العدد 39 - السنة الرابعة – ذو الحجة 1410هــ، تموز 1990م

المشاركة في الحكم: هزيمة الجاهلية بمفاصلتها لا بالمشاركة فيها

الشهيد سيد قطب

إن الجريمة الفظيعة التي يجترمها حكام أمتنا والمعصية الكبرى التي يقترفونها والخيانة العظمى التي يرتكبونها هي أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. صحيح أنهم عملاء، وصحيح أنهم خونة وقتلة ولصوص، ولكن جريمتهم الأساسية الكبرى هي أنهم حاوّلوا بلاد المسلمين إلى دار كفر بإعراضهم عن الحكم بما أنزل الله وبفصلهم مبدأ الأمة عن حياتها.

وحتى لا يتعرض هؤلاء الحكام لنقمة شعوبهم يحاولون أن يستروا هذه الجريمة ـ جريمة الحكم بغير ما أنزل الله ـ بشتى الوسائل: فتارة يقومون باستفتاءات مزوّرة يزعمون فيها أن الشعب راضٍ عنهم وعن نظامهم، وأحياناً يستدرجون الحركات الاسلامية إلى مناصب وزارية من أجل أن يشاركوهم في هذا الوزر العظيم والجريمة النكراء، فلا يستطيعون بعدها أن يقولوا لهم: «أنتم تطبقون الكفر» لأنهم أصبحوا فيه شركاء. وبذلك تتميع القضية وتضيع الجريمة ويأمن الحكام نقمة الأمة ومحاسبتها، ويحوّلونها إلى محاسبتهم حول التعطيل يوم الجمعة أو زيادة حصص الدين في المناهج التعليمية أو منع الاختلاط في المدارس الرسمية أو غيرها. وسوا استجابوا لها في هذه المسائل أم لم يستجيبوا، فإن هذا لن يؤدي إلى سقوط أنظمتهم. ومن هنا يبدو خطر مشاركة الحركات الاسلامية في هذه الأنظمة الكافرة، صحيح أنهم قد يصلون بهذه المشاركة إلى زيادة حصص الدين أو غيرها من المنافع الجزية ولكنهم يسترون جريمة هؤلاء الحكام ويطيلون عمر أنظمتهم عدا عن أنهم يشتركون معهم في هذا الوزر العظميم.

وهذه مقتطفات من كتاب ظلال القرآن للشهيد سيد قطب يشرح فيها كيفية تعامل العصبة المسلمة مع الجاهلية من أجل الوصول إلى التغيير:

الحكم بغير ما أنزل الله حرام مهما كانت الظروف ومهما كانت المرحلة

لقد كمل هذا الدين وتمت به نعمة الله على المسلمين. ورضيه الله لهم منهج حياة للناس أجمعين. ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى (…) وأي تعديل في هذا المنهج ـ دعك من العدول عنه ـ هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة (…) وقد علم الله أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين… وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كلة بلا عدول عن شيء فيه في بعض الملابسات والظروف. فحذر نبيه (صلى الله عليه وسلم) في هذه الآيات (…) ]وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ[.

وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة، ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة لغرض من الأغراض في ظرف من الظروف ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ ما الذي يستطيع أن يقوله من ينحي شريعة الله عن حكم الحياة؟ ما الذي يستطيع أن يقوله وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟ الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟ ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته وأن يسيروا على منهجه وأن لا يُفتَنوا عن بعض ما أنزله؟ [المجلد الثاني صفحة 902 ـ 905].

شهادة أن لا إله إلا الله تعني قلب نظام الحكم لا المشاركة فيه

الله سبحانه يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو، وأن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له وعاهدهم عليها وعلى القيام بها هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام (…) والله سبحانه يقول: إن المسألة ـ في هذا كله ـ مسألة إيمان أو كفر، أو اسلام أو جاهلية، وشرع أو هوى. فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله ـ لا يحرمون منه حرفاً ولا يبدلون منه شيئاً ـ والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله ولا وسط بين هذا الطريق وذاك، ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة. [المجلد الثاني ص 888].

لقد قال الرجل العربي ـ بفطرته وسليقته ـ حين سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: «هذا أمر تكرهه الملوك» وقال رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته: «إذن تحاربك العرب والعجم».. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عرباً كانوا أم عجماً! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيداً. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد ولا في أرض واحدة شهادة أن لا إله إلا الله مع الحكم بغير شرع الله (…) وفرعون ومَلَؤُه لا يخطئون فَهْمَ مدلول هذه الحقيقة التي يعلنها موسى. بل أنهم ليعلنونها صريحة ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة باتهام موسى بأنه ساحر عليم ]قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ @ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ[ إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة. إنها الخروج من الأرض.. إنها ذهاب السلطان.. إنها إبطال شرعية الحكم.. أو.. محاولة قلب نظام الحكم!.. بالتعبير العصري الحديث [المجلد الثالث صفحة 1348].

التنازل عن بعض الأحكام تنازل عن الاسلام

إن الجاهلية جاهلية والإسلام وإسلام، والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصوراً ومنهجاً وعملاً. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق، والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهلتهم بكليتهم إلى الإسلام (…) إنه ليس هناك أنصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق ولا إصلاح عيوب ولا ترقيع مناهج [المجلد السادس 3992].

وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق. إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر ولا تقام عليها قنطرة ولا تقبل قسمة ولا صلة. وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل معه التوفيق. ولم يساوم (صلى الله عليه وسلم) في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة. وهو محاصر بدعوته وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون. ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين تأليفاً لقلوبهم أو دفعاً لأذاهم. [المجلد السادس ص 3659].

]فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا[ إصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة ]وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا[ فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر ولا إلى خير. فهم آثمون كفار، يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق! وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك [المجلد السادس ص 3785] هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا ـ ولو قليلاً ـ عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوة من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيّناً فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كليه، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفات في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق. والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها، فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغبر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل لا يمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلّموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها [المجلد الرابع ص 2245].

أصحاب الدعوة لا يشاركون في الحياة الجاهلية ولا في المجتمع الذي تحكمه الطواغيت

والأمر الذي ينبغي لطلائع البعث الاسلامي في كل مكان أن تكون على يقين منه: أن الله سبحانه لم يفصل بين المسلمين وأعدائهم من قومهم إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم، وأعلنوا مفارقتهم لما هم عليه من الشرك، وعالنوهم بأنهم يدينون لله وحده ولا يدينون لأربابهم الزائفة ولا يتبعون الطواغيت المتسلطة، ولا يشاركون في الحياة ولا في المجتمع الذي تحكمه هذه الطواغيت بشرائع لم يأذن بها الله. سواء تعلقت بالاعتقاد أو بالشعائر أو بالشرائع. [المجلد الرابع ص 1947].

فأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التميز، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم ويتميزون ولا يختلطون، ولا يكفي أن يدعو أصحاب هذا الدين إلى دينهم، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي. فهذه الدعوة لا تؤدي شيئاً ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة وعنوانه القيادة الاسلامية.. لا بد أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضاً! إن اندماجهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة (…) والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال تلك الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام.. هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب!.. إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص؟ وطريقهم الخاص؟ وسبيلهم التي تفترق تماماً عن سبيل الجاهلية؟ [المجلد الرابع ص 2034].

الكيان المستقل (الحزب غير المرخص) مرفوض في الجاهلية

إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها. ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها. فالاسلا لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل، وهذا ما لا تطيقه الجاهلية. لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم، ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي، وأن يذوبوا في طبيعة هذا الدين لأهله وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه، فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى.

المشاركة خطة يرفضها أصحاب الرسالات

إن التجمع الجاهلي ـ بطبيعة تركيبه العضوي ـ لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي، ولتوطيد جاهلية! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي، والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع. هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره.. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها [المجلد الرابع ص 2092] ]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا[ فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص. إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم ويندمجوا في تجمعهم، ويذوبوا في هذا التجمع أو أن يطردهم بعيداً وينفوهم من أرضهم.. ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي. ولا أن يذوبوا فيه، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص.. هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي.. ولم يقولوا كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات: حسناً! فلندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم!!! إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي، لا بد أن يتبعه حتماً تميزه بتجمعه الاسلامي وقيادته وولائه.. وليس في ذلك اختيار.. إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعا.. هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حسساساً بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده، وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان. كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادماً للتجمع الجاهلي لا خادماً لاسلامه كما يظن بعض الأغرار.

المشاركة عقبة أمام النصر والتمكين

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي أن لا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال. وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين، والفصل بينهم وبين قومهم بالحق، لا يقع ولا يكون إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم، وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم.. فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي، ذائبون في أوضاعه، عاملون في تشكيلاته.. وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله وهم واعون مقدرون [المجلد الرابع ص 2101 ـ 2102].

المشاركة اعتراف للطاغوت بحق الوجود

إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت والجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة لله وحده، والتي يتخذ الناس فيها أرباباً من دون الله يقرون لهم بسلطان الله.. إن الذي يعود إلى هذه الملة ـ بعد إذ قسم الله له الخير وكشف له الطريق وهداه إلى الحق وأنقذه من العبودية للعبيد ـ إنما يؤدي شهادة كاذبة على الله ودينه، شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة الله خيراً فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت! أو مؤداها ـ على الأقل ـ أن لملة الطاغوت حقاً في الوجود وشرعية في السلطان وأن وجودها لا يتنافي مع الإيمان بالله. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن بالله… وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من الإعتراف براية الطغيان. ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان الله في الحياة! [المجلد الثالث ص 1319].

الوحدة اليمنية

الوحدة بين البلاد الإسلامية هي الأساس، إذ أن الحكم الشرعي يوجب على المسلمين أن تكون بلادهم كياناً واحداً، ودولة واحدة، كما أن الحكم الشرعي يحرّم على المسلمين أن تكون بلادهم كيانات ودولاً، أو أن يكون لهم أكثر من حاكم واحد. وذلك لورود الأحاديث الصحيحة التي توجب أن يكون المسلمون جميعاً في دولة واحدة، وأن يكون حاكمهم واحداً.

وعلى ذلك فإن ية وحدة تقوم بين بلدين أو أكثر من بلاد المسلمين، كالوحدة التي قامت بين الضفة الغربية والأردن بعد هزيمة عام 1948، وكالوحدة التي قامت بين مصر وسوريا أيام عبد الناصر، وكالوحدة التي قامت هذا العام بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، فإنها تكون وحدة مشروعة، لموافقتها للحكم الشرعي، بقطع النظر عن كون الحافز عليها هو الحكم الشرعي، أو الاخلاص، أو لمصلحة أو غير ذلك من الحوافز.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *