العدد 30 - السنة الثالثة – ربيع الأول 1410هـ – الموافق تشرين الأول 1989م

حوارات الطائف

 السياسة لها ظاهر ولها باطن. وهناك من يقنع بالقشرة الظاهرة، وهناك من يغوص ليفهم الباطن. اللجنة الثلاثية هي من صنع القمة العربية في الظاهر ولكنها من صنع أميركا من حيث الحقيقة، أميركا تزعم أنها تعمل لحل مشكلة لبنان في الظاهر ولكنها هي التي صنعت هذه المشكلة في الحقيقة.

ميشال عون كان من رجالات أميركا وهي التي جاءت به لقيادة الجيش، وكان في اليزرة مكتب لمجموعة الضباط الأميركيين الذين يوجهون قيادة الجيش اللبناني. وقد قال فاروق أبي اللمع في ندوة تلفزيونية بأن سفراء أميركا في لبنان منذ عام 1985 يتصلون مباشرة بقائد الجيش ميشال عون ليؤمن لهم الحراسة. قال أبي اللمع بأن كل سفير أميركي كان منذ وصوله إلى لبنان بدل أن يتصل بوزارة الخارجية كي يطلب منها تأمين الحراسة للسفارة، كان يتصل مباشرة بعون، الذي كان يفرز لهم أحسن العناصر في الجيش. قال فاروق أبي اللمع ذلك بمناسبة احتجاج السفير مكارثي عند مغادرته، على ميشال عون بأنه لا يؤمن الحراسة.

وأميركا هي التي أمرت أمين الجميّل بتكليف عون برئاسة الحكومة العسكرية، وهي التي أمرت ببقاء حكومة الحص. وهي التي قالت بترشيح فرنجية للرئاسة وأعطت التعليمات بمنع اكتمال النصاب. وهي التي اتفقت مع سوريا على ترئيس مخايل الضاهر ثم تصرفت، عن قصد، بشكل يعطل انتخابه. وهي التي أوعزت إلى عون بضرب قوات جعجع. وفي هذه الأثناء كان السفير الإنجليزي يوسوس لميشال عون ويرتب له خطة إقليمية لتزويده بالسلاح العراقي ودعمه من العراق والأردن وإسرائيل ليقوموا بعمل منسق ضد سوريا فوجد أن الخطة الإنجليزية توفر له ربحاً أكبر، فتحول عن أميركا وسار مع الإنجليز، وطرد مكتب الضباط الأميركيين من وزارة الدفاع في اليزرة.

ولما اكتشفت أميركا ضلوعه في الخطة الإقليمية قررت إبعاده، فكانت اللجنة الثلاثية بعد السداسية. والمقصود (عند أميركا) من هذه اللجنة ليس إيجاد حل لمشكلة لبنان، بل إبعاد ميشال عون الذي تمرد على أميركا، وإيجاد هدنة هشّة في لبنان. لم تكن أميركا مستعجلة على انتخابات الرئاسة، ولكنها أصبحت مستعجلة من اجل إبعاد عون لتقطع دابر الخطة الإنجليزية التي تسخّر ميشال عون.

ميشال عون كان يمنع النواب من الخروج من لبنان وحين تعثرت الخطة الإقليمية الإنجليزية، وصار عون يراهن على التدخل الفرنسي، ولكن فرنسا عقد صفقة مع أميركا، ولكن يعد عندها حاجة للتدخل، لأن أميركا ضمنت لها بأن تمنع حصول اجتياح للشرقية مقابل أن تضغط فرنسا على عون للسماح للنواب بالحوار من أجل الوصول إلى خير غير عسكري. ووجد عون نفسه بدون عدم فرضخ وقبل وبورقة الأخضر الإبراهيمي.

وذهب النواب إلى الطائف. تحاوروا حول انسحاب إسرائيل واتفقوا على وجوب انسحابها، ولكن إسرائيل أجابتهم بأنها باقية إلى ما بعد عام 2000. وتحاوروا حول تعديل صلاحيات الرئيس والوزراء والنواب ولمّا يتفقوا، مع أن سعود الفيصل قال لهم: يمكنكم أن تتصرفوا وتعدلوا الوثيقة كما تشاءون في هذا البند. أما بند انسحاب القوات السورية فحذّر النواب من مسه، قال لهم: ابحثوا في كل شيء إلا في هذا البند. فلا تبدلوا فيه أي حرف. وحجته في ذلك أن هذا البند مسألة إقليمية دولية وليس مسالة داخلية. فالمسائل الداخلية تابعة للنواب، وأما مسألة داخلية. فالمسائل الداخلية تابعة للنواب، وأما المسائل ذات التشعبات الخارجية فهذه أخذتها اللجنة الثلاثية على عاتقها بالاتفاق مع الدول الإقليمية والدول الكبرى، فعلى النواب أن يتركوا هذه المسألة كما هي للجنة الثلاثية.

إذاً لا يوجد حوار بين النواب حول الانسحاب السوري. أما الانسحاب الإسرائيلي فلا قيمة لبحث النواب فيه، ولا قيمة لتعهد اللجنة الثلاثية بشأنه لأن إسرائيل لم تتعهد للجنة الثلاثية، بينما سوريا تعهدت لها.

والحوار المسموح للنواب فيه هو محصور في شأن الإصلاحات الدستورية. وحين وضعت السعودية لهم شعاراً بأن الفشل ممنوع لم تكن تقصد بأن يتفقوا على الأسس وعلى الفروع، بل أن يتفقوا على الأسس فقط، أو على بعض الأسس كي يتمكنوا من إجراء انتخابات رئاسية.

غاية أميركا من الحوار (وهذا يعني غاية السعودية) الآن في الطائف هي تأمين ما يلزم من أجل إجراء الانتخابات، وليست الغاية هي الإصلاحات، بل الإصلاحات هي الذريعة. وعند حصول الانتخابات (رئاسة مجلس النواب ولجانه ثم رئيس الجمهورية) يتم تشكيل حكومة وينتهي ميشال عون، وتواصل الحكومة الجديدة البحث في تفصيلات الإصلاحات التي ربما تستمر زمناً طويلاً (أطول من الفترة الرئاسية). وتكون أميركا قد أوجدت في لبنان هدنة هشة، قابلة للتفجير وقت تشاء.

العلاقات المميزة بين سوريا ولبنان لا قيمة للحوار فيها الآن لأنها ستترك للحكومة القادمة. والانسحابات السورية الإسرائيلية ليست من الأمور الداخلية فلا قيمة لحوار النواب فيها. والإصلاحات الدستورية يكون الحوار فيها في الأسس دون التفاصيل، وتترك التفاصيل للحكومة القادمة. والحكومة القادمة ليس من المتوقع أن يجري على يديها ما يعلقون عليها من آمال، ذلك لأن أميركا تريد تأخير بت المشكلة في لبنان حتى تبت مشكلة المنطقة كلها. أي أن صياغة لبنان النهائية تنتظر صياغة المنطقة.

وأهم مسألة من مسائل صياغة لبنان المربوطة بصياغة المنطقة هي مسألة توطين الفلسطينيين. وقد كان وفد أميركي طرح سؤالاً على صفير: لماذا لا توطنون الفلسطينيين في لبنان؟ فقال: أن الفلسطينيين يرفضون ذلك لأنهم يريدون العودة إلى فلسطين. قالوا له: معلوماتنا أنهم يوافقون على التوطين في لبنان. فأجاب: إذا كان الأمر كذلك فإن لبنان سينقسم وليتوطنوا في القسم الذين يرضى بهم.

في لبنان ما يزيد عن نصف ملين فلسطيني. وأميركا مصممة على توطينهم حيث هم. وهم قد توطنوا من حيث الواقع، ولكن تنقصهم حقوق المواطنة، وهذه ليست أميركا في عجلة من أمرها بل ربما تنتظر ربع قرن ريثما تنضج قضية المنطقة التي تحتاج إلى مثل هذا الوقت في نظر أميركا. إذاً فإن الهدنة الهشة في لبنان قد تستمر ربع قرن في نظر أميركا.

نقول في نظر أميركا وليس في نظرنا، لأن الأمور لن تبقى متروكة لأميركا وعملاء أميركا يخططون وينفذون كما يحلوا لهم.

نحن نتوقع أن تتسارع المتغيرات وتتفجر من تحت الرماد نارٌ تحرق أصابع أميركا وعملاء أميركا، وتلغي كثيراً من الكيانات الكرتونية كلبنان وغيره، وتلغي الحدود والأنظمة العميلة ودساتير الكفر، وما ذلك على الله بعزيز.

قال الرئيس حسين الحسيني لوفد نقابتي الصحافة والمحررين في الطائف: (أن أهلنا في لبنان ينتظرون منا الشيء الكثير، وليعلم الجميع أنهم في سفينة واحدة وأي ثقب يصيبها تميد بهم وتعرضهم للغرق. ولا يمكن أي فئة أن تخرج سالمة معافاة من الأزمة من دون الفئات الأخرى).

إن كلام الحسيني هذا يذكرنا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهمّوا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوْا من الماء مرّوا على مَنْ فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَنْ فوقَنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوْا جميعا». صدق رسول الله.

والعبرة من هذا الحديث الشريف هي أن يحزم العقلاء أمرهم، ويفرضوا الحق على أهل الطيش فرضاً. فلا محل لتقسيم ما لا يُقسَّم، ولا محل لحرية أحد في حصة غيره أو حصته ما دامت هذه الحرية تؤذيه وتؤذي غيره.

إذا نظرنا إلى الأفرقاء الذين يتحاورون في الطائف وجدنا أنهم كلهم من أهل الطيش. وليس هذا شتماً ولا تجنياً. سفينة لبنان تغرق ليس من 15 سنة فقط بل قبل ذلك بكثير. والله سبحانه يقول: ]أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ولاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ[.

الوثيقة التي يتحاورون فيها ليست جديرة بالاهتمام لأنها تافهة، لأنها لا تقوم على أساس من الشرع والحق. ودول اللجنة الثلاثية وقبلها دول اللجنة السداسية التي تسعى لإنقاذ لبنان هي بحاجة إلى من ينقذها لأنها كلها عميلة ومسيرة بإرادة الدول الخارجية.

ليست السفينة اللبنانية وحدها هي التي تحتاج إلى إنقاذ بل جميع البلاد العربية والإسلامية. المرض الموجود في لبنان موجود هناك أيضاً:

1- مرض الوقوع تحت هيمنة الدول الاستعمارية الكافرة وعلى رأسها أميركا.

2- ومرض التجزئة والانقسام بين أوصال البلاد الإسلامية، بينما المفروض أن تكون دولة واحدة تحت راية خليفة واحد.

3- مرض هجر الشريعة الإسلامية والسقوط في أتون الأنظمة الجاهلية، جاهلية القرن العشرين. وهذا المرض أسوأ من مرض التجزئة ومرض الهيمنة الكافرة.

وما دام الآن بحث سفينة لبنان هو المطروح في الطائف، فالمفروض في العقلاء أن يحزموا أمرهم ويبدأوا بالحل الجذري، وهو سحب الورقة من يد أميركا ومن يد اللجنة الثلاثية التي هي أداة أميركا، ويعيدوا لبنان إلى أصله ـ بلاد الشام، ويعود الموارنة مواطنين عاديين وليسوا أسياداً وليسوا أصحاب امتيازات. ويرتاح الناس من الغرب الذي جعل من لبنان رأس جسر له، ويرتاح الناس من الطائفية، ويرتاح الناس من مراكز القوى داخل الدولة، ويرتاحون من صراع أمراء الحرب الصغار، ويرتاحون من البحث عن دولة يكونون عملاء لها.

إن إعادة لبنان إلى أصله (سوريا) لا تتم بالرضى من جميع الناس، ولا بد أن يعارضها نفر ولو قليل. وهؤلاء الذين يعارضون لا بد أن يفرض الأمر عليهم فرضاً.

«فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً. وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوْا جميعاً».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *