العدد 411 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الثاني 1442هـ – تشرين الثاني 2020م

أَعْمِل عقلَك ولا تكُن إمَّعة

أ. ياسر أبو الوليد

ميَّز الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرَّمه عن باقي المخلوقات بالعقل، وجعل العقل مناط التكليف، وبإعماله يصل الإنسان إلى حقيقة وجود الله تعالى، ويدرك عظم آياته الكونية، ومراد الله تعالى من خلق هذا الكون والإنسان والحياة.

فالإسلام ضبط للمسلم طريقة تفكيره، والكيفية الصحيحة التي يُعمِلُ بها عقله، وكذلك ضبط نفسيته وفق الأحكام الشرعية؛ فكان المسلم شخصية متميزة، صاحب رأي وقرار، قادرًا على الفهم والربط والإدراك، مستندًا على أصول ثابتة للوصول إلى نتائج صحيحة، وكانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تحثُّ المسلم على إِعْمال عقله في التدبر والتعقل والتفكر، وقد مدح الله تعالى من يقوم بهذه العبادة بقوله: ( ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١).

وفي المقابل كان الذم والتحذير من العقوبة الشديدة التي تنتظر من يجمد عقله ويعطله ويصبح تابعًا لغيره، تبعية خالية من أدنى مقومات التفكير. قال تعالى: (وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩).

يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا تكونن إمَّعة. قالوا: ما الإمعة؟ قال: يقول أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديْت، وإن ضلُّوا ضللت.

يلفِتُ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود نظرنا ويحذرنا من الحالة (الإِمَّعية) التي من الممكن أن تتسلل إلى البلاد الإسلامية، هذه الحالة التي كانت موجودة في الأمم السابقة، وقد ذكر الله في القرآن الكريم أمثلة كثيرة عن أممٍ تفشَّت فيها هذه الحالة وأصبحت تُسيِّرُ سلوكها، وها نحن اليوم نراها رأي العين بدأت تتسرب إلى أفراد أمَّتِنا وتُؤثِّرُ بهم.

والإمَّعُ: الذي يقول لكل أحد: أنا مَعك، ولا يثبت على شيء لضعف رأيِه، وقد وصف الله تعالى حال هؤلاء الإمَّعات أبلغَ وصفٍ بقوله سبحانه: (وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤). فالإِمَّعة هو عكس الشخص المبدئي؛ فالإنسان المبدئي يحمل وجهة نظر معينة عن الحياة، ومجموعة من المفاهيم التي يعتمد عليها في تسيير سلوكه، فتكون آراؤه وأفعاله مستندة إلى وجهة نظره المبدئية، وبالتالي يكون شخصية مستقلة في القرار صاحب رأي وتأثير. وأما الإِمَّعة فهو صاحب شخصية فضفاضة، خالية من أي فكر، يسير مع التيار أينما سار، أحيانًا يساير وأحيانًا ينافق، ليس لديه مفاهيم يعتمد عليها، بل يعتمد على مفاهيم من يتَّبع، متقلب الآراء، حقيقة حاله كما وصفه الله تعالى بقوله: ( مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ )، شعاره الذي يسير عليه في الحياة:

«وما أنا إلا من غزيةَ إِنْ غَوَتْ      غَوَيْتُ وإن ترشد غزيةُ أرشد»

لقد كانت هذه الحالة التي تعيشها الشعوب الإسلامية نتيجة طبيعية لجهود قرون من الدول الغربية، عَمِلت من خلالها على هدم الروابط التي تجمع المسلمين، فقامت بالغزو الثقافي من خلال طرح وجهة النظر الغربية مقابل وجهة النظر الإسلامية، وضرب المفاهيم الموجودة لدى المسلمين، وأوجدت شرخًا بين المسلمين وكيانهم الذي يطبق عليهم وجهة النظر الإسلامية، واستطاعت بعد جهد جهيد تحطيم هذا الكيان، بقرار إلغاء نظام الخلافة، فظهرت على أنقاضها دويلات مصطنعة، تحمل صفة الإِمَّعية، تابعة للدول الغربية، مسلوبة القرار في سياستها الداخلية والخارجية لا رأي لها ولا مشورة، تعمل على إرضاء أسيادها ولو على حساب مصلحة شعوبها، تطبق قوانين الدولة المتبوعة ووجهة نظرها في الحياة ولو خالفت معتقدات شعوبها!

ولقد أخذ الإعلام الدور الأكبر في ترسيخ المفاهيم الخاطئة لدى الشعوب المسلمة، وتعزيز صفة الإِمَّعية لديهم، من خلال ضبْعِهِم بالغرب بمظاهره المدنية وتطوره العلمي والثقافي والمعماري والاقتصادي وحرياته المزعومة، محاولًا تشكيل قناعة لدى المسلمين بالنموذج الغربي، وأن لا نهضة للمسلمين إلا بتبني هذه النماذج وتطبيقها.

وكذلك أخذ المجال التعليمي دوره في دَسِّ السُمِّ في العسل، فشوَّه التاريخ الإسلامي، وعمِل على إنشاء جيل ضعيف الشخصية، متواكل، وأخذ يصدِّر في مناهجه شخصيات سيئة السمعة وينظف تاريخها ويبرزها على أنها شخصيات قيادية وقدوات واجبة الاتباع.

وبالتالي بدأت الحالة الإِمَّعية بالانتقال من الدول إلى الشعوب، وبدأت تنتشر هذه الحالة وتفتِك بالمجتمعات وللأسف، وبدأ تعطيل العقول يظهر بشكل واضح من خلال اتباع شخصيات يُبرزها الإعلام، في طريقة تفكيرها ولباسها وطعامها وحركاتها، هذه الشخصيات الدينية منها والإعلامية والمفكرين والباحثين والسياسيين وحتى المطربين والراقصين، وأصبح الاتّباع مدعاةً للفخر والاعتزاز.

فأصبح حالنا كما وصفه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، عن أبي سعيد رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ؟!» رواه الشيخان.

وأمام هذا الواقع المؤلم الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية، لا بد لنا من وضع نقاطٍ على حروف، تشكِّلُ عباراتٍ تحمل في طيَّاتها أفكارًا وحلولًا لانتشال المسلمين من هذه الحال الإِمَّعية التي فتكت بمجتمعاتهم. وإن أهم خطوة يجب القيام بها، هي العودة إلى سيرة قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف غيّر المفاهيم الموجودة في مجتمع الجاهلية. فقد كان حالهم أسوأ من حالنا من اتباع الآباء والعادات والتقاليد. يقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ ١٧٠).

نعم، هكذا كان حالهم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الأفكار والمفاهيم البالية، واستبدل بها مفاهيم إسلامية واضحة، فخط لهم طريقًا مستقيمًا واضح المعالم والهدف ودعاهم إليه، وصبر عليهم. وفي الوقت نفسه عمل على تربية الصحابة تربيةً تجعل منهم قيادات أصحاب مبدأ ورأي. وكذلك أسس دولة مبدئية مستقلة في سياستها الداخلية والخارجية، قوانينها وأحكامها من الشرع، هذه الدولة أنشأت أمة عظيمة، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أحسنت إليهم ولم تظلمهم.

فلنعمل جميعًا لتخليص أمَّتنا من حالة الضعف والتبعية التي تعيشها، والنهوض بها من جديد لإعادتها إلى مكانتها الحقيقية، خير أمَّةٍ أُخْرِجت للناس.

فيا أيها المسلم إن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عباده، فالعقل من أعظم النعم، فأدِّ شكر هذه النعمة، و»أَعْمِل عقلَك ولا تكُن إمَّعة».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *