العدد 36 - السنة الثالثة – رمضان 1410هـ، نيسان 1990م

حلقة في مسلسل لبنان

 كان ميشال عون يظن أنه قادر على إخضاع قوات جعجع عسكرياً، فاتخذ قراره بتوحيد البندقية تحت إمرته في الشرقية ليصبح الزعيم الأوحد فيها. بدأ في تنفيذ قراره، وبعد بضع خطوات اكتشف أن ظنه كان في غير محله. وفشل.

أميركا وشرعية الهراوي كانوا يرغبون في أن يحطم جيش عون قوات جعجع ويطرد فلولها من بيروت الكبرى ومن جونية ومن سائر المراكز المؤثرة. ذلك أن جعجع وقواته ينسقون مع إسرائيل وليس مع أميركا. وحين عيّن أمينُ الجميل عون في الحكم كان ذلك بتوجيه أميركي، وحين عُطِل النصاب ومُنع انتخاب فرنجية في قصر منصور، وعُطِل النصاب ومنع انتخاب الضاهر في النجمة كان ذلك بتوجيه أميركا، لأنها تعلم أنه لا توجد قوة تستطيع حماية الشرقية من قوات جعجع إلا الجيش. ولا يكون قائد الجيش (عون) متحمساً للوقوف في وجه قوات جعجع إلا إذا كان هو المتربع على كرسي السلطة. وتركته أميركا يطمع في المركز في أجل أن يكون جاداً في إلغاء القوات. ولما تأكد له أن أميركا تسخره ولا تريده رئيساً للجمهورية انقلب ضدها. ومع ذلك بقيت أميركا بحاجة إليه لحماية الشرقية من قوات جعجع.

إن حاوله عون من تصفية للقوات يخدم خطة أميركا. هذه الخطة التي تهدف إلى تذويب الكيان اللبناني وجعله تابعاً لسوريا، وتحطيم عنفوان الموارنة الذين لم يخلصوا لأميركا. ومن جملة تحطيم الموارنة تحطيم القوات. وبعد ذلك لن يصعب عليها إزاحة عون عن مركزه.

وحين جاء مورفي من دمشق ووقف على باب بكركي في 21 أيلول 88 وقال: (إما أن تنتخبوا الضاهر وإما لبنان إلى فوضى) لم يكن يريد انتاب الضاهر بل كان يريد الفوضى بالتأكيد. وقد وقعت الفوضى والخراب، وما زال المسلسل مستمراً. فالذي يحصل في لبنان هو من تأليف وبرمجة وسيناريو أميركا، والتنفيذ من بطولة عون وجعجع وبقية الأتباع.

كانت أميركا تفضل أن تكون نتيجة التطاحن في الشرقية القضاء على القوات بالإضافة إلى أن يحطم الموارنة القضاء على القوات بالإضافة إلى أن يحطم الموارنة بعضهم. ولكن إسرائيل دخلت (بشكل سري) على الخط ودعمت قوات جعجع بشكل قوي: زودتهم بأنواع الأسلحة من مدفعية وصواريخ وذخائر وطواقم تشغيل بشكل كبير، فكانت البواخر الإسرائيلية تأتي ليلاً لتفرغ حمولتها في مرفأ بيروت ومرفأ جونية. وقيل بأن جنزالات إسرائيليين هم الذين وضعوا خطة إسقاط قاعدة أدما، وهم الذين أشاروا بتحويل الأشرفية إلى قلعة عسكرية بعد سقوط عين الرمانة وفرن الشباك. وهذه الوقفة من إسرائيل مع القوات جعلت جيش عون عاجزاً عن إخضاعهم. ففشل عون، وأصبح محاصراً: فلا طريق برياً ولا جوياً ولا بحرياً. والمنفذ البحري بين نهر الموت ونهر الكلب تستطيع القوات أن تقفله بالمدفعية. وهذا مما رفع معنوية القوات.

وهذا مما جعل أميركا تخاف أن ينهزم جيش عون وتسيطر قوات جعجع على الشرقية. فأوعزت بإمداد عون بما يحتاج إليه من محروقات وذخائر. وكان ذلك.

وصارت أميركا تسعى لإقناع عون بأن يسلم ما تبقى بيده (الجيش، قصر بعبدا، دوائر الدولة، المنطقة التي يسيطر عليها) إلى شرعية الهراوي. فقام سفير فرنسا بالمسعى واجتمع بعون بموافقة الهراوي. وأبدى عون استعداده ووضع بعض الشروط ومنها تعديل اتفاقية الطائف ولو بإضافة فاصلة. ويبدو أن الشروط التي وضعها عون لم تقبل بها أميركا. فأوعزت لأبواقها بالهجوم عليه لإفهامه أنه فاشل، وأنه لا قيمة لاه، وعليه أن يعرف حجمه. ومن هذه الأبواق المؤتمر الصحفي لإدمون رزق حيث فضح كثيراً من أسرار عون. ومنها تسليط الضوء عليه أنه سرق أموال الدولة ونتج عن سرقته إيقاف رواتب الموظفين في الشرقية. ومنها تسليط الضوء على ما خسره لبنان خلال 18 شهراً نتيجة سياسته ومطالبة الهراوي ببسط سلطته على كل لبنان. ومنها الإيعاز للبطرك أن يعود هو إلى مرجعية الموارنة بدل أن يبقى عون طامعاً بها بناء على بنود لجنة الوساطة. ويقال بأن بكركي ستطلب من حكومة الهراوي بسط سلطتها على الشرقية.

والمتوقع أن تعطي أميركا ويعطي الهراوي بعض الأشياء (وليس كل الأشياء) لعون لإرضائه، ليس حرصاً على إرضائه بل حرصاً على أن يستملوا منه ما تبقى بيده من أمور السلطة لئلا تقع بيد جعجع. ويبدو أن عون قلّص شروطه ورضي بما كان معروضاً عليه، فقد اقر أنه بعث برسائل إلى دول الثلاثية والجامعة العربية، ونقلت جريدة القبس أنه يعلن موافقته على ما يرونه وإن كان اتفاقية الطائف.

أما جولة القتال التي انفجرت بين الجيش والقوات يوم الجمعة 30/03/90 فقد اتهمت أميركا قوات جعجع ببدئها. والراجح أن هذا هو الصحيح. فإن جعجع يريد أن يستولي على أكبر قدر ممكن من الشرقية قبل أن يسلمها عون للهراوي. جعجع يُظهر أنه يدافع، وهو يعلن أنه مستعد للتفاهم مع حكومة الهراوي وأنه مستعد لإخراج القوات من بيروت الكبرى وتسليمها للهراوي إذا فعلت بقية الميليشيات الشيء نفسه. جعجع يناور في طروحاته هذه. إنه يتمسكن ليتمكن. جعجع هو الرجل القوي الآن في الشرقية خاصة أنه مدعوم من إسرائيل، وكثير من رموز الموارنة يؤيدونه لأنه إذا سقط (بعد سقوط عون) فإن الموارنة سيصبحون في قبضة سوريا، وهذا ما لا يريدونه ولا يريده الفاتيكان ولا تريده فرنسا.

جعجع مستعد للتعاون مع الهراوي لأنه بذلك يكتسب الصفة الشرعية، وهو يعلم أن الهراوي ضعيف، وسلطته ضعيفة، وهو أضعف من أمين الجميّل، فالجميّل كان له حزب وكانت له قاعدة شعبية وكان يمون على الجيش. أما الهراوي فلا يملك شيئاً من ذلك. وإذا أخرج جعجع قواته من بيروت الكبرى فإنه يخرجها في الظاهر فقد ويبقيها بشكل سري. ومع ذلك فليس من مناص أمام أميركا الآن (أي أمام الهراوي) من قبول التعاون مع جعجع على علاته ريثما تدبر له مقلباً. هو يعرف حقيقة موقف أميركا منه ولذلك هو حذر.

وقد نشرت بعض الصحف في 31/03/90 أن سفارة أميركا في بيروت أبلغت حراسها الأمنيين وعددهم (300) إنذاراً مدته شهر واحد للاستغناء عن خدماتهم وإنهاء معاملاتهم المالية معها.

وهذا يدل على أنها قررت إقفال سفارتها في لبنان نهائياً. ومن المعلوم أن سفارتها في دمشق هي التي تقوم مقام سفارتها في بيروت. وهذا يبيّن أنها لم تعد تعتبر لبنان بلداً يستحق سفارة بل تكفيه قنصلية ويكون تابعاً لسفارتها في دمشق. ومن المتوقع أن تحذو دول كثيرة حذو أميركا. وهذا تطبيق عملي لما قاله واينبرغر، وزير الدفاع الأميركي السابق، قبل بضعة أسابيع من (أن لبنان ليس دولة وليس بلداً لأنه لا وجود له في التاريخ ولا في الجغرافيا).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *