك لنوح عليه السلام في قوله: ]وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ @ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ[ فالعمل غير الصالح قطع الوشائج بين الابن وأبيه.

فالمسلمون إخوة وان اختلفت أعراقهم وألوانهم وألسنتهم، فالذي يُحزِنُ أحدهم يُحزِنُهم جميعاً، والذي يفرح أحدهم يفرحهم جميعاً، إنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم. المسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يظلمه ولا يخذله.

وطن المسلم ليس البقعة التي ولد فيها أو يقيم فيها فقط بل كل مكان تتردد فيه كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله). وإذا اعتدى عدو المسملين على أية بقعة من بلاد المسلمين وجب على أهل تلك البقعة مقاتلة العدو فإذا لم يكفوا وجب على من يليهم الأقرب فالأقرب ولو شمل جميع المسلمين حتى تحصل الكفاية.

أما الأمراض العارضية هذه الأيام للأمة الاسلامية بحيث أفقدتها هويتها فليست من الإسلام في شيء.

المسلمون الآن نيّف وأربعون دولة، كل دولة لها حدودها وهويتها وعَلَمها ونقدها ونظامها الخاص بها ومقعدها في هيئة الأمم وعلاقاتها الدولية. هكذا مزقتنا دول الكفر والاستعمار.

هذا كله مرضٌ طارئ على الأمة الاسلامية ينافي هويتها ويناقض مبدأها. وهويتها أنها أمة واحدة من دون الناس ويجب أن تكون كلها دولة واحدة تحت راية خليفة واحد يحكمها بنظام واحدٍ مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله.

في السودان يبحثون عن هوية الشعب وهوية البلد! عيب هذا. أنتم تعرفون هويتكم حق المعرفة. الشعب في السودان جزء كريم من الأمة الاسلامية العزيزة. ولا يغيّر في الأمر شيئاً وقوع السودان في أفريقيا.

فالموقع الجغرافي ليس هو الذي يعطي الشعب خصائصة. وكذلك النسب العرقي ليس هو الذي يعيطي الفرد أو الشعب خصائصة. بل الذي يعطي الفرد أو يعطي الشعب الخصائص هو المفاهيم والمقاييس والقناعات التي يحملها. وهذه تأتي عن طريق الفكر وليس عن طريق العرق والموقع الجغرافي.

وإذا كانت هناك في السودان فئات من غير المسلمين فإن هذا أيضاً لا يغير في هوية الشعب أو هوية الأرض.

غير المسلمين هؤلاء هم من أهل الذمة، وأهل الذمة، أينما كانوا، لهما ما لنا من الانصاف وعليهم ما علينا من الانتصاف.

أما إذا حرّضتهم دول الكفر والاستعمار علينا فثاروا وحاربونا وطالبونا بالغاء أحكام الشريعة من القونين، وطالبوا بالغاء كلمة الإسلام والعروبة من الدستور، إذا فعلوا ذلك هل نرضح لهم ونساومهم ونفتش عن هوية للبلد يرضون عنها؟

الجواب على ذلك نجد في قوله تعالى: ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[. وإذا تصادم رضى الله مع رضى الناس وغضب الله مع غضب الناس. فعلينا الحذر من اغضاب الله لارضاء الناس، والواجب هو ارضاء الله ولو غضب الناس.

وهذه ليست مشكلة السودان وحده، بل عندنا في لبنان ما أدهى وأمرّ. في أيام الدولة العثمانية صار نصارى لبنان (بتحريض من دول الغرب) يدعون إلى العرب والعروبة وذلك لتحريض العرب على الانفصال عن الدولة العثمانية. وبعد الحرب العالمية الأولى التي اندحرت فيها الدولة العثمانية، تنكّر نصارى لبنان للعرب والعروبة وصار لبنان تحت الانتداب الفرنسي. وأيام الاستقلال (المزيّف 1943) صار زعماء لبنان يتناقشون في هوية لبنان: المسلمون يقولون هو بلد عربي والنصارى ينسبونه إلى فرنسا (الأم الحنون) وخرجوا بحلٍ وسط للهوية للبنانية: لبنان بلد ذو جه عربي. وبناء على هذه الهوية لا يجوز للمسلمين توحيد لبنان مع العرب ولا يجوز للنصارى استدعاء الأسطول الفرنسي. أما في اتفاقية الطائف الحالية في شأن لبنان فقرروا أن لبنان بلد عربي مستقل.

كل هذه المجادلات في الهوية وحول الهوية هي من صنع الكفار ليحرفوا المسلمين عن منهجهم ويفقدوهم هويتهم.

جادل بعضهم في مصر وقال: نحن لسنا عرباً بل فراعنة أو اقباط، وجادل آخرون في بلاد الشام وقالوا: نحن فينيقيون، وجادل غيرهم في شمال أفريقيا وقالوا: نحن بربر…

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كلكم لآدم وآدم من تراب». فالمهم هو: من أنت وليس من أبوك. وشخصية المرء تحددها عقليته ونفسيته، أي مفاهيمه وميوله. فالمرء لا يُغني عنه أبوه ولا هو يُغني عن أبيه. قال تعالى: ]يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا[ □

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *