العدد 30 - السنة الثالثة – ربيع الأول 1410هـ – الموافق تشرين الأول 1989م

الاشتغال بالسياسة الدولية والسياسة المحلية فرض كالجهاد

قال الله تعالى: (الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وأخرج ابن ماجة عن أبي أمامة قال: عُرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال يا رسول الله، أي الجهاد أفضل، فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية. سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: «أين السائل؟» قال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر». وفي رواية أبي داود عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر». فهذه النصوص صريحة في الاشتغال في السياسة، أما الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة قبل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبتهم المجوس وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فيكف غلب المجوس الروم وهم أهل كتاب، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله (الم * غُلِبَتْ الرُّوم). وهذا يدل على أن المسلمين في مكة حتى قبل إقامة الدولة الإسلامية كانوا يجادلون الكفار في أخبار الدول وأنباء العلاقات الدولية. ويروى أن أبا بكر راهن المشركين على أن الروم سيغلبون وأخبر الرسول بذلك فأقره الرسول على هذا وطلب منه أن يمدد الأجل وهو شريكه في الرهان وكان ذلك قبل أن ينزل تحريم الرهان مما يدل أن العلم بحال دول العصر وما بينها من علاقات أمر قد فعله المسلمون وأقره الرسول الكريم. وإذا أضيف إلى ذلك أن الأمة التي تحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم لا يتيسر لها حمل الدعوة إلى العالم إذا كانت عارفة بسياسة العالم ولا يتيسر لها حمل الدعوة إلى أمة معينة أو شعب معين، إذا لم تكن عارفة بسياسة حكومة تلك البلاد أي بسياسة الدولة التي تحكمهم، وهذا معناه أن معرفة سياسة العالم بشكل عام وسياسة كل دولة تريد حمل الدعوة إلى شعبها أو رد كيدها عنا فرض كفاية على المسلمين لأن حمل الدعوة فرض ودفع كيد الأعداء عن الأمة فرض وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بمعرفة سياسة العالم وسياسة الدول التي تعنى بعلاقاتها لدعوة شعبها للإسلام أو لرد كيدها، والقاعدة الشرعية (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، لذلك كان الاشتغال بالسياسة الدولية فرضاً على المسلمين، ولذلك لما كانت الأمة الإسلامية مكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة كان فرضاً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً مدركاً لمشاكله عالماً بدوافع دوله وشعوبه، متتبعاً الأعمال السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي كيفية علاقة بعضها ببعض، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدول.

ولذلك كان لزاماً على المسلمين أن يدركوا حقيقة الموقف في العالم الإسلامي على ضوء فهم الموقف الدولي ليتسنى لهم أن يتبينوا أسلوب العمل لإقامة دولتهم وسط هذا الوضع الدولي الصاخب، وليتمكنوا من حمل دعوتهم إلى العالم. ومن هنا كان من فروض الكفاية على المسلمين معرفة الموقف الدولي معرفة تامة متلاحقة ومعرفة التفاصيل المتعلقة بالموقف الدولي معرفة يومية بتتبع واهتمام، والإحاطة بموقف الدول التي لها شأن يذكر في الموقف الدولي العام. ومن هنا كان الاشتغال بالسياسة الدولية فرض كفاية على المسلمين، فإذا خلت بلاد المسلمين ممن يشتغل بالسياسة الدولية ومن يعرف السياسة العالمية والسياسة المحلية أثموا جميعاً تماماً كما إذا خلا المسلمون من الجهاد، إذاً الاشتغال بالسياسة الدولية كالجهاد سواء بسواء.

هذا بالنسبة للسياسة الدولية أما بالنسبة للسياسة المحلية، فإن الاشتغال بالسياسة يعني الاشتغال بأمور المسلمين العامة والاهتمام بحالة المسلمين من حيث إدارة الحكم والسلطان لهم. وهذا أمر فرضه الله عليهم وحرم علين تركه. فإن الرسول بلغ من حثه على الاهتمام بأمر المسلمين أن اعتبر من لم يقم به كأنه ليس من المسلمين، وقد بلغ من تحريض الرسول لمراقبة الحاكم في تولية شؤون المسلمين، والاهتمام بأعماله التي يرعى بها شؤون الرعية أن جعل كلمة الحق لدى الحاكم الجائر أفضل الجهاد، وكلمة الحق هذه تعني الاشتغال بأمور المسلمين العامة والاهتمام بشؤونهم، ولذلك جاء في الحديث الشريف: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله عاملاً بعباد الله بالإثم والعدوان ولم يغير عليه بقول أو فعل كان على الله أن يدخله مدخله»، والتغيير عليه بقول أو فعل هو الاشتغال بالسياسة المحلية. ومنه يتبين درجة فرضية الاشتغال بالسياسة المحلية.

ومن ذلك يتبين أن السياسة فرض كفاية على المسلمين سواء السياسة الدولية أو السياسة المحلية لأن السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً فيجب على المسلمين ولا سيما الأتقياء البررة أن يشتغلوا بالسياسة الدولية والسياسة المحلية لأنه بدونها لا يمكن رد كيد الكفار المستعمرين، ولا يتأتى حمل الدولة إلى العالم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *