العدد 39 - السنة الرابعة – ذو الحجة 1410هــ، تموز 1990م

قمة واشنطن

بين بوش وغورباتشوف (31/05/1990م)

كانت قمة بوش وغورباتشوف، التي عقدت في واشنطن في 31/05/90 واستمرت أربعة أيام، قمة انتهاء الحرب الباردة بين الدولتين العظميين بشكل رسمي، وفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بينهما. إن أن الحرب الباردة كانت قد انتهت بعد انتهاء مؤتمر مالطا بينهما قبل ستة أشهر والذي حصل على أثره الزلزال الكبير، الذي شمل أوروبا الشرقية كلها، وأدى إلى تطورات هائلة، غيّر كلياً مسار شعوبها، بل أثرت في مسار الاتحاد السوفياتي نفسه.

وما كان ذلك يمكن أن يتم بهذا الشكل المذهل لولا غورباتشوف، والذي تواجهه اليوم صعوبات داخلية هائلة من صنع يده.

وكان التركيز في القمة ـ بعد موضوع العلاقات الثنائية بين الدولتين العظميين ـ منصباً على رسم خريطة أوروبا السياسية، وكان محور رسم هذه الخريطة قضية الوحدة الألمانية، وهي المسألة التي سيطرت إلى حد كبير على المحادثات، نظراً لأهميتها وتأثيرها ليس فقط على أوروبا، بل على التوازن الدولي الجديد.

وكانت هذه القمة بما توصلت إليه من اتفاقات هامة بين الدولتين ناجحة بكل المعايير، إذ أنها حققت لكل منهما كثيراً مما كان يريد تحقيقه منها، بالرغم من استمرار وجود خلافات في وجهات النظر بين الدولتين في شأن مسائل كثيرة، أبرزها الوحدة الألمانية وليتوانيا، هذا فضلاً عن التفاوت في تصور حلول النزاعات الاقليمية.

وكان غورباتشوف قد توقع نتائج كبيرة للقمة الحالية، أكبر من أية انجازات توصلت إليها القمم الأميركية السوفياتية السابقة.

وبالفعل توصل الطرفان إلى توقيع عدة اتفاقات ثنائية فيما بينهما، كان أبرزها: التوقيع على البيان المشترك المتعلق بمعاهدة الحدِّ من الأسلحة الاستراتيجية، ووقعا كذلك على معاهدة تخفيض ترسانة الأسلحة الكيماوية التي يمتلكانها، والزام كل منهما بقبول حظر مشترك على انتاج الأسلحة الكيماوية، كما وقعا اتفاقاً يضمن لكل طرف منهما الحصول على وسائل مراقبة تقنية للتحقق من تطبيق معاهدة الحدّ من التجارب النووية، المعقودة سنة 1974 ومعاهدة التفجيرات النووية السلمية سنة 1976 ووقعا على غير ذلك من الاتفاقات.

كما وقعا على الاتفاق التجاري الهام، الذي يحدد أسس العلاقات التجارية بين البلدين، والذي يعطي الاتحاد السوفياتي حق الدولة الأولى بالرعاية، بعدما حصل بوش على ضمانات من غورباتشوف تتعلق بهجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي لاسرائيل، وبالوضع اللتواني، وإن كان بوش قد قال: إن الشرط الوحيد لإرساله الاتفاق التجاري إلى الكونغرس الأميركي، والطلب منه أن أن يصادق على إعطاء الاتحاد السوفياتي حق الدولة الأولى بالرعاية، هو موافقة البرلمان السوفياتي على قانون الهجرة.

وقد جاء هذا الاتفاق التجاري بمثابة مكافأة من بوش إلى غوباتشوف على ما قام به من أعمال أدت إلى ما أدت إليه، من هذا الوضع السياسي الجديد في العالم، وهو في نفس الوقت اعتراف صريح من الرئيس الأميركي بزعامة غورباتشوف، وإنهاء لمرحلة التشكيك في موقع غورباتشوف في القيادة السوفياتية، وليكون هذا الاتفاق دعماً لغورباتشوف داخل الاتحاد السوفيتي.

وقد اعتبر المراقبون السوفيات، «أن لذلك أهمية خاصة، باعتبار أنه سيفهم كاشارة من الادارة الأميركية إلى بقية الدول الغربية، وإلى اليابان للمضي قدماً في الانفتاح على الاتحاد السوفياتي اقتصادياً».

وأميركا والدول الغربية حريصون على أن يصادق البرلمان السوفياتي على قانون هجرة اليهود، حتى يصادق الكونغرس على هذا الاتفاق التجاري. وما تهديد غورباتشوف لاسرائيل ـ بأنه قد يعيد النظر في قانون الهجرة وقد يوقف هجرة اليهود إذا لم تلتزم إسرائيل عدم توطينهم في الأراضي العربية المحتله ـ إلا تهديد فارغ، لا قيمة له، ليحفظ ماء وجهه أمام العرب، وليشعر إسرائيل بحراجة موقفه كنوع من الضعط عليها، وليس أكثر. إذ أن تهجير اليهود السوفيات إلى إسرائيل سيستمر، لأنه صفقة تحت بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، ولا رجوع عنها، ولأنه في مسيس الحاجة إلى مصادقة الكونغرس على الاتفاق التجري كي يتخذ منه أداة لمعالجة الاقتصاد السوفياتي المتدهور.

وقد عاد غورباتشوف بعد انتهاء هذا المؤتمر إلى موسكو كعودة المنتصر، لأنه حقق ما كان يريد تحقيقه من هذا المؤتمر.

أما ما حصل عليه الأميركيون في المقابل فإنه جرى استيفاؤه مسبقاً بعد قمة مالطا، حيث انتهت الحرب الباردة على الطريقة الأميركية، أي بانتصار، عندما انهارت الشيوعية في أوروبا الشرقية، وحتى عملياً داخل الاتحاد السوفياتي. أما في هذا المؤتمر فقد حصل بوش من غورباتشوف على الاعتراف الصريح بالمصالح الأميركية في أوروبا وفي غيرها من أماكن العالم، كنا حصل منه على أن المجابهة العسكرية قد انتهت، وأن الحرب الباردة قد انتهت، وأن الاتحاد السوفياتي لا يعتبر أميركا عدوة، وأنه ترك القوالب الايدلوجية الشوعية في علاقاته بالدول، وفي سياسته الخارجية. حيث قال أمام الكونغرس: «إنه أبلغ الرئيس بوش أن بلاده لا تعارض وجود الولايات المتحدة في أوروبا، بصرف النظر عن طريقة التوصل إلى حل مسألة عضوية ألمانيا الموحدة في حلف الأطلسي، لأن الاتحاد السوفياتي يرغب في وجود الاستقرار في أوروبا، ولا يرغب في وجود أي اضطربات في مركز الأحداث السياسة العالمية». كما قال في كلمته التي ألقاها في حفلة العشاء رداً على كلمة بوش: «اليوم الأول في القمة كان مثمراً، وأن البلدين سيصلان إلى مرتبة جديدة من التعاون» وأضاف قائلاً: «إن صورة العدوّ باتت شيئاً من الماضي، والقوالب الأيدلوجية تتلاشى، وبدأنا نفهم نوايا بعضنا» ثم قال: «أكرر ما قلته للرئيس بوش قبل ستة أشهر في مالطا له، الاتحاد السوفياتي لا يعتبر الولايات المتحدة عدوة، والآن ربما نحن متنافسان على الأقل إلى حدّ ما، ونريد أن نصبح شركاء، ونريد أن نقطع الشوط كاملاً لنصبح أصدقاء» كما قال في كالفورنيا: «باتت الحرب الباردة وراءنا، ودعا إلى إلغاء حلفي وارسو والأطلسي، لأنهما لا فائدة منهما، لكونهما من نتاج الماضي».

لذلك فإن بوش في معرض إشادته بغورباتشوف «أكد أن الشعب الأميركي سيرتاح للمواقف التي اتخذها الرئيس السوفياتي، فيما يتعلق بالمصالح الأميركية» وقال: «إنه سيعمل على أساس المصلحة الوطنية الأميركية، سواء كانت المصلحة الأمنية، أو المصلحة الدولية، وأن العمل عن كثب مع الاتحاد السوفياتي هو مصلحتنا» وأشاد بالاصلاحات السياسية والاقتصادية التي قام بها الاتحاد السوفياتي، مؤكداً على رغبة الولايات المتحدة في ايجاد أرضية مشتركة للتعاون بينهما. وقال في شيكاغو: «إن اجتماع القمة بين القوتين العظميين أفرز علاقة صدق جديدة، قد تعيد تشكيل التاريخ، وأضاف أشعر بالعرفان لغورباتشوف لروح الصراحة، التي تعامل بها مع كل مسألة مطروحة على مائدة المفاوضات، وأعتبر هذا برهاناً على دخولنا بالفعل مرحلة جديدة في علاقاتنا مع اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية».

هذا كله فيما تمَّ بالنسبة لما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين الدولتين العظميين. أما بالنسبة لرسم خريطة أوروبا السياسية، ومحورها ألمانيا الموحدة فإن بوش وغورباتشوف قد اتفقا على أن وحدة ألمانيا حقيقة تاريخية، وأنه لا عودة عن إعادة توحيدها.

أما وضع ألمانيا الموحدة فقد اتفقا كذلك على أن تكون في وضع لا يمكنها فيه أن تكون عنصر تهديد لغيرها، وتأمن في الدول التي سبق وعانت من ويلاتها على نفسها، سواء الاتحاد السوفياتي، وأوروبا الشرقية وبريطانيا وفرنسا. إلا أنهما اختلفا أتكون عضواً كاملاً في حلف الأطلسي أم تكون محايدة، غير أن شقة الخلاف قد ضاقت بينهما.

والأغلب أن يتوصلا إلى وضع يرضي الجميع ويراعي فيه أمن الاتحاد السوفياتي ويكون مطمئناً له، وبأن لا توضع أية قوة من قوات حلف الأطلسي في ألمانيا الشرقية، وأن تبقى القوات السوفياتية فيها، لفترة زمنية يتم فيها الرسم النهائي لخريطة أوروبا المستقبل، على أن تقوم ألمانيا الشرقية، وعلى أن تساهم ألمانيا الموحدة ودول الغرب الأخرى في مساعدة الاقتصاد السوفياتي على النهوض.

أما ما الذي سيحصل بعد هذه القمة فإنه سيعمل على الاسراع في عقد اتفاقية جديدة بين الغرب والشرق لتخفيض القوات التقليدية الموجود لدى الطرفين في أوروبا كما سيعمل على تخفيض القوات والمعدات الأميركية السوفياتية الموجودة فيها كذلك، حتى تكون أوروبا مطمئنة اطمئناناً كلياً، إلى أن عصر المجابهات العسكرية قد انتهى، وأنها لن تفجأ ذات يوم بهجوم عسكري مباغت من الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية.

كما سيعمل غورباتشوف وحكام أوروبا الشرقية الجدد على تحويل حلف وارسو إلى حلف سياسي، وإنهاء دوره العسكري، لأن عصر المجابهة العسكرية قد انتهى، كما سيعمل على إيجاد أوروبا موحدة واقامة البيت الأوروبي المشترك، الذي يكون الاتحاد السوفياتي جزءاً منه، وفق النظام الدولي الجديد.

وسينكفئ غورباتشوف إلى الداخل لتثبيت وضعه أمام خصومه، ولمعالجة المشاكل الكبيرة التي نشأت في الداخل، ولمحاولة انهاض الاقتصاد السوفياتي المتدهور من كبوته وزيادة تنميته، وسيفتح أبواب الاتحاد السوفياتي لرؤوس الأموال الأميركية والألمانية والأوروبية الغربية واليابانية وحتى الكورية الجنوبية ـ بعد لقائه رئيس كوريا الجنوبية في أميركا ـ لانقاذ الاقتصاد السوفياتي، وزيادة نموه.

أما أميركا فستكون هي القوة الرئيسية في العالم بعد هذا الانكفاء من غورباتشوف إلى قضايا الداخل في الاتحاد السوفياتي، وسيعمل على مشاركتها في القضايا التي لها علاقة بها، وفي القضايا التي تمس أمنها.

كما ستعمل أميركا والدول الغربية على تطوير حلف الأطلسي حتى يتلاءم مع هذه المستجدات التي حصلت، كما سيعملون على أن يكون تحوُّل أوروبا الشرقية إلى الديمقراطية الغربية تحولاُ كاملاً، وأن تكون جزءاً من الغرب. وسيقومون بتقديم المساعدات المالية والاقتصادية لها لتتمكن من انهاض اقتصادها المتدهور.

وبذلك تكون الفترة التالية فترة انفراج دولي ترتاح فيه أعصاب العالم من الحرب الباردة، ومن تحسب احتمال حصول مواجهات عسكرية. كما ستكون حافزاً لدول أخرى كاليابان وألمانيا الموحدة للتقدم إلى الحلبة من موقع القوة الاقتصادية، بعد سقوط القوة العسكرية، كأساس لدخول نادي الدول العظمى □

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *