العدد 402-403-404 - السنة الرابعة والثلاثون – رجب – شعبان – رمضان 1441هـ – أذار – نيسان – أيار 2020م

البيان المبين في إقامة دولة الإسلام والتمكين

 عز الدين أبو البشير – الرستن

يطل علينا من حين لآخر من يدَّعي وجود طرق ومحاولات لإقامة الدولة الإسلامية، وبعبارة أدق يسمونها «تجارب» فيقولون التجربة الجزائرية، والتجربة الأفغانية، وتجربة الجماعة الفلانية والتنظيم الفلاني… ويبتعدون كل البعد عن تسمية الأمور بمسمياتها الشرعية، فلا نجد من يقول بالحكم الشرعي في العمل لإقامة الدولة الإسلامية إلا ما ندر، وقد يكون حزب التحرير متفردًا في الساحة بالقول بالطريقة الشرعية لإقامة الخلافة الإسلامية الثانية على منهاج النبوة. ونضع بين يدي القارئ الكريم هذا البحث المهم وفقه طريقة الفقهاء بالأخذ والاستنباط من الأدلة الشرعية المعتبرة.

بدايةً لم يفرض الشارع علينا أمرًا إلَّا وبيَّن لنا كيفية تنفيذه وإقامته على وجهه، وكان البيان منوطًا بالرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (..وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ لذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤) (النحل: ٤٤) وتركُ هذا البيان واللجوءُ إلى طرق عقلية يُتوهم منها إقامة الفروض هو الهلاك بعينه، قال تعالى: ( فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ٦٣) وقد رأينا حال تلك الجماعات التي سلكت طرقًا لا تستند إلى دليل شرعي ولا حتى عقلي حقيقي؛ فكان حالها كحال النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.

ومما هو مقرر أن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، فلا يجوز للمسلم أن يقوم بأي فعل قبل أن يعلم حكم الشرع فيه. واليوم وفي ظل هذا الواقع الأليم من استضعاف للمسلمين، وقتل وتشريد لهم، ونهب لثرواتهم، واستباحة لكل محرماتهم… وجب النظر في الأسباب والمسببات التي أدت لهذه النتائج بحثًا عن طريق يوصلنا إلى الخلاص مما نحن فيه. وبما أننا مسلمون قد آمنا بالله ربًّا مدبرًا، وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا مبلِّغًا جاء بشريعة حاكمة ناسخة لما سبقها؛ فلا بد لنا بعد دراسة الواقع دراسة دقيقة من إنزال النصوص الشرعية المتعلقة بهذا الواقع لجعله متكيِّفًا مع الشرع موافِقًا له.

 والناظر في الأمر يجد أن المسلمين ما وقعوا في الذُّل والتخلُّف الحضاري الذي هم فيه إلا بسبب سقوط دولتهم دولة الإسلام التي كانت تمثلها في آخر عهدها الدولة العثمانية على ما فيها من أخطاء؛ فغاب شرع ربنا عن الحياة، وغاب الخليفة جُنَّة المسلمين الذي يقاتَل من ورائه ويتَّقى به، وأصبحنا غثاء كغثاء السيل تتقاسمنا الأمم، وكان ذلك مصداقًا لقوله تعالى: (وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا ).

والتوصيف الفقهي لهذه الدار -الدولة أو الدول- التي نعيش فيها أنها دار كفر، وكل بلاد المسلمين اليوم بعد سقوط دولتنا في ١٩٢٤م تعتبر دار كفر، أي إن التشريع فيها لغير الله عز وجل، ونتج عن ذلك أن كان السلطان فيها لغير المسلمين، وإنما لدول الكفر التي هدمت دولتنا. وإدراك هذا الواقع هو ما يسمى «تحقيق المناط». فإذا دُرس الواقع وحُقِّق المناط تستحضر الأدلة المتعلقة بهذا الواقع لتجعله متكيُّفًا مع الإسلام، دائرًا معه حيث دار. والله عز وجل قد فرض علينا تحكيم شرعه، وهذا الفرض مما قد علم من الدين بالضرورة، وقد جاءت الأدلة مستفيضة في تقريره، قال تبارك وتعالى:

 (وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩) وقال جلَّ وعلا: (وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦) وقال جلَّ ذكره وثناؤه: ( ٗوَمَن لَّمۡ يَحۡكُم
بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤) (المائدة: ٤٤) (وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥) (وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ٤٧) وغيرها الكثير الكثير من الآيات… وهي أدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة يكفُر منكرُها ويأثم من خالفها. وهذا الفرض من فروض الكفاية أي من الفروض الواجبة على الأمة الإسلامية بمجموعها، ويبقى الإثم واقعًا عليها كلها ما لم يُقم هذا الفرض بتمامه؛ فيأثم القادر لتقصيره، ويأثم الذي لا يملك القدرة لعدم تذكير القادر وحثه على القيام بالفرض الواجب عليه. هذا هو واقع تطبيق الشريعة من حيث كونها فرض على الكفاية أي على الأمة الإسلامية بمجموعها. أما طريقة تطبيقها فيكون بإقامة دولة تكون موكلة من قبل المسلمين بإقامة هذا الفرض حتى يسقط الإثم عنهم، ويبقى واجب المحاسبة فرضًا على كل المسلمين للنائب عنهم في تطبيق الفرض؛ لأن الفرض فرضهم وهم من سيحاسبون عليه يوم الحساب. وهذا الفرض العظيم قد تعلَّقت به فروض أخرى تعلق تمام وتعلق صحة؛ مما زاد في أهميته وزادت الآثام على المقصرين في إقامته.

وقد ذكرنا سابقًا أن الله عز وجل لم يفرض فرضًا إلا وبيَّن لنا كيفية تنفيذه وإقامته على وجهه، فكان البحث عن بيان الفرضِ فرضٌ، والبيان يأخذ حكم المــُــبَيَّن: فإن كان المبيَّن فرضًا كان البيان فرضًا، وإن كان مندوبًا كان البيان مندوبًا، وإن كان مباحًا كان البيان مباحًا. والنبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لنا الكيفية لإقامة هذا الفرض، فهو الذي أقام دولة الإسلام، وهو الذي أُمرنا باتِّباعه، وهو الذي أنيط به البيان، فيكون بيان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة فرض كفاية واجب الاتِّباع.
والناظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه عليه الصلاة والسلام قد قام بأعمال معيَّنة سار فيها سيرًا منتظمًا متَّبعًا لما أمره الله تعالى به. فبدأ أولًا ببناء الكتلة والدعوة للإسلام كنظام للحياة وتثقيف الداخلين في دين الإسلام ثقافة إسلامية مركزة بحيث تنتج شخصيات إسلامية. ثم لما نزل قوله تعالى:

(فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ٩٤) انتقل إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة الصدع بالدعوة وإظهار الكتلة، فخرج صلى الله عليه وسلم بصفَّين منتظمين سار فيهما كل من أسلم معه، وبدأ الصراع الفكري والكفاح السياسي مع كفار مكة، فنزلت الآيات التي تهدم عقيدتهم وأفكارهم وتقوِّي من إيمان المسلمين وترسخ الأفكار الإسلامية فيهم، وأوجد الرأي العام على الدعوة، حتى إن بعض القبائل وصلتها الدعوة قبل أن يصلها النبي صلى الله عليه وسلم، وأتى بعض أفرادها إليه مسلمين. ثم لما تجمَّد المجتمع المكي أمام الدعوة الإسلامية شرع النبي صلى الله عليه وسلم بطلب النصرة من أهل القوة والمنعة لإزالة الحواجز المادية ونشر الإسلام وتطبيقه على البشر جميعًا حتى هيَّأ الله له الأوس والخزرج فنصروه، فكانت المرحلة الثالثة أن أقاموا دولة الإسلام ونزلت التشريعات المتعلقة بالدولة ورعاية الشؤون.
فهذا البيان من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفرض هو فرض مثله. والسبب الشرعي لوجوب هذه الطريقة هو غياب دار الإسلام عن الدنيا ووجود دول الكفر مستقرة، ومتى وجد السبب وجبت الطريقة على كل المسلمين وأثم القاعدون عن أدائها والسير فيها.

وطلب النصرة أبرز ما في الطريقة، ونستطيع أن نقول أن طريقة إقامة دولة الخلافة هي طلب النصرة من باب تسمية الشيء بأبرز ما فيه. فلمَّا توفي أبو طالب وتجمَّد المجتمع المكي أمام النبي صلى الله عليه وسلم، أمر الله عز وجل نبيَّه بطلب النصرة، فتوجَّه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، فجلس إلى سادتهم ودعاهم إلى الله وكلَّمهم بما جاءهم إليه من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فلم يستجيبوا له وأساؤوا معه الحديث وردُّوه شر ردَّة وأغروا به سفهاءهم، فشتموه ورموه بالحجارة حتى أدميت قدماه؛ فانطلق مهمومًا محزونًا لا يدري أين يذهب، وهناك دعا الدعاء المشهور «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس …» ثم دخل مكة بحماية المطعم بن عديّ، وصار يبحث عن أهل نصرة غير أهل الطائف يطلب منهم نصرته، قال الحافظ في الفتح: أخرج الحاكم وأبو نُعيم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن عن ابن عباس حدثني علي بن أبي طالب قال: «لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب…».

وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن قصة بيعة الأنصار: «فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلنّ على أهل منى غدًا بأسيافنا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أؤمر بذلك»». فهاتان الروايتان وغيرهما تدلان على أن طلب النصرة كان بأمر من الله عز وجل، وكل خطوة فيها كان يسيِّرها الوحي.

ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إن اقترنت به أمور تدل على أنه بيان لفرض يكون هذا الغعل تشريعًا لنا وواجب الاتِّباع. وطلب النصرة قد حفَّت به قرائن تدلُّ دلالة لا لبس فيها على أنه فرض. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد لاقى من الأذى ما لاقاه، ومع ذلك ظل مستمرًا في طلبه للنصرة لا يكلُّ ولا يملُّ، ولكثرة عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل قال بعضهم كما جاء في دلائل النبوة لأبي نُعيم: «ما آن لك أن تيأس منا؟» فثبات النبي صلى الله عليه وسلم على النصرة وتكرار المحاولة مع ما أصابه من الأذى قرينة تدل على أن هذا الفعل للوجوب لا غير، وقد لاقى عليه الصلاة والسلام في هذه المرحلة من الأذى ما لم يلاقِه طول حياته. وهذه أمُّنا عائشة رضي الله عنها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد يوم لاقاه في حياته فتقول كما جاء في الحديث المتفق عليه: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يومُ العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِقْ إلا وأنا بقرن الثعالب…» أي إن أشدَّ ما لاقاه من الأذى كان يوم طلب النصرة من سادة ثقيف من أهل الطائف فآذوه وردُّوه شر ردّة. وهذا الجزء من البيان فرض كفرضية البيان، وكفرضية الفرض نفسه، أي إنه فرض على الكفاية، وهو منوط بأهل القوة، فهذا دورهم ويبقى الإثم عليهم مالم يتلبَّسوا بالفرض أو يقيموه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يطلب النصرة من القبائل يدعوهم أول ما يدعوهم إلى الإسلام، ثم إن هم أجابوه يدعوهم لنصرته إن كانوا أهل قوة ومنعة، وإن لم يكونوا كذلك فيكتفي منهم بالإسلام ويأمرهم أن يدعوا قومهم لهذا الدين وأن يلحقوا به إن أظهره الله عز وجل. وكان صلى الله عليه وسلم يطلبها لغرضين:

الغرض الأول: حمايته حتى يبلغ الإسلام في جو من الطمأنينة. وهذا النوع من النصرة طلبه النبي صلى الله عليه وسلم قبل السنة العاشرة للبعثة كما تدل الروايات، وكان عمه أبو طالب قد وفَّر له هذا الأمر بشكل محدود. وبعد وفاته شرع النبي صلى الله عليه وسلم بطلبه بشكل أوسع. وهذا النوع من النصرة لا يتطلب من الشخص الذي تطلب منه إلا أن يكون له بعض النفوذ في منطقته بحيث يوفر الحماية للمبلغ حتى يبلغ دعوته. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط البخاري عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرُض نفسه على الناس بالموقف فيقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» فأتاه رجل من همدان فقال: «ممن أنت؟» فقال الرجل: من همدان قال: «فهل عند قومك من منعة؟» قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل، قال: «نعم»، فانطلق. وجاء وفد الأنصار في رجب. أي إن الحادثة كانت في السنة الحادية عشرة للبعثة، ثم أتى وفد الأنصار لبيعة العقبة الأولى والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب هنا إلا الحماية حتى يبلغ. وروى الإمام أحمد أيضًا في مسنده بإسناد صحيح عن أبي الزبير أنه حدَّثه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم وبمجنة وبعكاظ وبمنازلهم بمنى يقول: «من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة؟» فلا يجد أحدًا ينصره ويؤويه) فالحديثان يدلَّان على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلب النصرة هنا بغرض الحماية حتى يبلغ الإسلام بجوٍّ من الطمأنينة، ولا يشترط في الحامي الشروط التي تشترط للنوع الثاني من النصرة، وإنما يكفي أن يحقق الحماية للمبلِّغ دون مقابل.

الغرض الثاني: كان يطلبها لإقامة الدولة، وهذا النوع يشترط فيه أن يكون المطلوب منهم قادرين على إقامة الدولة ويعطون سلطانهم كاملًا للطالب، وأن يؤمنوا بالدعوة، وأن لا يطلبوا شيئًا لأنفسهم لأنها نصرة للدين الذي آمنوا به لا لشخص أو للجهة التي تطلبها. وهذا النوع من الطلب شرع به النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة للبعثة كما دلَّت الروايات المتواترة، فكان أول ما طلبها من أهل الطائف، وقد سبق ذكر الحادثة، ثم صار يتقصد أهل القوة والمنعة في كل موسم وفي كل مناسبة يدعوهم إلى الإسلام وإلى نصرته، فكلَّم كِندة وبكر بن وائل وبني عامر بن صعصعة وعبس وغيرهم. فأما كِندة فشرطوا عليه أن يكون لهم الملك من بعده، فقال صلى الله عليه وسلم «إن الملك لله يجعله حيث يشاء» فقالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وهذا يدل على أن النصرة لإقامة الدولة لا يجوز أن تكون مشروطة، ولو جاز لفعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان في حينها أشد ما يكون حاجة لها. فرفضُها مع الحاجة دليل على حرمة قبولها مشروطة.
ويشترط كذلك أن يكونوا أهل قوة ومنعة، فهذه بكر بن وائل سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «كيف العدد فيكم» قالوا: كثير مثل الثرى، قال: فكيف المنعة؟ قالوا: لا منعة، جاورنا فارس، فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم، قال: «فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا أبناءهم أن تسبِّحوا الله ثلاثًا وثلاثين وتحمدوه وثلاثًا وثلاثين وتكبروه ثلاثًا وثلاثين؟» قالوا: ومن أنت؟ قال: «أنا رسول الله»، ثم مرَّ بهم أبو لهب، فقالوا له: هل تعرف هذا الرجل؟ قال نعم، فأخبروه بما دعاهم إليه، وأنه زعم أنه رسول الله، فقال لهم: لا ترفعوا بقوله رأسًا، فإنه مجنون يهذي من أمِّ رأسه، فقالوا: لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما علم منهم أن لا منعة عندهم لم يكلمهم عن نصرته، وإنما اكتفى بعرض الإسلام عليهم وأن يلحقوا به عندما يظهره الله عز وجل، ويشترط كذلك أن يضعوا كل إمكانياتهم بين يدي طالب النصرة، وأن تكون نصرة مطلقة غير مقيدة بشرط، ويحرم على طالبها أن يأخذها مشروطة أو منقوصة، أخرج أبو نُعيم في الدلائل عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لما أمر الله عزّ وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر…) وذكر كلامًا طويلًا عما جرى بين أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم من جهة وبين بني شيبان، ثم قال المثنى ابن حارثة «قد سمعتُ مقالتك، واستحسنتُ قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمتَ به، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة، إِنَّما نزلنا بين صِيرَين: أحدهما اليمامة، والأخرى السَّماوة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما هذان الصِّيران؟» فقال له: أما أحدهما فطُفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإِنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا ولا نُؤوي محدِثًا، ولعلَّ هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، إِنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه». ثم نهضتُ قابضًا على يد أبي بكر، ثم دفعنا إِلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا سار النبي صلى الله عليه وسلم في طلب النصرة إلى أن هيَّأ الله عز وجل لرسوله الأنصار – الأوس والخزرج – فأسلم نفر منهم، ثم رجعوا إلى قومهم ودعوهم إلى الإسلام، فأسلم منهم عدد ليس بالقليل وأتَوا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعوه بيعة العقبة الأولى ثم أرسل معهم مصعبًا فأوجد رضي الله عنه الرأي العام في المدينة حتى فشا ذكر الإسلام وأسلم قادتهم، فأتَوه ونصروُه وبايعوه على إقامة دولة الإسلام في المدينة، وكان مما حصل بينهم في البيعة أن قالوا كما يروي الحاكم في مستدركه عمن حضر البيعة: يا رسول الله، علامَ نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد ابن زرارة وهو أصغر السبعين إلا أنه قال: رويدًا يا أهل يثرب، إنَّا لم نضرب إليه أكباد المطيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن يعضَّكم السيف، فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله عز وجل، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، قال: فقمنا إليه رجلًا رجلًا، فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة.
فكانت بيعة ممن يملكون سلطانًا في المدينة وعندهم القدرة على إقامة الدولة، ولم يشترطوا أي شرط لأنفسهم كما فعل غيرهم وقبلوا بكل ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها نصرة للدين الذي آمنوا به، ولأن الجنة تستحق ما قدموه بل وأكثر؛ فاشتروا الدنيا بالآخرة؛ فجازاهم الله بعز الدنيا وفلاح الآخرة، وأبقى رضاه عليهم قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة(وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠).

وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يصف منزلتهم في الإسلام فيقول: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبَّهم أحبَّه الله ومن أبغضهم أبغضه الله» ويقول صلى الله عليه وسلم مخاطبًا الأنصار كما يحدثنا الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري: «لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلكتم واديًا وشعبًا لسلكت واديكم وشعبكم، أنتم شعار والناس دثار، ولولا الهجرة كنت امرأً من الأنصار، ثم رفع يديه حتى إني لأرى بياض إبطيه ما تحت منكبيه فقال: «اللهم، اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار»

وها هم رضي الله عنهم يطمئنون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا رسول الله، إنَّا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿…فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون. فتأمل قولهم هذا وقول غيرهم من طلاب الدنيا، تأمل مواقفهم ومواقف طلاب الدنيا، تأمل منزلتهم ومنزلة طلاب الدنيا… وأين الثرى من الثرية؟!

فيا أبناء أمة الإسلام، يا إخوة الإيمان، يا أهل القوة والمنعة، ها نحن إخوانكم في حزب التحرير قد سرنا في هذا الطريق مقتفين أثر النبي صلى الله عليه وسلم فبنينا الكتلة، وأعددنا الرجال، وأوجدنا الرأي العام. وهاهي الأمة اليوم تضجُّ بمناداتكم وترفع الصوت عاليًا أننا لن نقبل إلا بسيادة شرع ربنا، وها نحن نستنصركم ونلتمس الإيمان الذي في قلوبكم ونذكِّركم بربكم، وبدينكم الذي ضُيِع، وبأمتكم التي استبيحت، وببلادكم التي تنقص من أطرافها، وبكرامتكم التي لم تعدْ، وبشرفكم وعرضكم الذي ينتهك ليل نهار… أن تنصروا الله ورسوله، أن تنصروا دينكم، أن تنصروا أمتكم، فاستجيبوا لله ورسوله إذا دعاكم لما يحييكم، والله معكم وهو حسبنا وحسبكم ولن يتركم أعمالكم… فضعوا أيديكم بأيدينا لنعيدها دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة، دولة تُعلي راية الإسلام وتهز أركان الكفر والطغيان، فسارعوا لفرضكم ووعد ربكم وبشرى نبيكم تَعِزُّوا وتُفلحوا، قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *