العدد 60 - السنة الخامسة – العدد 60 – شوال 1412هـ الموافق نيسان 1992م

إمارة شرق الأردن

إمارة شرق الأردن

 

فيما يلي لمحة تاريخية عن كيفية ولادة إمارة شرق الأردن التي سميت فيما بعد «المملكة الأردنية الهاشمية»، وقد وردت هذه الكلمة إلى «الوعي» من أحد قرائها في دمشق. وإنشاء هذه الإمارة هو نموذج عن الطريقة التي سلكتها الدول الاستعمارية الكافرة في تمزيق البلاد الإسلامية وتفتيتها بعد أن هدموا دولة الخلافة التي كانت توحد هذه البلاد، حتى جعلوا منها بضعاً وأربعين دويلة.

والمؤلم أن المسلمين انساقوا في تيار الكفار الخبيث وصاروا يسمون التقسيمَ والتمزيق استقلالاً، والكافرَ المستعمرَ منقذاً، وأنظمةَ الكفر تقدماً. حتى أن المسلمين صاروا يبنون بعض عباداتهم على هذه الحدود والتمزيقات فهذا قطر يصوم اليوم وذاك غداً وهذا يعيّد اليوم وذاك غداً أو بعد غدٍ، مع أنهم في مواقع جغرافية متداخلية.

وفيما يلي كلمة القارئ:

لمحة تاريخية: الطعنة الأولى المؤلمة كانت على يد الشريف حسين حيث قاد المسلمين للثورة جنباً إلى جنب مع الانكليز بل وتحت إمرتهم وحسب مخططهم بقيادة الجنرال اللنبي وذلك بتاريخ 10 حزيران/ 1916م فقاموا بمقاتلة إخوانهم الأتراك وطردهم «وهم الذين حموا بلادنا وأعراضنا حوالي أربعة قرون» حتى دخلوا دمشق وحلب. وبذلك قدّم الشريف أعظم خدمة للانكليز بشكل خاص، وللكفار بشكل عام.

بعد أن تكبد الثائرون 100 ألف إصابة منهم عشرة آلاف قتيل، وكانت نفقات الثورة كما يذكر اللنبي أحد عشر مليون جنيه وهذه نفقات قليلة كلفت بريطانيا فيما لو قارناها مع مصاريفها في الشرق الأوسط، فقد كلفها القضاء على ثورة العراق 1920م 40 مليون جنيه، علماً بأنه قبل إعلان الثورة بشهر كان الانكليز والفرنسيون قد أعدوا اتفاق «سايكس – بيكو» المتضمن اقتسام المنطقة، ثم تلاه وعد بلفور المشؤوم، ولم يحرك الشريف أي ساكن تجاه ذلك.

وفي عام 1920م اجتمع المؤتمر السوري وانتخب فيصلاً ملكاً على سوريا، وفي نيسان 1920م اجتمع الانكليز والفرنسيون في سان ريمو وقرروا فرض الانتداب على سورية ولبنان من قبل فرنسا وعلى العراق وفلسطين وشرقي الأردن من قبل بريطانيا، وكانت القوات الفرنسية قد نزلت على ساحل بلاد الشام وأنذر قائدها «غورو» فيصلاً بحل الجيش وإلغاء التجنيد الإلزامي وقبول الانتداب، ووافق فيصل على قبول إنذار غورو وتابع دور والده، لكن الفرنسيين احتجوا بتأخر الرد «ووصلت رسالة إلى فيصل من كيرزن وزير خارجية بريطانيا ينصحه فيها بعدم الاصطدام مع الفرنسيين، وحل الجيش والوزارة وعطلت جلسات المؤتمر بمرسوم ملكي.

وثارت دمشق احتجاجاً على فيصل لكنه قمعها بشدة وسقط حوالي 100 قتيل في شوارع دمشق. ودخل غورو دمشق بعد مقاومة بسيطة من بعض أهلها في ميسلون ودمشق.

ثم غادر فيصل دمشق إلى أوروبا. وأثناء وجوده في حيفا بانتظار الباخرة تلقى كتاباً من هربرت صموئيل المندوب البريطاني يخبره برغبة حكومته بإنشاء حكومة شرقي الأردن، ثم سلم الانكليز في 3 آب 1927م فيصل الحكم في العراق بعد قضوا على الثورة وجاءوا به عميلاً لهم ولعبة في يدهم.

شرق نهر الأردن: إن الأراضي التي تقع شرقي نهر الأردن الممتدة من جنوب درعا حتى خليج العقبة. كانت أيام الخلافة العثمانية جزءاً من بلاد الشام وتابعة لولاية دمشق، وأن هذه المنطقة تقع في المنطقة (ب) حسب اتفاقية سايكس – بيكو الخاضعة للنفوذ البريطاني، ثم انتدب مؤتمر سان ريمو بريطانيا على هذه المنطقة مع فلسطين. وكان قصد بريطانية أن تستفيد من هذه المنطقة في موقعها الاستراتيجي الذي يسيطر على ما يجاوره من الأقطار العربية ويكون لها ركيزة في هذه المنطقة وحدوداً آمنة للدولة اليهودية التي ستقيمها فيما بعد. ورضيت أن تتحمل الجزء الأكبر من ميزانيتها رغم علمها بأن هذه المنطقة لا يوجد فيها أي مقومات وعناصر لوجود دولة فضلاً عن استمرارها.

فقام صموئيل بزيارة السلط واجتمع بشيوخ البلاد وزعمائها وأشار في خطاب إلى نوع المساعدة التي سيقدمها الانكليز بقوله: الأولى بعجلون والثانية بالكرك والثالثة في السلط وعمان، ولكل منهما مستشار بريطاني يحكم، وفي كل منها نظام إداري وقضائي مستوحى من العرف البدوي القبلي والقانون المدني والعسكري والشرعي. ونتيجة لفقر البلاد وجدبها وعدم مقدرتها على كفاية السكان اقتصادياً بعد فصلها عن بلاد الشام الشمالية قامت الاضطرابات والقلاقل.

وفي هذه الفترة قدم الأمير عبدالله بن الحسين مدفوعاً من قبل الانكليز للضغط على الفرنسيين في تشرين الثاني عام 1920م ومعه عدد من بدو الحجاز، وأخبر أنه عازم على تشكيل قوة أكبر لمهاجمة سوريا والثأر لأخيه المطرود من دمشق، وصرح لزعماء شرقي الأردن والشام بأنه ما جاء إلا لإجلاء الفرنسيين، فقال: «إن العاصمة الأموية إن رضيت أن تكون مستعمرة فرنسية فالجزيرة لن ترضى وستأتي غضبى» وأنه سيعود للحجاز حال نزوح العدو عن بلاد الشام الشمالية.

فخشيت فرنسا أن تتوحد الحركات في جبل الدروز وحوران على يديه فاتصلت ببريطانيا للحيلولة دون ذلك – ووصلته برقية من أبيه بمكة وأخيه من لندن تأمره بألاّ يربك الحكومات المحلية في الأردن، والثانية توعده بأن بريطانيا ستعيد النظر بشأن القضية العربية بشرط أن يكف العرب عن مناوأة الفرنسيين. ولم يقم بأي عمل لاسترداد الملك الضائع. وقدم إلى عمان في آذار 1921م واستقبل استقبالاً عظيماً لعقدهم الآمال عليه للزحف إلى دمشق.

ثم قابل تشرشل «روبيل دوكي» مندوب المفوض السامي الفرنسي في سوريا، وبعدها قابل تشرشل الأمير عبدالله وانتهت مباحثاتها إلى اعتراف بريطانيا برئاسة الأمير عبدالله للحكومة المستقلة إدارياً بشرق الأردن وتساعدها بمعونة مالية. لإقامة إدارة حديثة ترجع بالمشورة إلى المندوب البريطاني في فلسطين ويتعهد الأمير بالمحافظة على حدود فلسطين وسورية.

تم قيام كيان شرق نهر الأردن التي اقتطعها البريطانيون من سورية لتكون دولة قائمة بنفسها دون أن يؤخذ بعين الاعتبار كون البلاد فقيرة ومحرومة ومتأخرة من كافة النواحي، لكن كل هذه الصعوبات لم تقف حائلاً في وجه الخطط البريطانية وعينت بريطانيا في ميزانيتها مساعدة مالية سنوية تمنح لشرقي الأردن.

وفي عام 1922م وافق مجلس عصبة الأمم على إلحاق شرق الأردن بسلطة الانتداب في فلسطين مع استثنائها من مقتضيات وعد بلفور، وبعد إلحاح الأمير عبدالله على بريطانيا بوجوب طمأنة الأفكار العامة وتهدئة الشعب بوعود الاستقلال ألقى في أيار عام 1923م هربرت صموئيل تصريحاً في عمان يتضمن اعتراف حكومته بريطانيا بوجود دولة شرقي الأردن المستقلة برئاسة الأمير عبدالله، على أن يقوم فيها حكومة دستورية ترتبط بمعاهدة مع الحكومة البريطانية تكفل لهذه تحقيق التزاماتها الدولية بخصوص هذه البلاد.

لكن موجة الاستياء كانت عامة فأراد عبدالله أن ينفذ بعض رغبات الشعب، وألف لجنة لوضع قانون الانتخاب. لكن استمرت الأمور بالاضطراب وتحميل الإدارة الداخلية المساوئ، وفي عام 1924م وقعت بعض الحوادث حيث هاجم بداءً من الأردن أراضي حوران ودمشق، فقام المعتمد البريطاني بمطالب جردت الأمير من معظم سلطته، ووضعت الشؤون المالية تحت رقابة بريطانيا بلا قيدٍ ولا شرط. ومن عام 1921م حتى 1924م قام السعوديون بالغارة تلو الأخرى على الأراضي التابعة لإمارة شرقي الأردن ويتوغلون داخل أراضيها. وكانت تقوم الطائرات البريطانية والمدرعات بصدهم.

طبعاً كان ذلك بدفع من الانكليز للضغط على الإمارة الهاشمية لإثبات أن وجود بريطانيا ضروري للأردن، وأن مطالب سكان الإمارة يجب أن تكون معتدلة لأن هذه الغارات كانت متزامنة مع الأزمات في البلاد.

ثم صاغت بريطانيا دستوراً نشر بنيسان عام 1928م وافق عليه الأمير عبدالله بملاينة الاحتلال، وسعيه وراء مطامعه الشخصية.

وتجلت السيطرة البريطانية ليس في الممثلين السياسيين فحسب بل بالفيلق الأردني الذي دربه الضابط بيك «Peake» ثم كلوب من 1939م حتى 1956م، وإن هذا الجيش كان أداة ضغط سياسي بيد بريطانيا تنفق عليه.

وكان الأمير عبدالله قد أجّر ممتلكاته لليهود، وفي عام 1934م أعطى الأمير حق تعيين ممثلين له في الخارج، لكن بقيت بيد المقيم البريطاني امتيازات التشريع، والشؤون المالية وحماية الأقليات والأجانب والشؤون السياسية بحيث كانت البلد مستعمرة بالفعل، وفي عام 1939م وافقت بريطانيا على تحويل المجلس التنفيذي الأردني إلى مجلس وزراء، وأصبح الحكم مصبوغاً بالديمقراطية الباهتة (الزائفة كما هو الآن).

هذا موجز لنشأة الأردن وكيف أن بريطانيا جعلته بلداً قائماً مستقلاً، عن بلاد المسلمين رغم ضعف إمكاناته، وكما قلت: هذا نموذج للكثير من البلاد.

وجئنا نحن وخضعنا واستسلمنا لهذا الواقع المخالف لتعاليم ديننا وأحكامه. وقد طال علينا الزمن ونحن على ذلك، لذا فقد آن لهذه الأمة تتحسس النهضة وتدرك بأنها لا تتم إلا بعودتها إلى العقيدة الصحيحة المستقرة في زوايا قلوب المسلمين، وتؤمن بها عن يقين جازم وتجعلها موضع التطبيق وتترفع عن كل ما يجعل التفكير ضيقاً ويحط الإنسان من مقام الإنسانية إلى درك البهيمية. وأن تنفض عن كاهلها اليأس والاستسلام لهذا الواقع المرير وتنظر إلى قضيتها على أنها مصيرية. فتتخذ تجاهها إجراء الحياة أو الموت كما يحتم عليها دينها، وتعمل على إقامة دولة الخلافة التي توحد بلاد المسلمين وتقضي على نفوذ المستعمرين وعملائهم وتحكم فينا بما أنزل الله.

 

شاهد أيضاً

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (382) للمزيد اضغط هنا ذو القعدة 1439هـ – تموز 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *