العدد 237 - العدد 237 – السنة الواحدة والعشرون، شوال 1427هـ، الموافق تشرين الثاني 2006 م

الاستراتيجية الدولية (1)

الاستراتيجية الدولية (1)

 

بقلم: فتحي محمد سليم

ما الذي يدفع الدول الكبرى لتلتقي في مؤتمرات، وتجري بينها محادثات، وتعقد بينها اتفاقيات، وتضع خطوطاً سوداء وبيضاء تلتقي معها، وتثبت خطوطاً حمراء وتقف عندها لا تتعداها؟

ولماذا هذه اللقاءات والمؤتمرات والمحادثات حكر على دول معينة محددة معدودة على الأصابع فقط، وإن كان هناك اتساع في الحضور فإنما تكون الوفود الأخرى روافد لهذه الأطراف، أو تكون هي وبلادها محل البحث أو محل المساومة؟ لماذا كل هذا؟

إنها الحروب: فإما أن تكون هذه الدول قد خرجت من حرب طاحنة أهلكت الحرث والنسل، أو حرب مدمرة أتت على الأخضر واليابس وعمت مساحات شاسعة من هذه المعمورة، فتضطر الدول المنتصرة إلى أن تتوج انتصارها بتشريعات تقدمها هدية للعالم، فيها فرض الوصاية على الشعوب الضعيفة حمايةً لمصالحها، وضماناً لتثبيت قوتها وهيمنتها، وتكريساً لإضعاف غيرها وإذلالها واستعبادها.

وإما أن تقوم بكل ذلك اتقاء الحرب ومخافة أن تلتهمها نيرانها، ولكنها تبقى على درجة من اليقظة والحذر، وعلى درجة من الإعداد والتسلح؛ لأن القضية عندهم معلقة بين أمرين اثنين: إما تحقيق هذه المصالح وحمايتها وضمان السهولة للوصول إليها بالمقاسمة والمساومة والترضية، وإما بالتهديد لحمايتها وتحقيقها بالحرب والمبادرة لخوض الحرب، وهذا ينطبق على الحرب الباردة.

وفي كلا الحالين فإن المصالح والمكاسب والمنافع هي المحرك لهذه الظاهرة السياسية عالمياً، أي أن بناء الهيكلية الدولية، وفرض سقف من الشرعية الدولية، والحالة التي عليها الموقف الدولي هي إفرازات الترضية والمحصلة النهائية للوقوف عند حدود المصالح للأطراف المعنية، كل حسب حجمه وبقدر طاقته العسكرية والسياسية مجتمعتين، أي بقدر ما يملك وبقدرته على توظيف ما يملك.

فيبقى الميزان الدولي وتوازن القوى هو الضمانة التي تقف عند حدودها هذه الأطراف، واستقامة المعادلة في التوازن واستمرارها هي صمام الأمان لتلافي نشوب حرب.

ولكن الأحداث كثيراً ما تكون أكبر من الرجال، فتنفلت من أيدي صانعيها فتضطرب المعادلة ويختل ميزان القوى، وتغدو الهيكلية الدولية شكلاً لا لون له، حيث لا يلتزم بشرعيتها إذ تفقد فاعليتها ولا يجدي الاحتكام إليها، كما تصبح الفاعلية العسكرية لا محل لها، وعندئذ يحصل الفراغ الدولي. فالشرعية الدولية تفقد تأثيرها المعنوي، والهيكلية الدولية يتخلخل بناؤها الاستراتيجي.

لكننا ونحن نتحدث عن الاستراتيجية إنما نعني الاستراتيجية دولياً، ونستطيع أن نجملها في ثلاثة أركان مجتمعة لابد من وجودها والاطمئنان إليها، وما عداها تكون روافد لها وملحقات بها يأتي تحقيقها ووجودها تحصيل حاصل:

1- الاستراتيجية الدولية سياسياً، وتتمثل في المؤسسات الدولية التي تمثل في مجموعها وما يتوزع بينها من صلاحيات الشرعية الدولية.

2- استراتيجية ميزان القوى، وتتمثل في السباق على التسلح أو الاتفاق على الحد من سباق التسلح، وهذا يتمثل في امتلاك السلاح غير التقليدي (النووي) والقدرة على استعماله، ووجود النية لاستعماله، ويتبع ذلك عملية مسح جيوستراتيجي لمناطق كثيرة في العالم، إما لتكون خالية من السلاح النووي، وهذه المناطق هي مناطق النفوذ ومحل الصراع ومصادر الثروات ومنابع الطاقة. وإما أن تكون قواعد لتخزين السلاح النووي والتواجد العسكري، وهذا في حالة تأزم العلاقات الدولية وتسخين الأجواء السياسية دولياً.

3- استراتيجية الطاقة: وهذه تخضع لحساسية دقيقة، وتحيط بها مخاطر كبيرة، وتحتاج إلى مجهود واسع من الدراسات السياسية والأمنية والفنية، وتتخذ حيالها المجازفات والمغامرات، أي يكون لاحتوائها والتمكن منها الأثر الهام في ميزان القوى دولياً. وتأمين مصادرها والحصول عليها تستقيم به المعادلة الدولية، ويعتمد عليه ميزان القوى، أي هي خلاصة الميزان الدولي استقامةً واعتدالاً أو ميلاناً وترجيحاً.

التقسيمات الجيوستراتيجية عالمياً تشكل بؤراً ساخنة أو بدأت بالتسخين من جديد، ولها ذيول تشكل امتدادات تتلاقى على حافة الاحتكاك.

أعد البنتاغون تقريراً تم فيه تحديد دائرة يبلغ نصف قطرها (18) ألف كم لعمليات عسكرية تنفذها القوات الأميركية في آسيا الوسطى والخليج وأفغانستان وأوروبا الشرقية.

هناك مجموعات (منظمة شنغهاي للتعاون) أخذت الصين وروسيا في تفعيلها والسير بها إلى مجموعة تشكل استراتيجية ملامحها اقتصادية عسكرية.

عندما انتهت الحرب العالمية الأولى وانهدمت دولة المسلمين دولة الخلافة، انكشفت جميع المناطق التي كانت تحتمي بحمايتها وتستظل تحت سلطانها، وأصبحت مراحاً للأعداء الحاقدين، ونهباً للغاصبين الطامعين، وها هي الأمة الإسلامية بكل شعوبها تعاني الويلات منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

وعندما تفتت الاتحاد السوفياتي، حيث كان العالم دولياً يعيش تحت مظلة تصفيات الحرب العالمية الثانية في صورته وحالته حتى سنة 1991م، وانتهت تلك الحالة وتبدلت تلك الصورة للموقف الدولي وانكشفت مناطق شاسعة كان يشغلها الاتحاد السوفياتي وتستظل بحمايته. هذه المناطق تشكل الآن بؤراً ساخنة ومهيأة للتسخين.

ولكن هذه المناطق على سعتها وامتدادها ليست متساوية لا من ناحية سكانية ولا جغرافية ولا مناخية.

فبحثنا هذا ليس بحثاً أكاديمياً، لا من الناحية الجغرافية ولا من الناحية السكانية ولا من الناحية المناخية، ونحن إذ نسلط الأضواء عليها إنما نسلطها على السياسات المسلطة عليها، وعلى سياسة السياسيين الذين يتسابقون لملء هذا الفراغ وإيجاد غطاء استراتيجي جديد لاحتواء هذه المنطقة التي حددها البنتاغون في تقريره الآنف الذكر.

هذه المنطقة أصبحت مهيأة للتسخين ومن ثم الاشتعال، فلماذا هذه المنطقة؟

لما انكشفت هذه المنطقة بعد تفتيت الاتحاد السوفياتي وزالت عنها الحماية الروسية، هذه المناطق هي: دول أوروبا الشرقية، ودول البلطيق الثلاث، ودول منطقة قزوين، ودول الجمهوريات الإسلامية الخمس (آسيا الوسطى)، وكانت هذه المناطق منها ما يحاذي أوروبا الغربية (الاتحاد الأوروبي) ومنها ما يحاذي الصين، ومنها ما يحاذي منطقة الخليج. إن مناطق البترول ومناطق المعابر المائية، كانت مهيأة لمجموعة من الاستراتيجيات الدولية، فمن يمتلكها يمتلك العالم، ومن يسيطر عليها ويتفرد بها يتحكم في مصائر العالم ويصبح سيد العالم عن جدارة.

بريطانيا هي التي هدمت الهيكلية الدولية السابقة وأبطلت فاعلية شرعيتها وذلك باحتيالها على أميركا وجرها لاختراق الإطار القانوني الدولي، وذلك بدخولها العراق جراء مسوغات خادعة لا أصل لها، وبدأت تنبش عن رصيدها القديم في مناطق استعمارها ونفوذها القديمة، وأخذ العملاء يرفعون رؤوسهم ويحركون أيديهم، وأخذت الأرض التي تختزن الصنائع تخرجهم، وبدأت بريطانيا العمل السياسي، في الوقت الذي أخذ العمل السياسي الذي تقوم به أميركا يظهر عليه الارتباك والفشل، وأخذت تسجل عليها الهزائم متتالية في كل مكان.

نسيت أميركا وأعمتها عنجهيتها أن هذه المناطق التي ذكرناها هي مناطق التسخين، وهي في معظمها كانت مرتعاً تسرح فيه بريطانيا ومنبعاً تستقي منه مناطق النفوذ التي ورثتها عن دولة الخلافة.

لقد اجتاحتها موجة غرور دفعت بها لأن تقف وتقول: نريد أن نضع للعالم نظاماً جديداً فعليكم الامتثال والطاعة. فترة ما بعد تفتيت الاتحاد السوفياتي سنة 1991م إلى دخولها العراق سنة 2003م هذه فترة الغرور التي عمي فيها بصرها فلا تلتفت إلى ما حولها حتى وقعت الصدمة ودخلت العراق، فإذا بالرؤوس تتحرك، تحركت فرنسا وتحركت ألمانيا وتحركت الصين وروسيا. وبريطانيا تقود الحملة ضدها.

عندما اقتطعت أميركا المناطق المذكورة آنفاً والتي تقدر مساحتها كما قلنا بدائرة نصف قطرها (18) ألف كلم، وأخذت تحط فيها الرحال بالاتفاقيات الثنائية وبالقواعد العسكرية وبالمساعدات المالية والفنية وبالشركات النفطية، وظنت أن الأمر قد استتب لها، وإذا بالطعنات تنهال عليها من الخلف، وإذا بالسهام تسدد إلى صدرها من الأمام، وأخذت الخيوط تفلت من يدها فتمسك بها بريطانيا، والأوراق تتساقط من حقيبتها فتتلقفها فرنسا، وإذا بالصرح الدولي الذي بنته أيام شبيبتها السياسية ينهار، فلم تفدها القوانين الدولية التي وضعتها، ولم تسعفها القرارات المؤسسية التي تفرضها على الناس، وهكذا نحن في عهد دولي جديد وظرف دولي ينبئ بكوارث وتغييرات هامة وعميقة.

في خطابه السنوي الذي ألقاه بوش عن حالة الاتحاد عام 2005م قال فيه: «لقد أصبحت الولايات المتحدة مدمنة للنفط الذي يستورد من أنحاء غير مستقرة في العالم».

فعندما  غزت أميركا أفغانستان لم تكن ردة فعل لأحداث 11 سبتمبر 2001م لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية كانت مجهزة من قبل وتنتظر إشارة الانطلاق، ولكن لماذا أفغانستان؟ لأهميتها في الوضع الجغرافي السياسي للنفط والغاز الطبيعي بمجمل المنطقة الممتدة من الصين إلى ألمانيا وهو الحوض الضخم المسمى أوراسيا.

ما هي منطقة أوراسيا هذه؟

إنها عبارة عن محيط من الثروة النفطية ولكنها حقل من الألغام السياسية، وهي مدار لصراع شديد الشراسة والعنف بين القوى الإقليمية والقوى الدولية.

هذه المنطقة هي أغنى منطقة في العالم: فيها 60% من الناتج العالمي و75% من موارد الطاقة العالمية، ويسكن فيها 75% من تعداد سكان العالم، ويقع داخلها بحر قزوين الذي يحتوي على 33 مليار برميل احتياطي مؤكد من النفط و600 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

فأميركا جعلت من نفسها أهم اللاعبين، واختارت أفغانستان لتكون نقطة الارتكاز لعملياتها العسكرية في أوراسيا. فما ترى أميركا في هذه المنطقة؟ وما هو الدور الذي يجب القيام به؟

تلتقي الرؤى السياسية والأمنية والنفطية عند أميركا على ضرورة الاستيعاب العسكري والسياسي للفراغ الناتج عن انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية.

كما ترى أميركا ضرورة المواجهة لتحديات نمو النفوذ الصيني في أوراسيا، وتمدد علاقتها النفطية مع دول الجمهوريات الإسلامية التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي سابقاً.

كما تدفعها الرؤى السياسية والبعد الأمني إلى محاصرة النفوذ الروسي وتقزيمه في المنطقة وإبعاد السيطرة الروسية عن الموارد الطبيعية هناك.

كما ترى أميركا أن يكون لها اليد العليا في صادرات النفط والغاز في أوراسيا، وعلى طرق ومعابر هذه الصادرات إلى الخارج. وأن تحكم السيطرة على قواعد اللعبة الدائرة بين الشركات متعددة الجنسيات في مجال النفط والغاز والخدمات البترولية، والتي تنتمي إلى عدة دول غربية وروسية وصينية.

ويتبع ذلك الهيمنة على المقدرات الأفغانية من النفط والغاز، فقد بلغ احتياطي أفغانستان من النفط 6% من الاحتياطي العالمي إضافة إلى احتوائها 40% من الاحتياطي العالمي للغاز.

لقد قام الجنرال (تومي فرانكس) قائد الحملة الأميركية على أفغانستان بمهمة زيارات موسعة لكافة الدول وسط آسيا، وفتح الباب لتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية مقابل تسهيلات وقواعد عسكرية تتمركز بها قوات أميركية لحماية مشروعات نفطية مهمة، منها ما هو على وشك البدء في التشغيل وقسم لا يزال في إطار التكوين.

وبعد أن تم اكتشاف النفط والغاز بكميات واعدة في جمهوريات أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان على أيدي شركات أميركية وأوروبية، كان هناك مشكلة تصدير هذه المكتشفات من النفط والغاز إلى الخارج، فلا بد من إقامة شبكة متكاملة من الأنابيب تتمركز داخل منطقة بحر قزوين لتتفرع إلى مختلف أنحاء أوراسيا.

حرصت أميركا على حصارها لروسيا، حيث نجحت في إلغاء شبكة الأنابيب التي تنقل نفط كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان إلى أوروبا عبر البحر الأسود، وتم إنشاء شبكة جديدة بطول (1700) كم تبدأ من كازاخستان وتخترق جمهوريات آسيا الوسطى لتنتهي عند جورجيا وتركيا إلى البحر الأبيض المتوسط متخطية الأراضي الروسية.

ولكن من هو المسؤول الذي أنيط به الإشراف على التنسيق بين شركات تكساكو وشيفرون وأنوكال وبرتش بتروليوم والنرويجية للبترول والشركة التركية للنفط، وهم أصحاب ملكية الخط بجوار حكومات أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، إنه (ديك تشيني) نائب الرئيس الأميركي الحالي للولايات المتحدة الأميركية، حيث كان سنة 1998م رئيساً لشركة (هاليبرتون) وهي من كبريات الشركات الأميركية في مجال الخدمات والمقاولات البترولية وقال يومها: «إن منطقة بحر قزوين منطقة بترولية واعدة وتنمو بسرعة كبيرة للتحول لمنطقة استراتيجية لها أهمية كبرى للولايات المتحدة وللغرب بصفة عامة؛ لأن الغاز والبترول فيها لا يخضعان لسيطرة كارتل أوبك».

ومما كان لافتاً للنظر كذلك تعيين (زلمان خليل زاد) السفير الأميركي الحالي في بغداد كأول سفير للولايات المتحدة في أفغانستان عقب الغزو، والذي كان يعمل قبل ذلك مستشاراً بشركة أنوكال للنفط التي كانت تتفاوض حكومة طالبان معها لإقامة خط أنابيب لنقل الغاز من أذربيجان وتركمانستان إلى الصين عبر باكستان وأفغانستان، وكان زلمان خليل الرجل الذي قام بدراسة تحديد المخاطر المالية والسياسية للمشروع.

وهناك شخصية أخرى وهي حميد كرزاي الذي أتى من الولايات المتحدة إلى مقعد الرئاسة الأفغانية بعدما كان نائباً لرئيس شركة أنوكال النفطية. ألا يعني كل هذا أن هناك تداخلات بين النفط والأمن والسياسة؟

ولما كان من دوافع أميركا التواجد في منطقة أوراسيا وبقاؤها في أفغانستان هو محاصرة التوسع الصيني في تلك المنطقة من أجل النفط والغاز، كانت عيون الخبراء العسكريين في البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركي ووكالة المخابرات المركزية تتابع بدقة متناهية التحركات الصينية والمحاولات التي تبذلها الصين لتأمين احتياجاتها النفطية خاصة من تلك المنطقة الملاصقة لها في بحر قزوين.

إن الصين في تمددها الواسع السريع خارج حدودها ترى أن عليها أن تسيطر على الموارد الطبيعية التي تحتاج إليها من أجل تأمين الإمدادات في المستقبل لا سيما وهي ثاني مستهلك للطاقة في العالم، فقد اتسع نشاطها في مناطق كثيرة. فقد طورت شراكة استراتيجية مع الهند في الحصول معاً على امتيازات نفطية.

وفي عام 1997م حصلت الشركة الصينية الوطنية للنفط على امتيازين في جمهورية كازاخستان بالإضافة إلى تقديمها تمويلاً لدراسة إقامة خط أنابيب بطول (3000) كم يبدأ من كازاخستان إلى إقليم كيسنج يانج كمرحلة أولى، بعدها يمكن أن تكون له شبكة فرعية ترتبط بإيران وروسيا، ثم إن الصين تمتلك حقولاً نفطية بالمشاركة مع الحكومة السودانية وأيضاً في نيجيريا وأخيراً مع الحكومة الموريتانية.

وفي زيارة الملك عبد الله السعودي، بعد توليه الحكم، إلى الصين في شهر  يناير 2006م قام بتوقيع خمس اتفاقيات من بينها قيام تعاون وثيق في مجال البترول والغاز والتعدين مع الصين.

وعلق وزير خارجية السعودية سعود الفيصل على تطور العلاقات مع الصين قائلاً: إن الصين تتلقى أكبر كميات النفط الخام من السعودية، فإذا كانت الإمدادات النفطية تشكل علاقة استراتيجية فهذه إذن علاقة استراتيجية.

ويتزايد قلق أميركا جراء التقارب الصيني الروسي والتفاهمات التي أخذت أبعاداً أمنية، حيث زادت روسيا من كميات النفط التي تصدرها إلى الصين، بينما توفر الصين لروسيا ضمانات مالية وقروضاً لتحديث صناعة النفط الروسية، وقد قامت روسيا ببيع معدات وأسلحة متنوعة إلى الصين من ضمنها قاذفات قنابل سوخوي/ 30 الحديثة، هذا إلى جانب المناورات العسكرية المشتركة على الحدود المشتركة بينهما مطبقين استراتيجة الدفاع عن النفس في حالة التعرض للاجتياح. كما تم الاتفاق على إنشاء آلية بينهما للتشاور في الشؤون الأمنية ذات الحساسية العالية.

ولا ننسى أن خمس لقاءات تمت بين الرئيسين الصيني والروسي خلال ثلاثة أشهر كان آخرها أن تم الاتفاق على إمداد الصين بحوالى ثمانين مليار متر مكعب من الغاز مع مد أنبوبين للنفط والغاز بينهما.

ولذلك فإن أميركا ترى ضرورة الهيمنة على الموارد النفطية والغاز في أهم منطقتين حالياً وهما أوراسيا والشرق الأوسط مع أهمية مناطق العبور التي ينـتقل منها النفط عبر البحار إلى العالم.

بعد تفتيت الاتحاد السوفياتي وتفرد أميركا، كانت روسيا تشاهد التحركات الأميركية في القوقاز وبحر قزوين، وضياع مفتاح الموارد الطبيعية من نفط وغاز من يدها وانتقاله إلى أيدي الشركات الأميركية والأوروبية، وأن المسألة تعدت ذلك إلى فرض هيمنة الولايات المتحدة الأميركية وحلف الأطلسي على معابر النفط والغاز داخل منطقة أوراسيا، فكان هذا دافعاً لتنشيط علاقات روسيا مع الصين، ولا تـنسى روسيا أن الحرب التي عصفت بدولة يوغوسلافيا كانت في الأساس لتفكيك البلقان وإعادة ترتيبه حسب شروط حلف الأطلسي، وتمهيد الأرض لإنشاء شبكة الأنابيب لنقل الغاز والبترول من القوقاز وبحر قزوين إلى أوروبا، وها هي أميركا تعمل على إقامة قواعد عسكرية في بعض دول أوروبا الشرقية مثل بلغاريا.

وقد منحت وزارة التجارة الأميركية الحكومة البلغارية منحة لا ترد وقدرها مليون دولار لتمويل دراسة الجدوى الاقتصادية لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط وآخر للغاز عبر البلقان، هذا المشروع الموضوع الآن تحت التنفيذ كانت قد تقدمت به شركة برتش بتروليوم وشركة هالبرتون الأميركية إلى الحكومة البلغارية ليمتد خط الأنابيب من (بورجاس) في بلغاريا ثم (سكونجي) في مقدونيا لينتهي بميناء (فلور) في ألبانيا. ومع انتهاء العمليات العسكرية في كوسوفو أنفقت  الولايات المتحدة الأميركية 36.3 مليون دولار لبناء قاعدة (بوندستيل) في جنوب كوسوفو حيث تتمركز حالياً القوات الأميركية فيها، وكان المقاول الرئيسي شركة (أون أندرووت) إحدى أفرع شركة هالبرتون النفطية.

كما لا ننسى أن أميركا عززت وجودها العسكري والأمني في منطقتين على قدر كبير من الأهمية هما إقليم الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، لإحكام القوس  الأميركي على حوض أوراسيا.

أما منطقة الخليج فإن تقرير مصير الوجود الأميركي فيها مرتبط بالعراق كقضية أمنية ونفطية استراتيجية، ولها ذيل مهم وهو إيران، وتحريكها لبرنامجها النووي مع مداخلاتها في العراق وتحريكها لأزمتها الداخلية على وجه يخفف الضغط عن القوات الأميركية هو لإيجاد انفراج سياسي لها على وجه ما.

لقد أفلت الكثير من القضايا التي تتم معالجتها سياسياً من يد أميركا لأن التوازن السياسي والمعادلة الدولية سياسياً لا تكون إلا بوجود قطبين متساويين أو متقاربين، وعندئذ إما أن يلتقيا على منتصف الطريق عند خط المساومة واقتسام المصالح والاعتراف بمساحات ومصالح لكل منهما مع الآخر، وفي هذه الحالة تكون الشرعية الدولية فاعلة والعمل السياسي مجدياً، بغض النظر عن بقية الأطراف، وإما أن يكونا على طرفي نقيض يقف كل منهما للآخر بالمرصاد في كل قضية من القضايا الدولية، وتكون كلمة الفصل في غالب الأحيان وفي معظم القضايا هي لكلمة النقض (فيتو) وهذه الكلمة تعتبر سياسياً الباب الخلفي للهروب، أو الرضا بالفشل المشروع، ومجلس الأمن الدولي بالذات تاريخ حافل بمثل هذه المواقف.

وبعد تفكيك نظام القطبية الثنائية في إدارة العالم وبقاء الولايات المتحدة الأميركية متفردة أصبح لا لزوم للاحتكام للشرعية الدولية، ولا لزوم للعمل السياسي عند أميركا؛ لأنه بإمكانها أن تحسم أية قضية بالعمل العسكري أو برصيدها الفاعل دولياً.

ولما كانت القطبية الثنائية تشكل قيوداً على باقي الأطراف كان لابد من أن تنكسر هذه القيود بانفراط القطبية الثنائية، وعندئذ بدل أن تركن الدولة الأولى المتفردة إلى رصيدها العسكري، يدب فيها الارتباك لترى الخروقات  والسهام والضربات توجه إليها من كل الجهات وفي كل مكان.

وهذا ما حصل مع أميركا بعد زوال الاتحاد السوفياتي وخروجها إلى العالم ركوناً إلى تفوقها العسكري ورصيدها السياسي السابق. فأخذت القضايا تفلت من يدها، فعاودت حساباتها وأخذت ترسم سياستها عالمياً من جديد.

فهذا حوض أوراسيا الذي نحن بصدد الكتابة عنه هو أهم قضية، وأوسع قضية أمام الأميركيين الآن، هذا الحوض يحده من حافته الغربية الاتحاد الأوروبي، وعلى حافته الشرقية الصين، وحدوده الشمالية محاطة بروسيا.

إذا تطلعنا إلى واقع العالم الأمني والسياسي الآن نجد أن الصين هي التي تزحف خارج حدودها وتمد يدها لتحقيق مصالح لها في كثير من مناطق العالم، وهذا أمر لا بد أن يوجِد احتكاكاً مع أميركا وبخاصة في المناطق ذات الحساسية الأمنية والبترولية وهي منطقة وسط آسيا المحاذية للصين مباشرة.

وإذا رأينا أن روسيا أخذت تتحرك لتعيد هيبتها السابقة على منطقة وسط آسيا ومنطقة القوقاز وبحر قزوين، يحكم المنطق السياسي أن يلتقي الخصمان القديمان ويتوحدا ضد عدو مشترك، وهذا ما تنبئ به مجريات الأحداث، بل أصبح ينمو ويكبر إلى حد تشكيل جبهة موحدة أو حلف عسكري من الدولتين الكبيرتين ضد التحدي الأميركي في هذه المنطقة التي تتعلق استراتيجية الدولتين بحمايتها وإخراج أميركا منها.

ولكن أميركا خلال فترة الخمسة عشرة عاماً الماضية وضعت أقدامها في تلك المنطقة بإيجاد الاتفاقيات والتحالفات والمساعدات والقواعد، حتى تمكنت من إحداث طوق متكامل من بعض دول البلطيق وأوروبا الشرقية ومنطقة الخليج وجمهوريات آسيا الوسطى. وأما وجودها في أفغانستان فإنما هو بالقوة العسكرية فقط، ووجودها في باكستان تمثل بعميلها برويز مشرف فكأنها موجودة عسكرياً، وأما محاولاتها مع الهند الآن فلن تجديها نفعاً لأن الهند عندما كانت تحت رئاسة فاجبايي كانت بريطانيا جذورها أعمق، فكيف وقد أفلت من يدها زمام الأمور السياسية بذهاب فاجبايي وحكومته؟

أما الاستراتيجية التي تقوم عليها السياسة البريطانية فهي تهدف إلى إعادة أمجادها السابقة في العالم، وتنطلق سياستها هذه من عدم تفرد أميركا في العالم وعدم تفوقها سياسياً، ثم عدم تثبيت أقدامها في أية بقعة حتى ولا في أميركا اللاتينية التي كانت يوماً محمية بمبدأ مونرو، والتي كانت توصف بالحديقة الخلفية للبيت الأبيض.

[يتبع]

شاهد أيضاً

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (396)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (396) للمزيد اضغط هنا محرم الحرام 1441هـ – أيلول/سبتمبر 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *