العدد 39 - السنة الرابعة – ذو الحجة 1410هــ، تموز 1990م

سياسة أميركا تجاه الضفة الغربية؟

 هل أميركا جادة في رفض التوطين والمستوطنات في الضفة الغربية؟ وما حقيقة سياستها من جعل إسرائيل تنسحب من الضفة والقطاع لمصلحة إقامة دولة فلسطينية؟ وما هدف أميركا من تهجير يهود الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين؟ وما دامت منظمة التحرير قد أعطت أميركا كل ما طلبته منها لماذا هي تماطل المنظمة وتجرجرها وتذلها؟ وهل صحيح أن (اللوبي) اليهودي هو الذي يملي على حكام أميركا الانصياع لسياسة إسرائيل؟

ـــــــــــــــــــــــــ

كان أنور السادات يقول: «إن 99% من أوراق القضية هي في يد أميركا. وأكثر المراقبين الآن يقولون بأن أميركا هي ذات التأثير الأول في توجيه دفة المشكلة الفلسطينية، كما هو شأنها في كثير من المشاكل العالمية. ولهذا السبب سلطنا الأسئلة على موقف أميركا لنحاول استكشاف حقيقته.

إن الموقف الأميركي الرسمي المعلن حتى الآن تجاه الضفة القطاع هو ما قرره كارتر في كامب ديفيد مع بيغن والسادات عام 79، أي: الحكم الذاتي. وقد اختلفوا في تفسير الحكم الذاتي: هل هو للناس فقط دون الأرض، او يشمل الناس والأرض. إسرائيل قالت: هو للناس فقط، أما الأرض فتبقى تابعة للسيادة العليا، أي لإسرائيل.

أميركا حاولت إقناع حكام العرب وقادة المنظمة بأن يقبلوا بالحكم الذاتي كمرحلة، وهي ستساعدهم في المستقبل على تحويل هذا الحكم الذاتي إلى كيان ثم إلى دولة مستقلة. واشتغل حسني مبارك والملك فهد في إقناع عرفات ورجالات المنظمة فوافقوا وأعلنوا قبلو قراري 242 و338 واعترفوا بدولة إسرائيل بالشكل الذي حددته أميركا. وأعلنت أميركا رضاها عن المنظمة وفتحت نافذة للتحدث معها من خلال سفيرها في تونس.

طلب بوش، في بداية عهده، من شامير خطة للسلام. وضع شامير فكرة انتخاب ممثلين لسكان الضفة والقطاع تتفاهم معهم إسرائيل على الحكم الذاتي. ويستمر هذا الحكم الذاتي إلى أن يتفق الطرفان (أي حكومة إسرائيل وهؤلاء الممثلون) على صيغة بديلة. وأخذ بيكر فكرة شامير وصاغ منها خطة من خمسة بنود. ولم يوافق شامير على خطة بيكر. وسقطت حكومة شامير، وفشل بيريز زعيم حزب العمل في تشكيل حكومة، ثم شكل شامير الحكومة الحالية. ونحن نرجح أن سقوط الحكومة والتأخر في تشكيل الحكومة الحالية كان مقصوداً للتهرب من الضغط الأميركي.

أمام الممطالة الاسرائيلية أميركا غير مستعجلة ولا يضيرها السير البطيء، بينما هذا البطء يقضي على هيبة المنظمة، فنشط عرفات في الدعوة لقمة بغداد لعلها توجد ضعطاً يخرجه من الطريق المسدود او الحركة البطيئة.

في اليوم الأخير من قمة بغداد حصلت عملية (أبو العباس) ونزلت زوارق الفدائيين على شواطئ فلسطين. وارتبك عرفات وتنصل. ولم يستطع أن يدين العملية علناً خوفاً على شعبية المنظمة أن تحترق. ولم يستطع معاقبة (أبو العباس).

هناك من يقول: إن عرفات دبر العملية للضغط على إسرائيل. فما مدى صحة ذلك؟ الأخبار قالت بأن الفدائيين وزوارقهم نزلوا من سفينة ذاهبة من ليبيا إلى مصر. أي أنهم جاءوا من ليبيا. ومعروف أن سياسة القذافي هي غير سياسة أميركا، وعرفات يسير من خريف 88 في حل قضية فلسطين حسب سياسة أميركا، وحتى الآن وبعد أن علقت أميركا الحوار معه ما زال يرسل الوسطاء لأميركا لإعادة الحوار. أي أن عرفات لم ييأس من أميركا ولم يخرج من خطة أميركا. ومن هذا نفهم أن عرفات لم يكن يعلم بالعملية. ويؤيد هذا ما قاله خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» لصحيفة واشنطن تايمز في 25/06/90 قال: (إن المنظمة ستتخذ اجراءات تأديبية ضد زعيم «جبهة التحرير» أبو العباس). وقال: (إن اللجنة التنفيذية للمنظمة ستجتمع الشهر المقبل لمناقشة العملية وستتخذ خطوات لمنع عمليات ممثالة). وقال أبو إياد (صلاح خلف): (وافقت المنظمة بعد تدخل بلدان صديقة على نشر بيان يدين كل عمل عسكري ضد المدنيين وستقوم بإجراء تحقيق داخلي لتحديد المسؤوليات).

بعض المحللين قالوا بأن بوش لم يكن ينوي تعليق الحوار مع المنظمة، ولكنه وجد نفسه مضطراً أمام الضغوط الداخلية، فعلّق الحوار ولم يقطعه، وهذا هو الأرجح.

وننتقل إلى مدى تأثير الضغط اليهودي على صناعة القرار الأميركي. لا شك أن هناك تأثيراً فاليهود لهم تأثير في الانتخابات، ولهم تأثير إعلامي كبير يؤثر في الرأي العام، ولهم تأثير مالي كبير. ولكن هذا لا يصل إلى درجة أنهم يصنعون القرار أو يلغون القرار، إلا إذا كان قراراً من الدرجة الثانية فيسايرهم الرئيس فيه كما فعل بوش في مسألة تعليق الحوار مع المنظمة.

وأما مسألة الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين فهي سياسة أميركية تسير بها أميركا بناء على قرار ذاتي وليس مراعاة لخاطر اليهود فقط. وكان بوش اتفق مع غورباتشوف عليها في مالطا، وعاد إلى تأكيدها معه في واشنطن، وعلّق تصديق الاتفاق التجاري الذي يجعل روسيا الدولة الأولى في الرعاية، علّق تصديقه من الكونغرس على سن القوانين التي تعطي حق الهجرة لجميع اليهود.

نحن نفهم الحافز الإسرائيلي على هذه الهجرة، فاليهود يرون عددهم قليلاً في فلسطين ونسبة الولادة عندهم قليله رغم التشجيع، ويخشون أن يصبحوا خلال نصف قرن أو ربع قرن أقلية ضائعة، ولذلك فهم يحرصون على استجلاب اليهود إلى فلسطين وتهجير أهل فلسطين منها.

ولكن ما هو الحافز الأميركي؟ هناك رأي أن أميركا تريد إيقاع إسرائيل في ضائقة مالية جرّاء عملية الاسكان. ولكن مهما كان هذا الحافز الأميركي تبقى لسياسية تجميع اليهود في فلسطين نتيجة لا يمكن انكارها. هذه النتيجة هي عدم انسحاب اليهود من أي شبر في الضفة والقطاع، وعدم قيام كان فلسطيني أو دولة فلسطينية مستقلة في أي شبر من الضفة أو القطاع. وكل ما تقوله أميركا لحكام العرب أو لقادة المنظمة من أنها ستعمل جهدها لسحب إسرائيل من الضفة والقطاع ستتراجع عنه في الوقت المناسب بحجة الأمر الواقع.

أميركا تصر على انتقال اليهود من الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين بالذات وليس إلى أي مكان في العالم. وقد أقر الكونغرس مبلغ الـ 400 مليون دولار كمساعدة للإسكان خلال سنة 90 الجارية، وهذه المساعدة هي غير المساعدة السنوية البالغة ثلاثة مليارات دولار من أميركا لإسرائيل. أما اشتراط أميركا أن يكون استيعاب المهاجرين ضمن حدود ما قبل 67 وليس في الضفة أو القطاع، هذا الاشتراط هو تدجيل على العرب، وهو يشبه تدجيل غورباتشوف حين اشترط الشرط نفسه وإلا سيمنع هجرة اليهود. وقد قال شارون كلاماً فيه نوع من الإرضاء لأميركا ولغورباتشوف رغم أنه غامض. ورضيت روسيا ورضيت أميركا.

ونحن نعلم أن حكام أميركا لم يقولوا مرة عن المستوطنات التي بنتها إسرائيل في الضفة والقطاع، لم يقولوا عنها مرة إنها غير شرعية، بل قالوا إنها (ليست غير شرعية) أي هي شرعية، ولكنها تعرقل مسيرة السلام. وقبل فترة قصيرة صوت الشيوخ والنواب الأميركيون بشكل يكاد يكون إجماعياً معتبرين القدس الموحدة كلها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل. وكان هذا التصويت رداً على بوش ووزير خاريجته بيكر حين قالا بأن القدس الشرقية لم تصبح بعد من إسرائيل بل ما زالت خاضعة للمفاوضات. وهذا يدل بشكل واضح على أن بوش وبيكر غير جادين تجاه العرب، أي هما يتظاهران بأنهما لا يؤيدان نظرة اسرائيل، ثم يكون عذرهما للعرب بأنهما لا يستطيعان الوقوف في وجه الكونغرس لأن الديمقراطية عندهم تجعل الحكم للشعب. ولم نلاحظ عليهما أي انزعاج حين خذلهما الكونغرس.

فالأمر الذي لا لبس فيه هو أن أميركا غير جادة الآن في سحب إسرائيل من أي جزء من الضفة أو القطاع وهي غير جادة في إقامة كيان أو دولة فلسطينية في الضفة أو القطاع، الآن.

ويقفز السؤال: لماذا الاختلاف إذا بين أميركا وإسرائيل ما دامت أميركا تناور على العرب وغير جادة الآن في سحب إسرائيل من الضفة والقطاع؟

نحن نرى أن وجه الخلاف يكمن في أن إسرائيل تخطط لتهجير مئات الألوف من سكان الضفة والقطاع، بينما أميركا غير موافقة على هذا التهجير. أميركا تريد حواراً بين أهل الضفة والقطاع وبين إسرائيل ينتج عنه انتخابات وحكم ذاتي تحت حكم إسرائيل. إسرائيل تنوي تهجير مئات الألوف ليس الآن بالضرورة، بل بعد سنوات عدة ريثما تكون قد استقدمت مئات الألوف أو الملايين من اليهود إلى فلسطين. ولذلك فإن إسرائيل لا تريد أن تربط نفسها بانتخابات واتفاقات مع أهل الضفة والقطاع بإشراف دولي. وما دامت غير مرتبطة بمواثيق وضمانات دولية فهي تأمل أن توجد أمراً واقعاً جديداً في الضفة والقطاع، تنطلق منه لجعل أميركا توافقها□

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *