العدد 411 - السنة الخامسة والثلاثون – ربيع الثاني 1442هـ – تشرين الثاني 2020م

أيها المسلمون، أبشروا، فإن التطبيع من علامات زوال (إسرائيل)

بعد قيام الثورات في بلاد المسلمين معلنة إرادتها في إسقاط عملائه من الحكام، أدرك الغرب أن هذه الأمة مستعصية على الخضوع له مهما حاول، فوضع من بعدها خطته التي تقضي بالقيام بكل ما تحدثه به نفسه الشيطانية من أعمال تجعل المسلمين لا تقوم لهم قائمة بعد الآن، ولا تلتفُّ لهم ساق على ساق، وتولَّوا بأنفسهم مهمة تنفيذ هذه الخطة، ونقلوا عملاءهم من الحكام إلى مرحلة الجهر بالخيانة ضد دينهم ونبيِّهم وقضاياهم المصيرية هكذا من دون حجاب، والإيغال في اضطهاد المسلمين وقتلهم وتهجيرهم وتشريدهم ونكايتهم وتخريب بلادهم وتفتيت وحدتهم بإثارة النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية بينهم… وفي بلاد المسلمين التي قامت فيها ثورات، قاموا وما زالوا يقومون بانتقام فظيع من الناس لقيامهم بهذه الثورات… حتى تكون رادعًا وعبرة لمن يريد أن يحذو حذوهم. كل ذلك يحدث والمسلمون كما قال رسولهم الكريم: «يحاطون بالظالمين من كل مكان… ولا يجدون على الحق أعوانًا» وكان من مظاهر حربههم العالمية على الإسلام، فوق ما ذكرنا، (الهجمة الشرسة على الإسلام السياسي) مدعين أن الإسلام هو فقط دين شعائري تعبدي أخلاقي… وكذلك قاموا  بـ (الإساءة إلى الرسول) بكل ما فيه من تحدٍّ للمسلمين في أقدس مقدساتهم… وأعلنوا مؤخرًا الانتقال إلى (مرحلة التطبيع العلني) مع كيان يهود وتسريعه هكذا جهارًا نهارًا بمعزل عن المسلمين وعدم اكتراث بأقدس قضاياهم… وهكذا يمضي الغرب في خطته المجرمة هذه بشكل مفتوح لا تقيِّده قوانين دولية ولا تحدُّه قيم، وبشكل معلن مقصود، الهدف منه أن يَهزمَ المسلمين في دينهم، وأن يُنسيَهم مطالبهم بالانفكاك عنه واستبدال استعماره بإقامة حياتهم على نور من ربهم. ولكن أنَّى له ذلك.

إن ماضي الغرب وحاضره في التعامل مع المسلمين مليء بالغدر والإجرام والتشفِّي والانتقام، على عكس تعاملنا معه طيلة الفترة الماضية الطويلة من الصراع، لقد حملنا له إشعاع العلوم بعد أن كان جاهلًا، وهديناه إلى نور الحضارة بعد أن كان همجيًا، وأدخلنا الكثير من أهله في ديننا فأصبحوا إخوانًا لنا… بينما هو لم يحمل لنا سوى الاستعمار بكل مثالبه… وحتى مع كتابة هذه الكلمات، ونفس الذي يكتبها تكتوي ألمـًا لما يحدث للمسلمين من إجرام موصوف ومكر مكشوف، فإننا إذا ما منَّ الله علينا بكشف هذه الغمَّة والظهور من جديد على الغرب وعلى غيره، فإن نفوسنا لا تحمل إلا الخير للغير، ولئن يهدي الله عدونا خير لنا من أن ننتقم منه، هكذا علمنا رسول الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يهاجمونه، بقوله: «لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها» وفي هذا قوة لمبدأ الإسلام وحضارته ما بعدها قوة، وسقوط للمبدأ الرأسمالي المتوحش… ولكننا في الوقت نفسه، فإننا في طلب الحق لا يعلو على أمر الله عندنا أمر، كائنًا ما كان، وعند المناجزة واللقاء فإننا لا نهاب الأعداء، لا نخشى إلا الله، ولا نطلب إلا رضاه. وبالدعوة نفتح القلوب، وبالجهاد نشفي الصدور. 

واللافت في هذا الصراع هو أن المسلمين، بالرغم من كل هذا الإجرام الموصوف بحقهم، ازدادوا تمسكًا بدينهم، وبدَوا أكثر إصرارًأ على العودة إلى العيش في كنف الإسلام، وتتوق نفوسهم إلى حكم الخلافة الراشدة التي يعتبرونها نموذجهم الأمثل بعد عهد النبوة، ويرونها تؤمن لهم حياة التقوى والإيمان والعزة والتمكين ونشر هذا الدين… وهذا عكس ما خطط له الغرب وهدف إليه من جعل المسلمين يستسلمون له ويرضون بما يقسمه لهم من طريقة عيش حيوانية شهوانية مقطوعة الصلة بالله…

أما مهاجمة الإسلام السياسي والعمل مع حكام المنطقة على منع أي عمل سياسي على أساس الإسلام، بل والأخطر من ذلك، العمل على تحوير الإسلام والادعاء باطلًا أن الإسلام دين روحي أخلاقي فحسب وليس فيه سياسة، وأن الخلافة هي مرحلة تاريخية ارتضاها الصحابة للحكم بموجبها وليست أحكامًا شرعية ملزمة، وبالتالي فإن على المسلمين أن يرتضوا اليوم غيرها لأنها لم تعد صالحة للحكم اليوم كما كانت بالأمس. والأدهى من كل ذلك، فإن هناك من علماء السوء مَنْ فتاواهم جاهزة لتحلَّ حرام الحكام، وتحرِّمَ حلال الشرع، وهذا يعني أن فتاواهم ستكون فتاوى أمريكية وفرنسية وبريطانية ما أنزل الله بها من سلطان… حقًا، إنها لفتنة لهؤلاء العلماء تجعلهم شركاء متكافئون في الإثم مع الحكام.

إن ما يتصرف به الغرب والحكام في بلاد المسلمين فيما يتعلق بمهاجمة الإسلام السياسي أو ما يسمونه بـ (الإسلاموية) إنما هو اعتداء على الدين الإسلامي، وهو إن يفعل ذلك فلأنه وجد أن الأمور تسبقه وخشية أن يفاجأ بوصول الإسلام إلى مسرح السياسة الدولية، وفي ذلك ما فيه من خطر وجودي ماحق لحضارتهم الفاسدة. فحقيقة الأمر، إن الغرب هو المهزوم في هذه الحرب الحضارية، ويحارب الإسلام ليمنع سقوط حضارته. والجدير ذكره هنا، إن الحروب الحضارية سلاحها قوة الفكر وصحته وقدرته على معالجة كل شؤون الحياة معالجة صحيحة تؤدي إلى اطمئنان الحياة واستقرارها، وهو ما يفتقد إليه العالم اليوم.

أما الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تتجدد من وقت لآخر، والغرض من تجددها قياس ردة فعل المسلمين، هل ضعفوا واستكانوا؟ أم ما زالوا يحتاجون إلى مزيد من الضغط؟ وما رأيناه من ردات فعل طيبة من المسلمين تجاه رسولهم جعلت عدوَّهم من حكام الغرب وعملائهم من حكام المسلمين العملاء له يتأكدون أن الأمة تتجه نحو مزيد من الصحوة وليس العكس. وإثارة هذا الموضوع بهذا الشكل هو بحد ذاته، إن دل فإنما يدل على إفلاس حضاري، وخاصة عندما يتولى كبر الإساءة شخصيات علمانية تدعي الرقي في الفن أو الفكر، فهؤلاء إن كان عندهم مآخذ على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم فليطرحوها للمناقشة والبحث الجاد عن الحقيقة، لا أن يسِفُّوا بأنفسهم ويهوَوا بها إلى الحضيض. ولهؤلاء العلمانيين الذين اتخذوا الرذالة أسلوبًا لـ «حرية التعبير» نقول: إذا كنتم حقيقة تريدون الحق ومناقشة المسلمين في دينهم ورسولهم فأجمعوا أمركم، فهناك آلاف من المفكرين المسلمين خبروا على أرض الواقع فشل الديمقراطية وظلم الرأسمالية وفراغ العلمانية، وتاريخ دولهم المظلم… فلتقم المحاضرات والندوات والمناظرات الهادئة الهادفة عبر وسائل التواصل، بينكم وبين من يناقشكم منهم ويرد عليكم، أم أنكم أفلستم فلم تعودوا تملكون إلا التهجم على أشرف الخلق على الله وعلى المؤمنين…

أما التطبيع مع الكيان الغاصب، ونقله من السر إلى العلن، وتسريعه… فإنه يصدق فيه قوله تعالى: (لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ ). ومن خيره أنه كشف وسيكشف حقيقة حكام المسلمين العملاء للغرب كلهم، ومن غير استثناء، وأولهم آل سعود، تلك العائلة المشبوهة التي أمعنت في العمالة حتى ما رأى حاكمها مؤخرًا إلا توريد الفسق إلى أهلها، والتماثيل إلى أرضها، وها هو يستعد الآن للانضمام إلى قائمة المطبِّعين… وكشف العلماء الذين يقولون بما يقول حكامهم (كما تقول الببغا)… كشفت أن معدن الأمة صلب ودينها حي؛ حيث وقفت من أقصاها إلى أدناها ترفض عملية التطبيع وزادت الشرخ بينها وبين حكام الخيانة والخذلان… وكشفت كيف أن الغرب يتصرف من موقف ضعف وليس من موقع قوة إذ لم يستطع أن يحوِّله إلى سلام شعوب، بل بقي في المربع الأول الذي ولدت فيه وهو أن الأمة لم ولن تقرَّ بأي اتفاق يعقده هؤلاء الحكام، فهو بنظرهم اتفاق معدوم… إذًا فكيف يرى المسلمون حلَّ قضية فلسطين؟

إن المسلمين ينظرون إلى الحل من خلال النصوص الشرعية التي تبيِّن أن الحل يتعدى استرداد الأرض المباركة إلى قتالهم ليهود وقتلهم، والقضاء على دولتهم، وينظرون إلى أنه لا يمكن استرداد فلسطين عن طريق هؤلاء الحكام العملاء من غير استثناء وإنما عن طريق عباد الله المؤمنين، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقاتلكم اليهود فتسلَّطون عليهم ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله»… ويرى المسلمون أن تطبيع حكام المسلمين سيعطي الشعور بالأمان للشعب اليهودي المشتَّت في بقاع الأرض والتجمع في فلسطين، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فقال:(وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤)، ومن ثم، وبعد اجتماعهم هذا، ستأتي فترة القضاء عليهم، وذلك مذكور في قوله تعالى: (فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧) وفي الواقع، فإن اليهود حبلهم مقطوع مع الله، موصول مع أئمة الكفر من الدول الرأسمالية المعادية للإسلام والتي تكيد له كيدًا. ودول الكفر اليوم مجتمعة مع اليهود على العداء للإسلام والمسلمين، وهم معًا يسعَون ذلك المسعى الخبيث في عملية التطبيع على ما ذكرنا… وفي الوقت نفسه، يرى المسلمون أن النصوص الشرعية تبين أن هذا الزمن هو زمن الخلافة الراشدة الموعودة التي ستتولى هي مهمة القضاء، ليس على يهود فقط، بل ستقطع الحبل الذي بينهم وبين دول الغرب الذين يمدونهم في الغي ولا يقصرون؛ وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» فالخلافة الراشدة قد آن أوانها، والعمل لإقامتها قد قطع بفضل الله معظم الطريق، وهو ينتظر من الله أن يأذن بأن يهيئ لهذه الدعوة أهل قوة ينصرونها، والغرب يحسُّ بذلك ويصرح محذرًا منه، ولكنه لا يستطيع منعه رغم كل إجرامه؛ لذلك هو يتصرف بتوتر. ومن نعم الله وفضله، أنه يوجد على أرض الواقع حزب رائد ودعوة راشدة قد قطعت بهذا الفرض معظم مسافته، واجتازت كل مراحله، وباتت على الأبواب، ألا وهو حزب التحرير، وهذا يعني أن الحزب، والأمة معه، يأخذون وسيأخذون دورهم في كتابة تاريخ الأمة وتاريخ البشرية عامة وصنعه من جديد في هذه الفترة.

وجمعاً بين الآيات والأحاديث والواقع، فإن المتوقع في هذه المرحلة من الزمن أن يحدث تطبيع الحكام الواسع مع يهود، يعقبه تجمع يهود الشتات المنتشرين في العالم في الأرض المباركة، ثم إقامة الخلافة الراشدة الموعودة بحسب البشرى، ثم القضاء عليهم بحسب الوعد… فالأمة لا تقبل بأقل من القضاء على دولة (إسرائيل) وعملية التطبيع هذه تعني من الناحية الشرعية اقتراب القضاء على يهود، قال تعالى: (وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١).   

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *