العدد 55 - السنة الخامسة – العدد 55 – ربيع الآخر 1412هـ الموافق تشرين الثاني 1991م

مؤتمر مدريد: أميركا تربح وإسرائيل تربح، والعرب يخسرون

مسلسل التآمر على فلسطين بدأ مع هرتزل والحركة الصهيونية من أيام السلطان عبد الحميد رحمه الله. ثم أثناء الحرب العالمية الأولى في معاهد (سايكس ـ بيكو) ووعد بلفور. ثم في الانتداب الانجليزي على فلسطين. ثم في حرب 48 وإنشاء دولة إسرائيل وتسليمها جزءاً من فلسطين. ثم في إنشاء منظمة لتسليم فلسطين عام 64 سَمّوْها (منظمة التحرير). ثم في حرب 67 حيث احتلت إسرائيل بقية فلسطين وغيرها من بلاد العرب. ثم في صدور قرار 242 سنة 67. ثم كانت محظة خيانة كبيرة هي اعتراف مصر بإسرائيل وعقد الصلح معها عام 79. ثم جاءت بعدها محطة خيانة أخرى كبيرة هي اعتراف (منظمة التحرير) بإسرائيل والتنازل لها عن جميع الأرض التي كانت تحتلها قبل 67 تنازلاً علنياً صريحاً رضيت عنه أميركا، وقد حاولت المنظمة تغطية جريمتها الشنيعة هذه بإعلان (دولة فلسطين!). والآن وصل مسلسل التآمر والخيانة إلى مؤتمر مدريد.

هناك من يتساءل: هل ينجح المؤتمر؟ هل يفشل المؤتمر؟ والواقع أن المؤتمر ناجح بالنسبة لأميركا وبالنسبة لإسرائيل، وهو فاشل بالنسبة للعرب ولأهل فلسطين.

إن مجرد انعقاد المؤتمر هو النجاح الذي تريده كل من أميركا وإسرائيل في هذه المرحلة. إن انعقاد المؤتمر ولو ليوم واحد يشكل اعترافاً رسمياً وعلنياً من العرب بدولة إسرائيل، وينقل الوضع من حالة الحرب إلى حالة التفاوض، ومن حالة المقاطعة إلى حالة التواصل ثم التطبيع، وما حضور دول الخليج ودول المغرب إلا من أجل الاعتراف بإسرائيل ومصالحتها وتطبيع علاقات جميع العرب معها.

المؤشرات تدل على أن أميركا لا تريد من المؤتمر في المرحلة الراهنة أكثر من الانعقاد وتشكيل اللجان الثنائية وبدء اجتماعاتها. أما أن تتوصل هذه الاجتماعات الثنائية إلى نتائج فهذا غير موجود في برنامج أميركا الآن بدليل قولها أنها تترك لكل طرف أن يفسر قراري 242 و338 حسب رأيه، وأن أي طرف يحق له أن لا يجلس مع الطرف الذي لا يريده، وأن أميركا تلتزم أن لا تفرض الحل على أحد، وأنه لا يجوز ربط وقف الاستيطان بأعمال المؤتمر، وأنها تلتزم لإسرائيل بالتعهد الذي كان قطعه فورد بشأن الجولان عام 75، وهي غير منزعجة من إعلان إسرائيل أنها لن تنسحب من شبر من الضفة أو القطاع أو الجولان، ولم ترض أميركا أن تعيّن مرجعية يُرْجَع إليها عند الاختلاف، ولم تحدد وقتاً معيناً للمؤتمر كي يصل إلى نتائج.

حين كانت أميركا جادّة بالوصول إلى نتيجة رأينا كيف أحضرت نصف مليون جندي لمحاربة العراق. أما تصرفها الآن فيدل دون لَبْس على أنها تكتفي الآن من مؤتمر مدريد بالانعقاد.

غرض أميركا الأول من عقد المؤتمر هو قطع الطريق على دول أوروبا كي لا تتدخل في المنطقة. لقد نجحت أميركا في وضع اللجام في أفواه الدول الكبرى في العالم، وصارت تقود هذه الدول بشكل يجعلها غير قادرة على منافسة أميركا. وبما أن وجود حالة الحرب بين العرب واليهود في هذه المنطقة تترك نافدة يمكن للدول المنافسة لأميركا أن تعود من خلالها إلى المنطقة أرادت أميركا أن تغلق هذه النافذة. انعقاد المؤتمر بما يترتب عليه يكفي لاغلاق هذه النافذة. هذا فضلاً عن الفخر الذي يحققه بوش وإدارته كونه نقل المشكلة من حالة الحرب إلى حالة التفاوض.

أما إسرائيل فإنها أيضاً تقطف جميع الثمار التي ترجوها من المؤتمر بمجرد انعقاده: فهي تحصل على الاعتراف من كل العرب وتجلس معهم ويجلسون معها، وتبدأ بينها وبينهم المفاوضات الثنائية، وتضع مسألة المقاطعة على طاولة البحث وكذلك بحث المائل الاقليمية وتطبيع العلاقات. كل ذلك تحصل عليه إسرائيل دون أن تتراجع عن أطماعها قيد شعرة. فهي لم تقبل الاعتراف بالمنظمة ولا بشعب فلسطيني، ولم تقبل ببحث مسألة القدس، ولم تقبل الانسحاب من أي شبر، ولم تقبل بوقف الاستيطان في الضفة أو القطاع أو الجولان، ولم تقبل باعطاء الفلسطينيين أكثر من حكم ذاتي تحت سلطتها، وقالت بأنها انسحبت من 90% من الأرض التي احتلتها سنة 67 حين أعادت سيناء لمصر والقنيطرة لسوريا، ولم يبق إلا مبادلة السلام بالسلام.

إذاً فإن إسرائيل تأخذ من مؤتمر مدريد كثيراً دون أن تعطي أي شيء. ومع ذلك فإن إسرائيل غير مطمئنة، إنها تخشى الدوائر. هي تخاف أن تحشرها أميركا في الزاوية وتضغط عليها لاعطاء بعض التنازلات للعرب. وخشية إسرائيل هذه آتية من الوضع الجديد: بعد تفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية من جهة، وسير حكام البلاد العربية مع أميركا من جهة ثانية. فإسرائيل رأت أنها لم تعد ذات فائدة كبرى لأميركا، بل أصبحت عبئاً على أميركا. وقد لاحظنا كيف أن أميركا ألقت بثقلها، ترهيباً وترغيباً، لمنع إسرائيل من الدخول في الحرب ضد العراق بعد أن دخل العرب أنفسهم في الحرب ضد العراق إلى جانب أميركا. وإسرائيل ترى أن أسواق العرب ونفط العرب فيها مصالح لأميركا الآن أكثر من إسرائيل. ولذلك صارت إسرائيل تخاف أن تغيّر أميركا سياستها تجاهها، وتجبرها على تنازلات، ولذلك تتصرف بكل حذر، وتدرس كل اقتراح أميركي وكأنه فخ منصوب لها، وتضع لكل خطوة مائة شرط وشرطاً.

وأما العرب الذين لهم حقوق عند إسرائيل فهم: سوريا ولبنان والفلسطينيون، أما بقية العرب فهم ذاهبون من أجل الاعتراف بإسرائيل لا أكثر ولا أقل.

لبنان، بكل بساطة، ألغى قرار 425 حين وافق على الذهاب مؤتمر مدريد. وكل ما يقال عن عدم الربط بين تنفيذ 425 والمؤتمر هو كلام لا قيمة له. واصبح الآن انسحاب إسرائيل من الشريط الحدود في جنوب لبنان ليس مربوطاً بقرار 425 بل بنتيجة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل، وهذه ليست واردة في المدى المنظور.

بخصوص الجولان فإن من يقرأ تعهد فورد لإسرائيل سنة 75 ومن يقرأ تعهدات بيكر (وبوش) لإسرائيل الآن يخلص إلى نتيجة واضحة أن أميركا تريد أن تضع يدها هي في المستقبل على الجولان. أي أن أميركا لا تخطط لارجاعها إلى سوريا ولا لابقاء إسرائيل فيها على المدى الطويل، بل قد تُبقي إسرائيل فيها حوالي عشر سنوات ثم تأخذها أميركا (قوات متعددة الجنسية بقيادة أميركية).

وأما الضفة والقطاع فواضح أن أميركا تريد أن ابقاءها بيد اسرائيل، وتريد جلب المهاجرين اليهود من روسيا والعالم إليها، وتريد أن تبني إسرائيل المستوطنات في الضفة والقطاع (والجولان)، وأميركا لا تريد أن يكون للفلسطينيين في الضفة والقطاع أكثر من حكم ذاتي. بعض قادة إسرائيل فكروا في تهجير 600 ألف من أله الضفة والقطاع إلى الأردن أو لبنان ولكن أميركا تعارض ذلك. أميركا تريد أن تكون منطقة الحكم الذاتي مختلطة من اليهود والعرب. والدولة الفلسطينينة لا ترى أميركا مكاناً لها إلا شرقي الأردن.

والوفد الفلسطيني الذي ذهب إلى مؤتمر مدريد وقادة المنظمة الذين وافقوا على ذلك ليسوا فقط قليلي دين وقليلي اخلاص بل هم قليلو فهم.

اسألوهم: ما هو الثمن الذي حصلتم عليه عام 88 حين تنازلتم عن فلسطين المحتلة قبل 67؟ لا شيء اطلاقاً إلا وعد من أميركا أن تجلس معهم علناً، وجلست عدة جلسات ثم توقفت متذرعة بهجوم من المنظمة على إسرائيل.

إسألوهم الآن: بماذا وعدتكم أميركا حتى تذهبوا إلى مدريد؟ المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين□

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *