العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م

العلماء الربَّانيون يبلغون رسالات ربهم، ولا يخشون أحدًا سواه

العلماء الربَّانيون يبلغون رسالات ربهم، ولا يخشون أحدًا سواه

مازن الدباغ – الموصل

 

خلق الله الإنسان ووهبه نعمة العقل التي ميَّزه بها على سائر خلقه. ولهذه النعمة قابلية المعرفة وإدراك الأمور، واختصَّ من البشر من أحبَّ فتفضل عليهم وفقَّههم في الدين وعلَّمهم التأويل، وسماهم العلماء ووصفهم بأنهم هم الذين يخشونه ولا يخشون أحدًا سواه، قال تعالى: ( إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ ِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨[ [فاطر]، وقال أيضًا: ( ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ َلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ) [الأحزاب]. ومن علامات الخشية: الجهر بالحق وتبليغه للناس، حتى وإن كان فيه تعرض للأذى من ذوي السلطان الذين لا يوافق الحق أهواءهم. فالعالم بين أمرين:

  • إما أن يبلِّغ هذه الأمانة كما أمر الله تعالى ويصبر على الأذى في هذا مبتغيًا الأجر من الله وحده؛ لأنه يخشى الله ولا يخشى أحدًا سواه.

  • وإما أن يسكت أو يداهن فتفتح عليه الدنيا من السلطان وأصحاب الشهوات؛ لأنه يخشى السلطان ويتَّبع الهوى فيتجرَّأ على الله.

وهذا الفرق هو المميِّز بين العلماء الصالحين وعلماء السوء في كل زمان ومكان. فالعلماء الصالحون الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» رواه الترمذي، وقال أيضًا، فيما يرويه الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما عُبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد وعماد الدين الفقه» فبهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، وهم ورثة الأنبياء، ووجهة الأنام، وقبلة الحكام الصالحين… شرَّفهم الله تعالى ورفعهم فقال: ( يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١[وهكذا حمل هؤلاء العلماء الأمانة ورعَوها وأدَّوها كما أمرهم الله أن يؤدُّوها مصداقًا لقوله تعالى:

 ( وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّ‍ۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩ ) فكانوا منارات للهدى، إذا تاه الناس هرعوا إليهم، وإذا استشكل على أولي الأمر أمر استرشدوهم، فهم صمام الأمان بين الحاكم والأمة، وهم عون المظلومين على الظالمين، وأمثال هؤلاء لم يقتصر وجودهم على عصور الإسلام الأولى أو الفترة الذهبية للمسلمين، بل إن وجودهم واجب شرعي إلى قيام الساعة؛ لأنهم حجج الله على عباده، اجتمعت فيهم صفة الإخلاص، والعمل بما علموا، والزهد في الدنيا، وخشية الله وقول الحق مهما كان ثمنه.

ونضرب مثالًا على هذا، العالم الرباني الذي يخشى الله ولا يعرف خشية لسواه، إنه العالم الجليل العز بن عبد السلام، وكان قاضٍ للقضاة في عصر الأيوبي، فبعد أن علم أن الأتراك المماليك الذين جلبهم السلطان للجهاد قد أصبحوا أمراء وقادة في الجيش، أراد تطبيق الحكم الشرعي بحقهم، فأرسل إليهم وقال لهم: «نعقد لكم مجلسًا، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي» فرفضوا واستكبروا، ولم ينفردوا باتخاذ القرار بشأن العز، فرفعوا الأمر إلى السلطان أيوب، فبعث إليه وراجعه فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمةٌ فيها غلظة على العز، وحاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر الذي لا يعنيه ولا يتعلق به.

وهنا أدرك العز أن الأمراء تمالؤوا عليه ووقفوا في وجه ما يعتقد أنه الحق وتطبيق الشرع، فأعلن الانسحاب وعزل نفسه عن القضاء وقرر الرحيل ونفذ قراره فورًا، فحمل أهله ومتاعه على حمار وركب حمارًا آخر وخرج من القاهرة، وما أن انتشر الخبر في الشعب حتى أعلن الناس الوقوف بجانب العز، وقرروا العصيان غير المسلح بالالتحاق بالعز، فلم يصل العز خارج القاهرة إلا قليلًا حتى لحقه غالب المسلمين من العلماء والصلحاء والتجار حتى النساء والصبيان. فقال قائل للسلطان: «أدرك ملكك وإلا ذهب بذهاب الشيخ» فركب السلطان بنفسه ولحق بالشيخ العز واسترضاه وطيَّبَ قلبه وطلب منه الرجوع والعودة إلى القاهرة، فوافق العز على شرطه بأن يتمّ بيع الأمراء بالمناداة عليهم، ورجع الجميع إلى القاهرة.

وبعد ذلك حاول نائب السلطان التدخل بالملاطفة، ثم بالتهديد والوعيد، ثم بمحاولة التخلص من الشيخ وقتله، وبعد أن فشلت كل محاولات التهديد والوعيد من قبل نائب السلطان، أذعن الأمراء للأمر، واستسلموا لحكم الشرع، وأُعلنَ المزادُ العام، ووقف العز ينادي على أمراء الدولة واحدًا واحدًا، ويغالي في ثمنهم، وتدخّل الشعب في المزايدة حتى إذا ارتفع السعر إلى أقصى غايته وعجز الأفراد عنه قام السلطان أيوب بدفع الثمن من ماله الخاص ليتملك الأرقاءَ الأمراءَ، ثم أعتق رقابهم فصاروا أحرارًا واحتفظ بهم قادة، وقبض الشيخ العز الثمن فوضعه في بيت مال المسلمين.

بيد أن الله سبحانه وتعالى في الوقت نفسه ذم قسمًا من العلماء ووصفهم بأخس وصف لهم: وجعلهم صنفين:

الصنف الأول: هم الذين حمَّلهم الله العلم ولكنهم لم يعملوا بما فضلهم الله به، ولم يؤثر هذا العلم في سلوكهم فكانوا كالحمار الذي يحمل الأسفار، قال تعالى: (مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ) قال ابن كثير في تفسره للآية: «أي كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا ولم يتفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، فهم أسوأ حالًا من الحمار؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، كما قال تعالى: ( أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ).

 الصنف الثاني: صنف أسوأ حالًا من الأول وأقبح فعلًا؛ إذ أخذ العلم ولكنه انسلخ منه كما ينسلخ الحيوان من جلده، يشتري بدينه دنياه ودنيا غيره من الحكام والظالمين، دالعًا لسانه بتحريف الكلم عن موضعه إرضاءً لمن ينعم عليه بالمال؛ فكان تمامًا كمثل الكلب اللاهث الذي قال تعالى فيه: (وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَالَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ)  يقول سيد قطب رحمه الله وهو يستعرض المشهد الرائع لهذه الآية: «إنه مشهد من المشاهد العجيبة الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة مـن التـصورات والتـصويرات، إنسان يؤتيه االله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهـدى والاتـصال والارتفاع، ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخًا، ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمـه، فهـو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه. ذلك مثلهم، فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم. ثـم إذا هم ينسلخون منها انسلاخًا، ثم إذا هم أمساخ» وهل أسوأ من هذا المثل مثلًا؟ وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرِّي من الهدى؟ وهـل أسـوأ مـن اللـصوق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يُعرِّيهـا مـن الغطـاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها أو يركبه، ويهبط بها إلى عـالم الحيـوان اللاصـق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبدًا».

واليوم، وفي الواقع المرير الذي تعيشه الأمة، نجد أمثال هؤلاء كثير. فبدلًا من أن يأخذوا بيد هذه الأمة الجريحة ويداووا جرحها ويلموا شعثها ويرشدوها إلى صلاح حالها، تراهم يتنكرون لها ويحرفون شرع الله ليوافق أهواء الحكام بظلمهم وإجرامهم وحكمهم بغير شرع الله، فنسمع من شيوخ الفتنة هؤلاء وهم يحملون الألقاب الرنانة، مفتي الجمهورية، رئيس رابطة العلماء، الشيخ الدكتور، وغيرها من الألقاب التي قال عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة» رواه أبو داود. فكانوا كما حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمرو حيث قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهَّالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا»

وبعد، فقد كان هذا موجزًا في بيان علامات العلماء الصالحين وعلماء السوء، ليستفيد به العالم في نفسه، وطالب العلم، وعموم المسلمين في معرفة من يُؤخذ عنه العلم ويُقبل قوله في الدين ممن لا يؤخذ عنه علم ولا يُقبل له قول.

وفي الختام، وبعد أن بيَّنَّا أهمية العلم والأمانة التي يحملها العالم، والتخويف والوعيد لمن يخون هذه الأمانة، لابد لنا من توجيه كلمة للعلماء والنصح لهم، فإن الدين النصيحة. نقول لهم إن الله قد منَّ عليكم ورفعكم بين الناس وفضلكم عليهم؛ فأدوا أمانة الله كما أمركم أن تؤدوها، وكونوا مع الأمة تبينون لها شرع الله، وتنقذوها من جهلها وضياعها إلى سبيل الرشاد، عونًا لها على من ظلمها، وأنتم تشاهدون اليوم الحملة الشرسة التي يقودها الكافر وأذنابه على شرع الله ومحاولة تشويهه وتمييعه باسم التجدد والحريات ومحاورة الأديان، فمكانكم الطبيعي في المقدمة تذودون عن حياض الإسلام وتحاسبون الحكام، وبذلك تنالون شرف هذا العلم وثوابه العظيم الذي ورد في الكتاب العزيز وعلى لسان الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فأنتم أعلم من غيركم بقيمة الحياة الدنيا أمام الآخرة.

اللهم أصلح علماءنا، واجعلهم ربانيين كما أمرت، وأرنا عز الإسلام والمسلمين بظل خلافة راشدة على منهاج النبوة. 

شاهد أيضاً

f6a6b1eee91b881438cb51a2894fbda1_l

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (398)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (398) للمزيد اضغط هنا ربيع الأول 1441هـ – تشرين الثاني/نوفمبر 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *