العدد 316 -

السنة السابعة والعشرون جمادى الأولى 1434هـ – آذار 2013م

دولة الخلافة وما يسمى بالأقليات (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

دولة الخلافة وما يسمى بالأقليات (1)

——————–

ياسين بن علي

——————–

نبذة تاريخية

ساد التنوع الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة لحظة قيامها، فقد وُجد فيها المهاجرون والأنصار، وكان من رعاياها العربي وغير العربي، والمسلم واليهودي والمشرك، والأوس والخزرج على ما بينهم من عداوة سابقة. وقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم أسس العلاقة بين أطياف هذا المجتمع الوليد فيما سمي بوثيقة المدينة، ثم توسعت الدولة الإسلامية لتشمل الجزيرة العربية كلها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوسعت في رقعة أكبر بكثير في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم في زمن الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، فازداد بذلك التنوع في الدولة الإسلامية حيث دخل الناس في الإسلام أرسالاً من قبائل وشعوب شتى، وخضع لسلطان دولة الخلافة أصحاب أديان كثيرة لم تكن معروفة في جزيرة العرب، على ما في جميع هؤلاء من اختلاف في العرق واللون واللغة والثقافة والدين.

وكان الغالب في العلاقة بينهم وفي علاقتهم مع الدولة والسلطان الانسجام والتوافق وحسن المعاشرة، ولم تعرف الدولة الإسلامية ولا المجتمع الإسلامي مفهوم الأقليات طوال عهدهما الممتد عبر قرون وقرون من الزمان، إلا ما كان من تسرب هذا المفهوم من الغرب بتخطيط وتدبير من الدول الغربية الطامعة في بلاد المسلمين في أواخر عهود الدولة العثمانية.

 فالدول الغربية الاستعمارية استغلت عامل القوة المتمثل في التنوع الكثير السائد في الدولة العثمانية وحولته إلى عامل ضعف لضرب الدولة الإسلامية وتفتيتها والقضاء عليها، وذلك بنشر مفهوم الأقليات من ناحية فكرية وبتبني بعض «الأقليات» مادياً ومعنوياً وعسكرياً وتحريضها على الخروج على الدولة العثمانية. وقد ركزت أول الأمر على الشعوب الأوروبية الواقعة تحت سلطان الدولة الإسلامية في البلقان واليونان وغيرهما من المناطق، فأثارت فيهم النزعات القومية والرغبات الانفصالية وأمدتهم بالسلاح والدعم للخروج على هذه الدولة، وعلى النصارى إذ أخذت تتصل بهم محاولة إقناعهم بظلم واقع عليهم من قبل المسلمين ودولتهم وبنقص في حقوقهم، وهكذا تدخلت في شؤون الدولة العثمانية بحجة حماية الأقلية الدينية النصرانية بوصفها امتداداً لهذه الدول من الناحية الدينية. وظلت هذه الدول سائرة في هذه المسألة حتى استطاعت أن تفتت الدولة العثمانية وتثير فيها الفتن والعداوات إلى أن انتهى الأمر بالقضاء عليها واستعمار أغلب أراضيها من قبل هذه الدول التي لم تراعِ في استعمارها حقوق هذه الأقليات المدَّعاة؛ فنالها من ظلم المستعمرين وتحكمهم ما نال جيرانها من الأكثريات.

والغريب أن هذه الدول الغربية الاستعمارية لم تتوقف عن إثارة «الأقليات» العرقية والدينية واللغوية بعد أن استعمرت بلاد المسلمين، بل أخذت بتغذيتها وتركيزها إعداداً للمرحلة القادمة التي تمثلت في إقامة دول قومية ووطنية علمانية على أنقاض الدولة العثمانية التي حرصت في رسم حدودها على جعل عامل الأقليات سبباً حاضراً للتدخل في شؤون هذه الدول والسيطرة عليها، ولإيجاد المتاعب لها وإثارة مسألة الأقليات كلما اقتضت الحاجة.والأعوام التسعون المنصرمة مليئة بالأمثلة على استغلال موضوع الأقليات من أجل فرض أجندات استعمارية على البلاد العربية والإسلامية وبلاد ما يسمى بالعالم الثالث على وجه العموم.

واليوم، وقد شهد العالم الإسلامي موجة من الثورات أطاحت بأنظمة ديكتاتورية حكمت الناس لعقود من الزمن بالحديد والنار، ومع النجاح الجزئي للثورات في عدد من البلدان كتونس ومصر وليبيا، واستمرارها في بلدان أخرى كسوريا، فقد ازداد قلق دول الغرب من المستقبل؛ إذ كشفت الأحداث والوقائع المتلاحقة رغبة الناس العارمة في إحلال نظام الإسلام في الحكم محل الأنظمة العلمانية البائدة.

ولأنّ الثورات في البلدان الإسلامية تبشر بإعادة توحيد هذه البلدان تحت راية واحدة وهي راية الخلافة الإسلامية، سارعت دول الغرب إلى إذكاء الفتن والصراعات الداخلية لحرف مسار الثورات وللوقوف في وجهها؛ فأعادت طرح مشروع تفتيت البلدان من خلال تفعيل مسألة الأقليات وحقوقها وإثارة الخوف في نفوس غير المسلمين في البلاد الإسلامية من وصول الإسلام إلى الحكم. وقد ظهرت هذه الاستراتيجية جلياً من خلال بعض الأعمال التي وقعت في تونس ومصر وسوريا، ومن خلال تصريحات ساسة الغرب، كقول وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون (في 13/09/2011م بمناسبة صدور التقرير السنوي الثالث عشر حول الحرية الدينية في العالم): « أثارت عمليات التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اهتمام العالم، ولكنها عرضت أيضاً الأقليات العرقية والدينية إلى مخاطر جديدة»، وكقولها عند لقائها وفداً من المعارضة السورية في 06/12/2011م بعد أن أكدت على أن التغيير لا ينبغي أن يقف عند حد رحيل نظام بشار الأسد: «هذا يعني وضع سوريا على طريق القانون وحماية الحقوق العالمية لكل المواطنين أياً كانت طائفتهم أو عرقهم أو جنسهم»، وأضافت أن المعارضة تدرك أن الأقليات السورية بحاجة لطمأنتها إلى أنها ستكون أفضل حالاً «في ظل نظام من التسامح والحرية». وكقول وزير الخارجية الفرنسي السابق آلان جوبيه (في 11/10/2011م في مداخلة أمام الجمعية الوطنية حول وضع مسيحيي الشرق): «أنتم على حق في التذكير بأن المسيحيين موجودون في الشرق منذ السنوات الأولى للمسيحية، حتى قبل دعوة النبي محمد. ولقد صرح رئيس الجمهورية أثناء تقديمه التهاني للسلطات الدينية، في السابع من كانون الثاني/يناير الماضي، «بأنه لا يمكننا القبول بأن يزول من هذا الجزء من العالم هذا التنوع الإنساني والثقافي والديني الذي هو مقياس في فرنسا وأوروبا». كما تعرفون، يا سيادة النائب، استمرت فرنسا وبأعلى درجات الحزم في إدانة أعمال العنف الموجهة ضد المسيحيين في المنطقة، لاسيما في العراق أو مصر حيث أدنَّا أمس الأحداث في القاهرة التي تسببت في سقوط العديد من القتلى والجرحى، كما سبق وأشرتم… يقدر الربيع العربي ويتعين عليه أن يشكل فرصة تاريخية لهذه الطوائف في الشرق الأدنى. وعلى الربيع العربي أن يسمح لهم بالقيام بكل ما يعود لهم في بناء الديمقراطية. هذا ما ذهبت لقوله مساء أمس في قاعة الأوديون، بحضور معارضين سوريين والعديد من المثقفين السوريين والسوريات. ونصارع أيضاً على المستوى الأوروبي. ولقد اتخذ مجلس الشؤون الخارجية في شهر شباط/ فبراير الماضي موقفاً حازماً جداً ضد التعصب والتمييز الديني. هذا هو خطنا الذي سنواصل الدفاع عنه. أذكركم بأن رئيس الوزراء كلف السيد أدريان غوتيرون بمهمة في الشرق، وبالتحديد للنظر في وضع الأقليات المسيحية والسماح لنا بتعزيز مواقفنا في هذا الميدان».

لقد كثر الجدل في الآونة الأخيرة حول موضوع الأقليات وموقف الإسلام منه، وأخذ العلمانيون من أصحاب الأصول الإسلامية وبعض الناس من غير المسلمين يثيرون هذا الموضوع مؤيدين بتغطية إعلامية كثيفة في مختلف وسائل الإعلام وفي الفضائيات وخصوصاً منها «ذات الرأيين» التي لا تفسح المجال أبداً أمام من يطرح أفكار الإسلام ليبين للناس واقع هذه المسألة وكيفية علاج الإسلام لها، بل تبقي النقاش محصوراً بين طرف علماني متطرف وطرف آخر علماني «غير متطرف» يتمسح في أفضل أحواله بمسحة الإسلام ولكنه لا يطرح رأي الإسلام. ومع ظهور علامات كثيرة تدل على وقوف الدول الغربية الكبرى وأدواتها في العالم الإسلامي وراء مثل هذه الطروحات، إلا أن الأمر لا يخلو من وجود أشخاص وجهات لا تقف وراءها بالضرورة قوى أجنبية غربية بل يدفعها إلى ذلك تخوفها من المستقبل لما استقر في ذهنها جراء الهجمة الشرسة على مفاهيم الإسلام وأحكامه، وجراء تشويه التاريخ الإسلامي وقلب حقائقه من أن الإسلام لا يضمن لغير المسلمين حقوقهم وأنهم سيعانون في ظل حكم الإسلام وفي دولة الخلافة من الإقصاء والظلم والحرمان والملاحقة. وإلى جانب هؤلاء جميعاً أخذ الحكام الذين تثور الأمة ضدهم لتنزع سلطانها المغتصب منهم بعد أن أذاقوها أصناف الجور والعذاب، أخذوا يثيرون مسألة الأقليات محاولين إخافتها من حكم الإسلام مستعملين هذه القضية أداة ضغط لتثبيت حكمهم وإبعاد الناس عن طريق التغيير الحقيقية، متزلفين بها إلى أسيادهم الغربيين طمعاً في إبقائهم على كراسي الحكم.

ولذلك يجدر بنا الوقوف عند مفهوم الأقليات وظروف نشأته، ومعرفة موقف الإسلام من هذه المسألة، وكيفية تعامل المسلمين معها فيما مضى من تاريخهم، وما صار إليه الأمر في حاضرهم، وكيف استثمرت مسألة الأقليات من قبل الأعداء، وما نال الأقليات نفسها من جراء إثارة هذه المسألة، وهل نجحت العلمانية في استيعاب التنوع في المجتمعات والدول في بلاد منشئها وفي بلاد المسلمين، وهل الحل لهذا الإشكالية يكمن في العلمانية أم في الإسلام.

مفهوم الأقليات

لفظ الأقلية ترجمة للفظ أجنبي، وهو مأخوذ في العربية من مادة «قلل» ومن المعاني المذكورة تحت هذه المادة كما في اللسان: «القلة خلاف الكثرة والقُل: خلاف الكُثر» و «القُل: القلة مثل الذل والذلة» و «القليل من الرجال: القصير الدقيق الجثة» و»القُل من الرجال: الخسيس الدين» و» أقل: افتقر. والإقلال: قلة الجدَة». وهناك معانٍ أخرى بعيدةٌ جداً عن المراد بلفظ الأقلية في هذا السياق، وهذه المعاني التي ذكرناها وإن كان لها صلة من وجه ما بلفظ الأقلية غير أنها لا تبيـِّنه ولا توضِّح واقعه، ولم نقف على تعريف للمسلمين لهذا المصطلح؛ لأنه لم يكن معروفاً لديهم. أما عند الغربيين فقد وردت له تعريفات كثيرة، فقد عرّف «معجم الدبلوماسية والشؤون الدولية» الأقليات بأنهم: «مجموعة من رعايا دولة ما تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية السكان… وتنحصر مطالب الأقليات عادة بالمساواة مع الأغلبية في الحقوق المدنية والسياسية وفي حرية إقامة شعائرها الدينية، كما تطالب أحياناً بفتح مدارس خاصة لأبنائها وتعليم لغتها». وعرّفت «الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية» الأقلية بأنها: «جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو قومياً أو دينياً أو لغوياً، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثمّ فهم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية». وأمّا من ناحية قانونية، فقد عرّفت المحكمة الدائمة للعدل الدولي (في رأيها الاستشاري الصادر في 31/07/1930م حول المجموعات اليونانية البلغارية) الأقليات بأنها: «مجموعة من الأفراد يعيشون في قطر ما أو منطقة، وينتمون إلى أصل، أو دين، أو لغة، أو عادات خاصة، وتوحدهم هوية قائمة على واحدة أو أكثر من هذه الخصائص. وفي تضامنهم معا يعملون على المحافظة على تقاليدهم، والتمسك بطريقة عبادتهم، والتأكيد على تعليم ونشأة أولادهم طبقاً لروح هذه التقاليد، مقدمين المساعدة لبعضهم البعض». وبعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة قامت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات سنة 1950م بتبني مشروع لائحة لتعريف الأقليات في دورتها الثالثة وعدَّلته في دورتها الرابعة، بيـَّنت فيه أنّ: «الجماعات التي تعرف عادة بأنها أقلية قد تنتمي إلى أصل عرقي، قد يكون لها تقاليد دينية أو لغوية أو خصائص معينة تختلف عن خصائص بقية السكان. ومثل هذه الجماعات ينبغي حمايتها بإجراءات خاصة على المستويين القومي والدولي حتى يتمكنوا من الحفاظ على هذه التقاليد والخصائص ودعمها». وفي سنة 1979م جاء في التقرير النهائي لنفس اللجنة (اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات) تعريف للأقليات اقترحه فرانسيسكو كابوتورتي (Francesco Capotorti) ذكر فيه: «الأقليات هي مجموعة أقل عدداً عن باقي سكان دولة، في وضعية غير سائدة، والتي يملك أعضاؤها المنتمون للدولة مميزات من الناحية العرقية، الدينية، أو اللغوية تختلف عن خصوصيات باقي السكان ويظهرون، حتى ولو بطريقة ضمنية، شعوراً بالتضامن من أجل المحافظة على عاداتهم، دينهم أو لغتهم».وفي دراسة لاحقة قام بها نفس الباحث (كابوتورتي) حول تفسير مفهوم الأقلية أكد فيها على ضرورة إضافة عنصر إلى تعريف الأقلية ويتمثل في»رغبة الجماعة الأقلية في المحافظة على الاعتبار الذاتي في تقاليدها وخصائصها»، وأضيف إلى ذلك العبارة التالية: «تشكل كل أقلية شخصية اجتماعية وثقافية»، كما أضيف أيضاً: «إذ إن الحاجة إلى حماية الأقليات تنشأ أساساً من ضعف وضعها حتى في محيط الدولة الديمقراطية». وفي سنة 1985م تبنت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات تعريفاً للأقليات ذكرت فيه أنها: «جماعة من المواطنين في دولة ما يشكلون أقلية عددية، ويكونون في وضع غير مسيطر في هذه الدولة، ولهم خصائص عرقية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص أغلبية السكان، ويكون لديهم شعور بالتضامن فيما بينهم يشجعه وجود، ولو ضمنياً، إرادة جماعية في البقاء كجماعة متميزة، وهدفهم هو تحقيق المساواة مع الأغلبية في الواقع وفي القانون». ومع بداية التسعينات جرى تطور جديد على مفهوم مصطلح الأقليات مع التأكيد على العناصر السابقة التي تحدد معناه، وقد انعكس ذلك على بعض المواثيق والمعاهدات والدراسات العلمية منها: تعريف مشروع لجنة «البندقية» لاتفاقية حماية الأقليات 8/2/1991م (المادة 2/1): «إن مصطلح الأقلية يعني مجموعة قليلة عدداً بالنسبة لباقي سكان دولة بحيث إن أعضاءها الذين يحملون جنسية هذه الدولة يملكون خصوصيات عرقية أو دينية أو لغوية مختلفة عن باقي السكان، وتحركهم إرادة للحفاظ على ثقافتهم أو عاداتهم أو لغتهم». وفي المشروع نفسه نجد فليبسون وسكوتناب كانغس (Philipson et SkutnabbKangas) عند تحضيرهما لهذا المشروع اقترحا التعريف التالي: «الأقلية هي مجموعة أقل عدداً من باقي سكان دولة بحيث يحمل أعضاؤها خصوصيات عرقية أو دينية أو لغوية مختلفة عن التي يحملها باقي السكان تقودهم، ولو بطريقة ضمنية، إرادة من أجل الحفاظ على ثقافتهم أو عاداتهم أو ديانتهم أو لغتهم، فأي مجموعة تدخل ضمن حدود هذا التعريف يجب معاملتها على أساس أنها أقلية دينية أو لغوية». وفي يوم 1/2/1993م جاء في مشروع بروتوكول حول الأقليات، إضافي إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادة الأولى منه) والمصادق عليها من قبل الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي (C.E) مايلي: «إن عبارة «أقلية وطنية» تعني مجموعة أشخاص في دولة، ويقيمون في إقليمها وهم من مواطنيها، ولديهم روابط قديمة ومتينة ومستمرة مع هذه الدولة، ويظهرون خصوصيات عرقية أو ثقافية أو دينية أو لغوية مميزة، كما أنهم متميزون بقدر الكفاية، وفي الوقت نفسه عددهم أصغر من باقي سكان هذه الدولة أو منطقة منها، وتحركهم إرادة في مجموعهم للحفاظ على ما هو من هويتهم المشتركة لاسيما ثقافتهم أو عاداتهم أو ديانتهم أو لغتهم». وفي إعلان «فينيا» لحماية الأقليات القومية في الدول الأوروبية، والذي صدر سنة 1993م، جاء فيه ما يلي:»إن الأقليات القومية هي المجموعات التي صارت أقليات داخل حدود الدولة نتيجة أحداث تاريخية وقعت ضد إرادتها، وأنّ العلاقة بين مثل هذه الأقلية والدول علاقة مستديمة وأفرادها من مواطني هذه الدولة». وفي 21/10/1994م صدر عن مجموعة الدول المستقلة (C.E.I) المتعلقة بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات وطنية، اتفاقية حقوق الأقليات، وجاء في المادة الأولى منها التالي: «الأقليات الوطنية، هي التي تعيش بصفة دائمة في إقليم دولة طرف في الاتفاقية، والتي يحملون جنسيتها (صفة مواطنيها) والذين يتميزون من حيث الأصل العرقي أو لغتهم أو ثقافتهم أو ديانتهم أو تقاليدهم عن أغلبية سكان الدولة الطرف في الاتفاقية». وفي اليوم نفسه أي في (21/10/1994م) صدر في موسكو عن رابطة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي، تعريف للأشخاص المنتمين إلى الأقليات بأنهم: «الأشخاص الكائنون بشكل دائم في إقليم أي في دولة من الدول الموقعة على العهد ويحملون جنسيتها، ولكن لهم من الخصائص العرقية أو اللغوية أو الثقافية أو الدينية ما يجعلهم مميزين عن بقية سكان الدولة». وإلى جانب هذا التعريف أضيفت عبارة مفادها: «لا يجوز تفسير اصطلاح الأقلية بشكل يحض على أو يجيز اتخاذ أي إجراء، يهدف إلى حرمان أي شخص من إقامته الدائمة، أومن وضعه كمواطن». وفي 18/11/1994م صدر عن المبادرة الأوروبية المركزية بتورينو قانون حماية حقوق الأقليات وفيه تعريف للأقليات مشابه للتعريفين الأخيرين، حيث جاء في المادة الأولى منه التالي: «إن اصطلاح الأقلية القومية يعني جماعة تقل عدداً عن بقية سكان الدولة، ويكون أعضاؤها من مواطنيها، ولهم خصائص إثنية أو دينية أو لغوية مختلفة عن تلك الخاصة ببقية السكان، كما أن لديهم الرغبة في المحافظة على تقاليدهم الثقافية والدينية».

إن هذه التعريفات الكثيرة المتباينة زماناً تدل على اضطراب في تعريف الأقلية، ومع أن المفكرين الغربيين أوْلوا مسألة الأقليات حظاً وافراً من الاهتمام لعقود من السنين، بيد أنهم أخفقوا حتى الآن في صياغة تعريف جامع مانع يضبط مفهوم الأقلية.

فمن ناحية فنية لا نستطيع أن نعد هذه التعاريف المذكورة سابقاً من قبيل التعريف بالماهية أو ما يعبّر عنه في الفكر الغربي بـ»التعريف الحقيقي» أي الدال على ماهية الشيء؛ لأنّ كلّ تعريف يتحدث عن ماهية أو واقع مخالف لصاحبه. فتارة تجعل الأقلية «جماعة من الأفراد»، وتارة أخرى تجعل «مجموعة أقل عدداً عن باقي سكان دولة»، وفي ثالثة «جماعة من المواطنين في دولة ما يشكلون أقلية عددية»، وفي رابعة «المجموعات التي صارت أقليات داخل حدود الدولة نتيجة أحداث تاريخية وقعت ضد إرادتها». ويظهر من هذا وجود اضطراب في معرفة الواقع الذي يراد تعريفه. وكذلك لا يمكننا أن نعد تعاريف «الأقليات» المذكورة آنفا من قبيل التعريف بالمكوّنات أو الخصائص والصفات التي تميّز الشيء عن غيره؛ لأنّ المعايير التي اعتمدت في صياغة مفهوم «الأقليات» نسبية غير منضبطة، إضافة إلى أنها متعددة، فالأقلية تنصَّب عند البعض على العدد، وعند آخرين على نقص القوة لا على العدد. فإذا ما اعتمدنا المعيار العددي في تعريف الأقليات تواجهنا صعوبة في ضبط النسبة العددية؛ لأن الكم الذي يجعلنا نصف جماعة ما بأنها أقلية غير محدد، فهل تعد الجماعة أقلية إذا كانت ربع الشعب أم ثلثه أم تقارب النصف؟ وفي هذه الحالات كلها ماذا نعد المجموعة التي نسبتها أقل من المذكور؟ أعني إذا ما اعتمدنا الثلث مثلاً حداً أدنى تقاس به الأقلية، فماذا نفعل بمجموعات هي أقل من الثلث؟ وكذلك تواجهنا صعوبة في وصف الجماعة الذي يستعمل بإزائه المعيار العددي، فهل يعتمد العرق، أم اللغة، أم الدين، إذ يفضي حساب كل واحد من هذه الأوصاف إلى نتيجة غير الأخرى، فإذا اعتمدنا الدين في حق جماعة ما يمكن أن تكون بهذا الوصف أقلية عددية بل قد لا تصل إلى حد جعلها أقلية، ولكن إذا اعتمدنا العرق أو اللغة فإنها يمكن أن تكون أكثرية عددية، فالنصارى في الأردن مثلاً عددهم قليل بالوصف الديني، ولكنهم جزء من الأكثرية العربية عرقاً ولغة في مقابل الشركس، بينما الشركس أقلية عرقية، وفي الوقت نفسهم ينتمون إلى الأغلبية المسلمة. وهناك صعوبة ثالثة تكمن في أن الأقلية العددية يجب أن تعرّف بالأكثرية، إذ لا يمكن تصور وجود إحداهما إلا بوجود الأخرى، فمن هي الأكثرية التي ينبغي اعتمادها مقياساً للأقلية؟ وماذا لو انعدمت الأكثرية في مجتمع شديد التنوع كلبنان، فإذا نظرنا إلى تركيبته الدينية وجدناه يتكون رسمياً من 18 طائفة منهم: الموارنة، والسنة، والشيعة، والدروز، والروم، والأرمن، والسريان، والكلدان وغير ذلك. فكيف نحدّد الأقلّية في لبنان، وبالنسبة لأي مجموعة إذا كان لبنان كلّه كما قالوا طوائف مختلفة؟ ولذلك فإن المعيار العددي في ضبط الأقلية معيار مضطرب غير منضبط. ومثله أيضاً معيار الاضطهاد أو ضعف حال الأقلية وخضوعها لسلطة الأكثرية الجبرية، فهو معيار غير مطرد ويخالف الواقع في بلدان كثيرة فيها السيطرة لأقلية، كسيطرة البيض على أكثرية السود في جنوب أفريقيا أيام نظام «الأبارتهايد»، وكسيطرة التوتسي على أكثرية الهوتو في رواندا وبوروندي، وكسيطرة العلوية على أكثرية سنية في سوريا. وقل مثل ذلك في معيار «الخصائص العرقية أو اللغوية أو الثقافية أو الدينية». فمن جهة أولى، ما هو الأساس الذي يبنى عليه تحديد هذه الخصائص؟ ولنأخذ اللغة مثلاً، فهل تجعل اللغة العربية خصيصة، أم تجعل اللهجة الواحدة داخل اللغة العربية هي الخصيصة كاللهجة المصرية مثلاً؟ وحينها أنأخذ بلهجة صعيد مصر أم بلهجة القاهرة؟ ومن جهة أخرى، لمَ ينظر إلى هذه الخصائص دون غيرها في تحديد الأقليات؟ ثم إن هذه الخصائص متداخلة في أحيان كثيرة مما يفقدها تميّزها ووصفها بأنها خصوصيات معرّفة لأقلية ما. وهكذا فإنه بتتبع تعاريف الأقلية عند الغربيين يتبين أنها تعاريف غير واضحة وعائمة وتفقد التبلور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *