العدد 196 -

السنة السابعة عشرة – جمادى الأولى 1424هـ – تموز 2003م

مواصفات حمل الدعوة مع جماعة (1)

مواصفات حمل الدعوة مع جماعة  (1)

بقلم: أحمد المحمود

  أناط اللَّه سبحانه وتعالى بالدولة الإسلامية معظم الأحكام الشرعية؛ إن وجدت الدولة طبّــقت هذه الأحكام، وإن غابت تعطّلت، وإن تعطّلت صار واجباً على كل المسلمين أن يعملوا لإقامة الدولة الإسلامية وجوباً كفائياً بحيث يأثم من لا يعمل لإقامتها. والشرع الحنيف أناط أمر إقامة الدولة الإسلامية بجماعةٍ أو حزب، فصار العمل مع الجماعة التي من شأنها أن تقيم الدولة الإسلامية أو الحزب فرضاً على كل مسلم، ولا يسقط إثم القعود عنه حتى يقوم هذا الفرض. والناظر في الأحكام الشرعية المتعلّق تطبيقها بالدولة الإسلامية يرى أنّها تشمل الأحكام التي تجعل من الدين الإسلامي مبدأ فيه العقيدة، وفيه الأنظمة التي تعالج مشاكل الحياة. وهذا ما يجعل الدين الإسلامي متميّزاً عن سائر الأديان. وهذا ما يجعله في مواجهة الدول الغربية الرأسمالية التي تعتبر هذا الدين منافساً حقيقياً لمبدئها وبديلاً حضارياً لحضارتها الفاسدة المنحلّـة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إنّ العمل مع الجماعة أو الحزب هو الذي يوجِد الدولة الإسلامية والدولة الإسلامية هي التي تطبّـق الإسلام وتنشره، وتجعله ظاهراً على الدين كله. ولا يُتصوّر وجود الإسلام من غير وجود الدولة، ولا تعرف أو تفهم صورة الإسلام الحقيقية إلا من خلال الدولة.. لذلك يندفع المسلم الحريص على دينه، للعمل مع الجماعة أو الحزب لإقامة هذا الفرض يبتغي من وراء عمله عبادة اللَّه وحده، وتعبيد الناس للَّه رب العالمين وهو بعمله هذا يرفع الإثم عن نفسه، ويعمل على رفع الإثم عن القاعدين من المسلمين حين يستجيبون لدعوته، حتى إنّه يرفع الإثم عن القاعدين الذين لم يستجيبوا له حين تقوم الدولة. ويفتح الباب واسعاً أمام الكفار ليدخلوا في دين اللَّه أفواجاً. فعمله هذا هو أشرف عمل يقوم به المسلم اليوم.

  ولا يُـعذر المسلمون، وخاصة في هذه الفترة، بتركهم العمل لإقامة الفرض مع جماعة، حيث صار العداء للإسلام والمسلمين ظاهراً، وصارت محاربة الإسلام وإذلال المسلمين، وملاحقة العاملين للتغيير المخلصين، وتقتيلهم ووصفهم بالإرهابيين أمراً يسمع به كل مسلم. وصار المسلمون يحسّون ويلمسون بأنّ ما يصيبهم إثماً هو بسبب إقصاء الإسلام عن الحكم، وتسلّط الكفار على المسلمين، ويلمسون تآمر حكامهم عليهم مع الغرب، ومشاركتهم له في مخططاته. لقد وصلت الأمور بالمسلمين عامة إلى أن يوجد لديهم إحساسٌ واحدٌ بالنهضة على أساس من دينهم. ولما كان شباب الحزب أو الجماعة من الأمة فإنّ المفترض فيهم أن يكونوا أكثر إحساساً، وأكثر شعوراً بالمسؤولية، وأكثر اندفاعاً، وأوعى تحركاً خاصةً إذا كان المسلمون يقتربون كثيراً من أفكارهم ويبتعدون جداً عما يطرحه غيرهم من أفكار جزئية ترقيعية لا تُسمن ولا تُـغني من جوع.

  ثم إنّ أحكام الشرع، ومنطق الأحداث يلتقيان على أنّ طريق الجماعة التي تعمل للتغيير محفوفةٌ بالمخاطر مليئةٌ بالأشواك، فيها التكذيب والتعذيب، فيها الاستضعاف وقلّة النصير، فيها المقاطعة والملاحقة والتشريد، واللَّه سبحانه جعل ذلك لازمة لا تتخلف لكل من أراد أن يسير على نهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعلى نهج الرسل الكرام (عليهم الصلاة والسلام). وقد ذكر القرآن أخبارهم تسلية للرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته الكرام معه، ولكل من سار على نهجه بإحسانٍ من بعده. قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) [يوسف] وقال تعالى: (وقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ! ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذو حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين) [الأنعام] وقال تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [البقرة] وقال تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا) [يوسف/12] حتى إنّ ورقة بن نوفل لما سمع بدعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكان عنده علم الأديان، قال له: «لتكذبنّه ولتؤذينّه ولتخرجنّه» فقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكان حديث عهدٍ بالوحي: «أو مخرجيّ هم؟». فقال له نوفل: «ما أتى قبلك من رسولٍ إلا أخرجه قومه». وفي ذلك يقول اللَّه تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم) [محمد] إنها سنة الدعوات الحقة، من تخلّف عنها اتهم، ومن حاد عنها سلك طريق العثار. وحامل الدعوة يجب أن يحمد اللَّه تعالى حين يرى أنه تصيبه ما أصاب من قبله من لأواء العمل وشدة الطريق. ويسأل اللَّه أن يكون ذلك دليل عافية وصحة سير. من هذا المنطلق يجب أن يقوم الحزب كحزبٍ مبدئيٍّ يحرص على الامتثال التام والتقيّد والانضباط، يحمل مشروع خلافة راشدة، إذ لا يقيم الخلافة الراشدة إلا حزبٌ مبدئيٌّ، يتّصف بصفاتٍ تؤهله للقيام بهذه المهمة، وبأفراد ربطوا أنفسهم بفكرتها وبغايتها ربطاً محكماً.

  ولما كان أمر الأفراد متروكاً شرعاً لأنفسهم، وتكليفهم متروكاً لهم أمر القيام به من غير إكراه، لذلك نرى أنّ منهم المحسن، ومنهم الذي لم يتفاعل مع الدعوة إلا قليلاً. صحيح إنّ على الحزب أن يعدّ شبابه للقيام بهذه المهمة وتحقيق غايتها، ولكن يبقى للفرد نفسه أن يعقد عزمه ويأخذ قراره ويمضي في العمل بالدرجة التي يختارها، ومستوى التفاعل الذي يقرره. إذ لا يستطيع أن يقرر عن الشاب غيره. فالحزب عليه أن يتبنى الأفكار اللازمة للعمل، وكيفية بناء الشخصية في أعضائه، ويضع ضوابط العمل، ويوجد الأجواء المحفّزة للالتزام، وينـزل الأفكار على الوقائع، وينشط الشباب، ويبعث الحرارة فيهم، ويدفع الشباب لوجوب التقيّد بما هم مكلّفون به كأفراد، وبما هم مكلّفون به مع جماعة، ويطلب منهم أن يجعلوا الإيمان أساس أعمالهم، ويحثّهم على التقوى. ولكن الأفراد فإنهم بعد أن يعلموا حقيقة الإيمان، وما يتطلّبه من تقوى، يجب أن يشغلوا أنفسهم بهذا الإيمان، ويقوموا بحقه، ويحسنوا الصلة باللَّه ويربطوا أنفسهم بالعمل مع الحزب ربط من يريد إرضاء ربه، وإعلاء كلمته. لذلك فإنّ مقدار تفاعل الشاب مع الدعوة يقرره بنفسه، ولا يقرره الحزب ولا المسؤولون عنه. فمن الذي يستطيع أن يجبر الشاب على العمل مع الحزب، أو التفاعل مع أفكاره، أو النشاط، أو الاتصال بالناس إذا كان هو نفسه لا يريد ذلك. إنّ هذا الأمر متروك شرعاً وواقعاً للشاب. وكل واحد منا سيحمل كتابه بيده. وفي هذا المقام سأذكر بعض الأمور التي يجب على حامل الدعوة ان يأخذها بعين الاعتبار حتى يزيد معدل تفاعله ونشاطه، ويكون في مقدمة الصفوف لا في وسطها ولا في آخرها.

  1 –  إنّ على حامل الدعوة أن يرتبط بالعمل مع الجماعة أو الحزب ارتباطاً إيمانياً. فيقوم بالفرض أول ما يقوم به لأنه أمرٌ من اللَّه، ولأنه يرضي اللَّه، ويعزّ دينه، ويحقق الغاية من وجود الخلق، وهو عبادة اللَّه وهداية البشرية. إنّ مقياس قبول أي عملٍ يقوم به المسلم ان يرتبط هذا العمل بالإيمان. واللَّه يحب من العبد أن يقوم بأمره بناءً على الإيمان به. وهذا يعينه على إحسان العمل لأنه يتعلق برضى اللَّه وبغضبه، بجنته وبناره وهذا ما يجعله صابراً محتسباً الأجر عند اللَّه وحده ولا يريد من الناس جزاءً ولا شكوراً.وهذا ما يجعل الطاعة عنده عن قناعة، والاندفاع ذاتياً وقوياً. وهذا ما يجعل قضية الإسلام وإظهاره هي قضيته وهدفه. فالشاب عليه أن يحيا بالإسلام وللإسلام، وإن أخص عمل يقوم به وأفضله هو العمل على إظهاره وتحكيمه ونشره بين الناس.

  2 –  إنّ عـلـى حــامـــل الـدعــوة أن يـعـلـم أنّ الأفكار التي تبناها الحزب هي أفكار عملية يحتاج إليها الناس في حياتهم، وأنّ عليه أن يدرسها دراسةً عميقة، وأن يأخذها بعد ربطها بالإيمان، منـزلة على الوقائع، وهذا ما يرفع مستوى الشباب الفكري. فكما أنّ ربط الأفكار بالإيمان يجعل صاحبها حياً، فإنّ ربط الأحكام بالواقع يجعل الفكر حياً. وعلى الشاب أن يحيا بالأفكار التي يتلقاها من الحزب لا أن يفهمها فقط ويستوعبها. إنّ الفكر لا يحيا إلا بالعمل، ثم إنّ الإيمان والعلم والعمل يجب أن يصلوا بحامل الدعوة إلى الوقوف مواقف مشرّفة يشهد بها اللَّه تعالى له كما شهد لمن سبقه. قال تعالى: (قتل أصحاب الأخدود ! النار ذات الوقود ! إذ هم عليها قعود ! وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ! وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) [البروج] وقال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) [الملك/67] فلم يقل سبحانه أكثر علماً، إذ العلم ليس مطلوباً لذاته، ولا خير في علمٍ ليس وراءه عمل. والشاب حينما يقرأ القرآن وسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومواقف الصحابة، يجب أن يقرأ ذلك لا على أنه تاريخٌ مجيد، ولكن على أنه تاريخٌ يجب أن يسطّر من جديد. وعلى الشاب أن يعتبر أنّ مواقف الصحابة كأبي بكرٍ وعمر وبلال وعمّـار وصهيب ومصعب، وعبد اللَّه بن حذافة وخبيب.. هي مواقف مشرّفة، وعليه أن يقف مواقف مثلها لا أن تزيد الحسابات أو التحسبات ويختلف التقييم، ويتدخل التبرير. فحامل الدعوة النشيط يختلف عن غير النشيط بمقدار ما يتمثل الفرض في حياته لا في عقله؛ لذلك قد تجد حامل دعوة ذكياً موفور العقل قد هضم الفكرة، ولكنه سقط في الطريق. وقد تجد آخر لم يؤته اللَّه من الذكاء إلا قليلاً، ولكنه موفور الهمة، صادق العزم والنية، يقوم بأعباء الدعوة من كل قلبه، ويعيش الفكرة بكل جوارحه، تجده ماضياً في الدعوة، يسخّر معظم وقته لها، على وجه يرضي ربه ويريح مسؤوله، ويقف مواقف يتمنى الجميع لو أنها مواقف لهم. فمن منا يعرف لبلال وعمار وخبيب مستواه الفكري وتحصيله العلمي.

  3 –  إن العمل مع جماعة، كما قلنا، هو فرض، ويجب أن يحمد حامل الدعوة اللَّه على أنه يعمل مع جماعةٍ تملك المواصفات التي تؤهلها شرعاً لأن تكون الجماعة المطلوب إيجادها. فوجودها رحمة، والعمل معها رحمة، وأنها تقوم على أصولٍ منضبطة، وعلى فقهٍ صحيحٍ للواقع وعلى أحكام ومعالجات صحيحة لهذا الواقع، وعندها طريقة عملٍ واضحة وتنبت دستوراً للحكم، ولم تتأثر بالفكر الغربي، ولم يكن عملها من جنس الواقع. نعم، يجب على حامل الدعوة أن يحمد اللَّه حمداً كبيراً على وجود مثل هذا الحزب ليعمل معه لإقامة هذا الفرض، وإلا كان ضائعاً كغيره، يعمل من غير طائل. ولا بد من التذكير هنا أنّ ما يواجهه الحزب يجب أن يذكر بما واجهته طريقة الدعوة الأولى مما يطمئن إلى صحة الاقتداء. لذلك على حملة الدعوة أن يحرصوا على حزبهم، ويغذوا السير في تنفيذ ما يطلبه، وأن يبروا بقسمهم، ويلتزموا بقراراته وأن لا يتلكأوا عن القيام بما يطلبه منهم. وعليهم أن يحافظوا عليه كمحافظتهم على أنفسهم أو أشدّ. وعليهم أن يؤدوا ما تبنّاه الحزب تماماً من غير نقصان وبوضوح، وبجرأةٍ وبشكلٍ يتميز فيه طرحهم عن الطروحات الأخرى كل التميز، وليس هذا فحسب بل يجب يدعوا المسلمين لأن يعملوا مع حزبهم بقوة ولأن يعطوا عقلهم وجهدهم ووقتهم وكل ما يملكون لهذه الدعوة. فلا يجوز لحامل الدعوة أن يؤدي الأمر ناقصاً. فكما أنه لا تبرأ ذمّة حامل الدعوة أمام اللَّه إلا إذا حمل الأمر كاملاً وبلّغه كاملاً، فكذلك المسلمون الذين يدعوهم يجب أن يصل إليهم الأمر كاملاً ويبلغوا الدعوة بشكلٍ صحيحٍ غير منقوص.

  4 –  إنّ الصراع الفكري حكمٌ شرعيٌّ ثابتٌ من أحكام الطريقة، ولا يجوز إيقافه، وإنه بعد أن سقطت الأفكار الأخرى لم يبقَ أمام الحزب أو الجماعة ما يصارعه فكرياً بشكلٍ جدي إلا أفكار يقال عنها إنها إسلامية، وهي ليست من الإسلام في شيء وهذه يجب مواجهتها ومصارعتها وإسقاطها. فهي ليست إسلامية وإن قال بها علماء أو حركات تسمّي نفسها إسلامية. فهل إذا أفتى شيخ الأزهر بالربا يصبح الربا حكماً شرعياً. وهل إذا قالت حركةٌ إسلامية بالمشاركة تصبح المشاركة مطلباً شرعياً، وهل إذا قالت جماعةٌ تسمي نفسها أنها إسلامية إن الإسلام سكت عن 90٪ من الأحكام وتركها للمسلمين يقدرونها بحسب مصلحتهم يصبح هذا الرأي شرعياً. إنّ المدقّق في هذه الأفكار يرى أنها من إفرازات الفكر الرأسمالي، وهي شكلٌ من أشكال فصل الدين عن الحياة. فما يُعتبر حكماً شرعياً، فإن على الجماعة او الحزب أن تناقشه إذا خالفها ولا يجوز مهاجمته، أما ما لا يُعتبر حكماً شرعياً فإن عليها أن تهاجمه وتزهقه ولا يجوز التساهل بوجوده بين المسلمين. وهذا من ضمن الصراع الفكري الذي لن يهدأ حتى ولو قامت دولة الإسلام. بل أكثر من ذلك، لنفترض، وهذا الافتراض يمكن أن يكون له واقع، أنّ حركةً إسلامية قام الغرب بإيصالها إلى الحكم ليفوّت على المسلمين مطالبتهم بالحكم بالإسلام، ثم تبنّت هذه الحركة التي أصبحت حاكمة، أحكاماً ليست من الإسلام في شيء، فأجازت الربا، ووضعت قانوناً للعقوبات غير شرعي، ونظاماً اقتصادياً غير إسلامي، ونظاماً للحكم ديمقراطياً.. فهل ستسكت هذه الجماعة وتعتبر أنّ الخلاف شرعي أم سترفض وتواجه.

  إنّ أمام حامل الدعوة كثيراً من الأعمال تجاه الأمة. وإنّ عليه أن يغرس فكره فيها وأن يقلع الشوك من حوله، والأمة أصبحت قريبة مما يطرحه والمسلمون اليوم يسمعون له أكثر من أي وقتٍ مضى؛ لذلك يجب أن يتعهّد إيصال أفكاره، وأن لا يعتبر أنّ الأمر صار بيده، ويتساهل في إيصال الأفكار بل أن يعتبر أنه قد حان وقت العمل والجد أكثر وليس العكس. إنّ على الشاب أن يتقدم ويملأ الفراغ ويقدم نفسه على أنه الحل الوحيد. إنّ الغرب لم يضع سلاحه، ولم يعلن إفلاسه، ولم يترك الأمة وشأنها. بل راح يبدّل أساليبه ويفرض قراراته. فها هو باول في 16/12/2002م. أعلن مبادرةً دعا فيها إلى إصلاح التعليم. وها هي وزارة الدفاع الأميركية بعده بأيام تعلن عن عزمها إنشاء مدارس دينية إسلامية بتمويل أميركي، ويشرف عليها مسلمون، تدعو المسلمين إلى تطبيق دينهم كما يطبق الأميركيون دينهم. وكذلك فإن وزارات التربية في بلاد المسلمين مدعوةٌ من قبل أميركا إلى تعديل مناهج اللغة العربية والتربية الدينية. لذلك على حملة الدعوة أن يتوجهوا إلى الأمة لأخذ قيادتها، وأن يضعوا في ذهنهم أنهم يستطيعون أن يقودوا الأمة فكرياً قبل قيام الدولة، وأن لا يكونوا منهزمين من داخلهم نتيجة ثقل الأيام الماضية. فتلك الأيام قد ولّت. وعليهم أن يستغلوا مثل هذه التغيرات ويستفيدوا منها لدعوتهم، لذلك عليهم أن يكثروا من أعدادهم ويكثروا من الأنصار، وأن يقووا الرأي العام. فالذي يفتح القلوب ويحوّلها هو مقلّب القلوب وحده. فإذا رضي عنهم أرضى عنهم الآخرين. قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وسلم): «من أرضى اللَّه في سخط الناس رضي اللَّه عنه وأرضى عنه من أسخطهم في رضاه، ومن أسخط اللَّه في رضى الناس، سخط اللَّه عليه، وأسخط عليه من أرضاهم في سخطه».

  إن رضـى اللَّه غاية عنـد حامل الدعوة، يريد من الناس أن يرضوا عنه فقط لأنه يقوم بأمر اللَّه على الوجه الذي يريده اللَّه. أما ما عدا ذلك فلا قيمة له. أما طلب رضى الناس بعيداً عن الشرع فهو شكلٌ من أشكال التأثر بالفكر الغربي الذي يقوم على رأي الأكثرية .

[يتبع]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *