العدد 387 - السنة الثالثة والثلاثون، ربيع الثاني 1440هـ، كانون الأول 2018م

كيف تحبط دولة الخلافة محاولات إجهاضها حين نشوئها؟ (2)

كيف تحبط دولة الخلافة

محاولات إجهاضها حين نشوئها؟ (2)

 

نطرح الآن خطوطًا عريضة لتبيان كيفية العمل، علمًا أن عقول المشرفين على الخلافة (الخليفة وأعوانه) أكبر من عقل من يكتب هذه الأسطر، والواقع الدولي في حينه يكون أوضح من توقعاتنا له الآن، هذه الخطوط العريضة تتلخص فيما يلي:

  • خير أمة أخرجت للناس لا تستجدي حقها ولا تناله اختلاسًا؛ خير أمة لا ترضى أن تكون في ذيل الأمم، مهيضة الجناح، مستباحة البيضة، وهي تحمل للبشرية خير رسالة تؤهلها للوقوف بكل قوة في وجه هيمنة الحضارة الغربية.

  • إن الأفكار في أية أمة من الأمم هي أعظم ثروة تنالها الأمة في حياتها إن كانت أمة ناشئة، وأعظم هبة يتسلمها الجيل من سلفه إذا كانت الأمة عريقة في الفكر المستنير. أما الثروة المادية، والاكتشافات العلمية، والمخترعات الصناعية، وما شاكل ذلك فإن مكانها دون الأفكار بكثير، بل إنه يتوقف الوصول إليها على الأفكار، ويتوقف الاحتفاظ بها على الأفكار. فإذا دُمِّرَتْ ثروة الأمة المادية فسرعان ما يعاد تجديدها، ما دامت الأمة محتفظة بثروتها الفكرية. أما إذا تداعت الثروة الفكرية، وظلت الأمة محتفظة بثروتها المادية فسرعان ما تتضاءل هذه الثروة، وترتدّ الأمّة إلى حالة الفقر. كما أن معظم الحقائق العلمية التي اكتشفتها الأمة يمكن أن تهتدي إليها مرة أخرى إذا فقدتها دون أن تفقد طريقة تفكيرها. أما إذا فقدت طريقة التفكير المنتجة فسرعان ما ترتد إلى الوراء وتفقد ما لديها من مكتشفات ومخترعات. ومن هنا كان لا بد من الحرص على الأفكار أولًا. وعلى أساس هذه الأفكار، وحسب طريقة التفكير المنْتِجَة تُكْسَب الثروة المادية، ويُسعى للوصول إلى المكتشفات العلمية والاختراعات الصناعية وما شاكلها[1]

لا شك أن الفكر أمضى قوة من السلاح، فالاتحاد السوفياتي في أوج قوته وامتلاكه أسلحة كافية لتدمير الأرض كلها سقط في سويعات بسقوط المنظومة الفكرية التي قام عليها بعد أن وهن إيمان الشعب بها، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام الدولة الإسلامية في المدينة قبل أن ينقل إليها التكنولوجيا والأسلحة، أقامها بالفكر، وما هي إلا عشر سنوات حتى هاجمت أعظم إمبراطوريتين في الأرض وقتها، فقضت على الإمبراطورية الفارسية في زهاء عشر سنوات، وهزمت الإمبراطورية البيزنطية في الشام هزائم نكراء. من هنا، فإن العمود الأهم والركيزة الأقوى في بناء أي دولة هي أساسها الفكري، وهذا الأساس الفكري للدولة الإسلامية، بما في الإسلام من قوة فكرية، كفيل بضمان انتصارها!

  • وقد فشل الغرب الكافر أيما فشل في أن يبدل دين الأمة، أو يهز ثقتها بدينها، أو أن يقدم لها البديل، فالأمة رفضت اختيار العلمانيين في مصر، وتنظر إليهم بأنهم مصدر الفساد في باكستان وبنغلادش، وكل الأنظمة العلمانية في المنطقة تستند لقوة العسكر أو العمالة، ولم تنجح أميركا بتسويقهم إلا من خلال النموذج التركي الذي يحاول لبس عباءة الإسلام، أو هكذا ينظر إليه من يؤيده من المسلمين ظنًا منهم بأنه يتدرج لتطبيق الإسلام، ولكن العلمانية نفسها فشلت أيما فشل، ولا بد للدولة من أساس فكري، وحين فشل الغرب الكافر بتأسيس أساس فكري للدول في العالم الإسلامي، فإنه يكون وضع أهم المسامير في نعش مشروعه لتعطيل قيام الدولة الإسلامية القائمة على فكر راسخ لدى الأمة! “ومن المؤشرات التي تدل على ذلك أن عملية ترويج وتسويق تشريعات الكفر وأفكاره في بلاد المسلمين لا يُكتب لها النجاح إذا لم تصبغ بصبغة إسلامية، وإذا لم تُروِّج لها عمائم إسلامية باعت دينها بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين”[2].

  • ليس ثمة أقوى من فكرة آن أوانها[3]: في مقال نشرته «مؤسسة مناهَـضة الحرب» في 23/6/2006م، بقلم باتريك بوشانان المستشار الكبير السابق للرؤساء نيكسون وفورد وريغان، بعنوان «فكرة آن أوانها» تتكلم عن أن عملية إحياء للإسلام تجري اليوم، وأن فكرة الحكم الإسلامي تتوطد عراها بين المسلمين بالرغم من مقاومة الغرب الشديدة… ويدعو أميركا إلى انتهاج سياسة جديدة في تعاملها مع المسلمين. ومما جاء في المقال: “لقد كان بيلوك متنبئًا، فبينما تبدو النصرانية وكأنها في حالة موت في أوروبا، فإن الإسلام ينهض ليزلزل القرن الواحد والعشرين، كما فعل قبل عدة قرون سابقة. فعلًا، عندما نشاهد القوات المسلحة الأميركية، وهي تحارب السنة الثائرة على السلطة والمجاهدين الشيعة والجهاديين في العراق، وطالبان الخارجة على القانون، وهم يبتهلون إلى الله، تعود إلى أذهاننا كلمات فيكتور هيغو: “إن قوة أي جيش لا تضاهي انبعاث فكرة آن أوانها”.

إن الفكرة التي يعاديها كثير من المناوئين هي فكرة تفرض نفسها، فهم يعتقدون أن هنالك إلهًا واحدًا هو (الله) وأن (محمدًا) رسول الله، وأن الإسلام أو الخضوع للقرآن هو الطريق الوحيد إلى الجنة. وأن المجتمع الرباني يجب أن يحكم بواسطة الشريعة أي قانون الإسلام. وبعد اختبار طرق أخرى أدت إلى الفشل، فقد عادوا مجددًا إلى موطن الإسلام. إن جَلَدَ الإيمان الإسلامي مدهشٌ حقًا.

لقد بقي الإسلام على قيد الحياة، رغم مضـي قرنـين على الهــزيمة والذل الذي أصــاب الإمبراطورية العثمانية والقضاء على الخلافة في عهد مصطفى كمال. كما تحمَّل الإسلام حكم الغرب لأجيال عدة.

ثم يختم الكاتب مقالته بما يلي: “ما يتوجب على أميركا أن تدركه، هو شيء غير اعتيادي بالنسبة لنا: من المغرب إلى باكستان، لن تنظر لنا الأغلبية بعد الآن على أننا أشخاص طيبون. إذا كان الحكم الإسلامي فكرة تتوطد عراها بين الجماهير المسلمة، فكيف باستطاعة أقوى الجيوش على الأرض أن توقفها؟ ألسنا بحاجة إلى سياسة جديدة؟[4]

  • ومن دلائل ذلك نجد أن جورج بوش الأب، وهو في أوج جنون العظمة الأميركية، وحين كان يريد قتال العراق، قام صدام بملامسة الإسلام ملامسة خفيفة في بعض تصريحاته، إذ أشار إلى الأماكن المقدسة في السعودية، وإلى أن أميركا تسيطر الآن على هذه الأماكن، وحض المسلمين والعرب على التحرك ضد أميركا، فظهر الارتباك والرعب على بوش. وبرز ذلك في الخطاب الذي ألقاه بوش في 15/08/90 في وزارة الدفاع الأميركية. قال بوش: «إن العمل الأميركي في الخليج لا يتعلق بالدين أو بالطمع أو بالفروقات الثقافية كما يحاول العراق تصويره». وأضاف بوش: «إن صدام ادعى أنها جهاد العرب ضد الكفار… وهو من استعمل الغاز السام ضد الرجال والنساء والأطفال في بلده، وهو الذي غزا إيران في حرب كلّفت أرواح أكثر من نصف مليون مسلم» وأضاف: «صدام حول الغنى إلى الفقر بسبب الحرب التي شنّها على المسلمين الآخرين» وأضاف: «صدام يصوّرها صراعًا بين العرب والأميركيين، والحقيقة أن صدام هو الذي يهدد الآن الأمة العربية في حين إننا نسعى إلى مساعدة أصدقائنا العرب» وأضاف: «نحن لسنا وحدنا ضد صدام بل تقف معنا الدول العربية والإسلامية المحيطة به».

إن هذه العبارات من بوش تدل على أنه يرتعد خوفًا من تحول المواجهة بين أميركا والعراق إلى مواجهة بين أميركا والعرب، ويخاف أكثر وأكثر من تحولها إلى مواجهة بين أميركا والمسلمين. ولذلك كرر كلمة العرب والمسلمين مرات كثيرة وحاول أن يصوّر أميركا أنها صديقة العرب وصديقة المسلمين، وأن العراق هو عدو العرب وهو عدو المسلمين[5].

  • إن الناس الذين دخلوا مع المسلمين في الصراع الدموي على مر العصور، لم يكونوا يدركون مدى ما للعقيدة الإسلامية، أي للفكر، من قوة وتأثير في القوة المادية، ولذلك كانوا يعتمدون على زيادة قوتهم المادية على قوة المسلمين ليهزموا المسلمين، ولكنهم بالرغم من هذه الزيادة في القوة كان المسلمون ينتصرون عليهم رغم ضعف المسلمين وقلة عددهم، ولم تنفع زيادة القوة المادية أصحابها في ميادين الحرب، وظل النصر حليفًا للمسلمين. هكذا كان حال المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهكذا كان حال الروم والفرس مع الصحابة، يقف ثلاثة آلاف من المسلمين أمام مائتي ألف من الروم في مؤتة، وفي اليرموك كان تعداد المسلمين 36 ألفا مقابل 240 ألفا من الروم، بأسلحتهم ودروعهم وعتادهم الحربي الذي فاق كثيرًا ما لدى المسلمين. وكان تعداد جيش الفتح الذي اجتاح فارس 18 ألفًا من المسلمين، لم تصمد أمامهم راية، وانهارت مدائن الفرس واحدة تلو الأخرى. وفي القادسية كان المسلمون 30 ألفًا، والفرس حوالى 200 ألف، وانتصر المسلمون، وقضوا على الإمبراطورية الفارسية ما بين 11ه، و23ه قضاء تامًا. وما خسر المسلمون الحرب إلا مرتين اثنتين ليس غير، إحداهما في الحروب الصليبية قد خسروا الحرب وإن عادوا واستأنفوا الحرب وكسبوها، والثانية في القرن التاسع عشر الميلادي بطوله حتى انتهت بهزيمتهم نهائيًا في الحرب العالمية الأولى.

  • هناك حقيقة وهي أن أميركا خاضت حروبًا ضد العالم الإسلامي استنزفتها، وأغرقتها في وحل الديون، لقد بلغت تكلفة الحرب على العراق ثلاثة تريليونات دولار، بحسب جوزيف ستيغلتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، قال: “بات من الجلي الآن أن الغزو الأميركي للعراق كان خطأ فادحًا، فثمة نحو من 4000 جندي أميركي قضوا نحبهم فيه، بالإضافة إلى 58000 آخرين سقطوا ما بين جريح أو متأذ أو مصاب بمرض خطير، ناهيك عن 7300 جندي جرحوا أو تأذوا أو أصيبوا بمرض خطير في أفغانستان، وقد عاد مائة ألف جندي أميركي من الحرب وهم يعانون من اضطرابات خطيرة في صحتهم العقلية والنفسية، الشطر الأكبر منها ستتحول إلى بلوى مزمنة.[6] وأما الحرب على أفغانستان، فما زالت تكلف الخزينة الأميركية حوالى 45 مليار دولار سنويًا، وبحسب الـ بي بي سي: “وحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية الذي يترأسه أنطوني كوردسمان فإن الكلفة المباشرة للحرب في أفغانستان بما في ذلك المبلغ المخصص لها للعام المقبل قد بلغت 841 مليار دولار. بينما تقول تقديرات أخرى إن هذه الحرب التي دخلت عامها السادس عشر (2017) قد تجاوزت تريليون دولار إذا أخذنا بعين الاعتبار كلفتها غير المباشرة، دون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى نهاية قريبة لهذه الحرب. فعلى سبيل المثال ترى نيتا كراوفورد، منسقة مشروع كلفة الحروب في جامعة براون الأميركية أن كلفة الحروب الأميركية في كل من العراق وأفغانستان وباكستان منذ عام 2001 قد قاربت 5 تريليون دولار من بينها 2 تريليون كلفة الحرب الأفغانية بما في ذلك الكلفة المتوقعة مستقبلًا”[7].

  • حين أرادت أميركا خوض حربها ضد العراق قامت بتجنيد كم هائل من المرتزقة، بعد أن يئست من أن يتجاوب الشارع الأميركي معها فيتطوع لخوض غمار تلك الحرب، فجندت أميركا 200 ألف مرتزق في حرب العراق[8]، من خلال بضع شركات استفادت من ذلك الوضع مثل شركات: Blackwater USA , Dyn Corp, Triple Canopy, Erinys and Armor Group، وأميركا لا تملك ضبطًا ولا ربطًا لجرائمهم، وسلوكهم، وفوق ذلك لا تملك ولاءهم، خصوصًا إذا عرفنا أن قسمًا كبيرًا منهم ليسوا من الأميركيين، بل من المهاجرين الذين وعدتهم الحكومة وقتها بتحسين أوضاع هجرتهم، وحين رجعوا من تلك الحرب تنكرت لهم، وواجهوا مشاكلهم الصحية والنفسية والمالية بأنفسهم.

هذا، وبحسب بعض التقديرات من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركان، فإن 40% مما ينفق على الحروب الأميركية تجنيه تلك الشركات الخاصة التي تجند المرتزقة، وهذه تكلفة ضخمة وعبء كبير على كاهل بلد بلغت ديونها أكثر من عشرين تريليون دولار!

إن أي حرب تخوضها أميركا ضد العالم الإسلامي كفيلة بتقليص قدراتها العسكرية بما يزيد على 20% على أقل تقدير، وهذا يقلص المسافة بينها وبين كل منافسيها في العالم من روسيا والصين، ويضع قدرتها على البقاء مهيمنة عليه على المحك، فهي ولا شك ستخرج خاسرة من الحرب على العالم الإسلامي مهما كانت تلك المحاولة. ولذلك فهي استعانت بإيران وروسيا وتركيا في حربها في الشام، فقامت روسيا بمساعدتها في حربها ضد فصائل وتنظيمات في الشام، وأحرقت الأخضر واليابس فيها، ولكن الوضع مختلف حين تواجه دولة!

  • حين كانت أميركا تحدث نفسها بضرب إيران إبان البرنامج النووي الإيراني، قام الصحفي المشهور سيمون هيرش[9] بإعداد دراسة عن تلك الحرب، خلص فيها، بعد استشارة خبراء عسكريين واستراتيجيين، أنه لا يمكن حسم نتيجة أي حرب من الجو، ولا بد من المواجهة البرية، وقد استقرأ حروبًا كثيرة، لم تحسم بالقصف الجوي مهما بلغت قوته، ومن ثم فإن إرسال الجنود برًا في عمق العالم الإسلامي لن يكون مغامرة محسومة النتائج لأميركا!

  • وحين دخلت أميركا في حرب ضد العراق، قامت بتجييش 23 دولة معها، واستغرق الإعداد ستة أشهر، ولم يكن لينجح لولا الدعم اللوجستي والانطلاق من قواعد في العالم الإسلامي مثل السعودية والكويت، وهذا كله بسوء عملاء العالم الغربي من حكام المسلمين، ولكن حين تقوم الخلافة إن شاء الله تعالى ستنهار تلك الأنظمة الكرتونية انهيار أحجار الدومينو، فهي أنظمة بالغة الهشاشة، ولا امتداد لها في العالم الإسلامي، ولذلك سيصعب على أميركا أن تجد لها منطلقًا سهلًا تنطلق فيه لحرب مصيرية كتلك التي ستحاول من خلالها إجهاض الدولة الإسلامية.

  • لقد أنفقت دويلات الضرار على التسليح مبالغ فلكية، وهناك دول تملك قوة هائلة حقيقية مثل تركيا، وباكستان، ومن طبيعة الجيوش هي أنها تتربى على الطاعة للأوامر، لذلك فإننا إذا استطعنا العمل على إزاحة طبقة العملاء في قيادات الجيوش، والعمل على الاستنصار بالطبقة المخلصة من الضباط المنتمين لهذه الأمة الذين يعتنقون العقيدة الإسلامية، فإن أمر تغير الجيوش لصالح الأمة أسهل من تغير الناس العاديين، لأنهم بطبيعة الحال سيستجيبون للأوامر التي تأتيهم من الطبقة المخلصة، والدولة التي تمتلك مضادات للصواريخ وللطائرات، وضباطًا متدربين أصحاب خبرات عسكرية، يصعب الانتصار عليها بقصفها من الجو، ويصعب احتلالها، وإن احتلال المدن الرئيسية في العالم الإسلامي كبغداد والقاهرة وإسطنبول وإسلام أباد ليس برحلة سياحية سهلة! ومرة أخرى لا تصح المقارنة بين ما جرى على الأنظمة المهترئة وبين الدولة الإسلامية المخلصة!

  • تمتلك الأمة الإسلامية ثروات هائلة ليس بمقدور العالم التخلي عنها، من ذلك مثلًا المخزون الهائل من الطاقة، وما بين قيام الخلافة ومحاولات القيام بحرب ضدها، تكون الخلافة قد قطعت تلك الإمدادات عن العالم كله، فتستفحل الأزمات الاقتصادية، وتتعطل الحياة في الغرب بحيث تتعرض حكوماته لضغوط شعبية هائلة، فتمد دولة الخلافة يدها لإقامة تحالفات استراتيجية مهمة مقابل تلك الطاقة، فتقسم المعسكر المناوئ قسمين وتجعل مهمة القسم المعادي بالغة الصعوبة. وتتعاقد مع علماء وشركات عابرة للقارات على إنشاء صناعات ومراكز أبحاث أو شراء معدات لازمة، وتبدأ رحلة التصنيع الثقيل ونقل التكنولوجيا.

  • تتحرق الشعوب الإسلامية للخلاص من حكامها وأنظمتها التي سامتها الويلات، وتتحرق للانعتاق من أوضاعها الكارثية التي وصلت إليها، وتتربص بتلك الأنظمة، وتتحرق شوقًا للانقضاض عليها، وتنظر إلى التغيير بعين الترقب والأمل، وترى وحدتها مصدر قوتها، وحين تسقط تلك الأنظمة، فإنها لن تجد من يناضل عنها لإعادتها، وستجد الأمة تلتف لمنع الرجوع للوراء تابعة للغرب الكافر، ومع الأخذ بالاعتبار أن تلك الأنظمة بالغة الهشاشة والاهتراء، وسهلة السقوط، لذلك فإن انتشار الدولة الإسلامية وامتدادها حال قيامها سيعطيها مساحات واسعة، وبعدًا استراتيجيًا هائلًا، فلا تكون وقتها مجرد عاصمة في بلد ما يمكن غزوها، بل تصبح دولة مترامية الأطراف، وحرب مثل هذه الدولة ليست نزهة سريعة، ولا حربًا خاطفة. والمسلمون لا يتعاطفون الآن مع الأنظمة القائمة في بلادهم، لأنها فُرضت عليهم دون إرادتهم، وهي تناقض عقيدتهم وشريعتهم. وهي بدل أن ترعى شؤونهم تأكلهم، وبدل أن تحافظ عليهم تظلمهم وتذلهم وتكمّ أفواههم. فلا يصح أن نقيس موقف المسلمين من دولتهم الإسلامية على موقفهم من دول الكفر والظلم القائمة الآن. وإذا كان الموقف ليكون وقتها هو هو بعد قيام الدولة، فلا تكون الدولة دولة إسلامية ولو تسمّتْ بهذا الإسلام! وعندئذ ستكون دولة بوليسية تحتاج إلى حماية نفسها من شعبها وليس فقط من الدول الخارجية.

إن الدولة التي يحتضنها شعبها لا يمكن إسقاطها بمجرد إسقاط حاكمها، لأن كل فرد فيها يشعر بالمسؤولية ويدافع عنها من الموقف الذي هو فيه؛ تحقيقًا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتين من قبلك» وذلك كالجند في المعركة إذا سقط حامل الراية فسرعان ما يخف غيره لرفعها كي تستمر مرفوعة. هذا الالتفاف من الأمة حول دولتها، وهذا الشعور بالمسؤولية تجاهها، وهذا التصميم الرائع الراسخ على الدفاع عنها الذي يصل إلى جعلها قضية مصيرية تحيا وتموت من أجلها: هذا هو الذي يجعل الدولة الإسلامية تستمر رغم أنف الخصوم.

الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه «أميركا والفرصة التاريخية» الصادر في سنة 1992م، يلفت نظر الغرب مؤكدًا على هذه الحقيقة بقوله: «هناك عنصران مشتركان فقط في العالم الإسلامي: الدين الإسلامي، ومشاكل الاضطراب السياسي، والإسلام ليس دينًا فقط بل هو أيضًا الأساس لحضارة كبرى، ونحن نتحدث عن العالم الإسلامي ككيان واحد، ليس لأن هنالك مركزًا سياسيًا يوجه سياسته، بل لأن الشعوب التي يتكون منها تتشارك في تيارات سياسية وثقافية مصدرها الحضارة الإسلامية. فالتحركات السياسية في مختلف بلاد العالم الإسلامي تجري وفقًا لإيقاع واحد بصرف النظر عن الفوارق بين هذه البلاد. هذه الوحدة في المعتقد وفي السياسة تغذي تضامنًا غير متين ولكنه حقيقي: عندما يقع حدث خطير في جزء من العالم الإسلامي يسمع له صدى أكيد في بقية الأجزاء».

  • هناك حقيقة تقول: (إن الشعوب لا تتحرك إلا إذا حُرّكتْ)، وانطلاقًا من ذلك، فإن على القيّمين على الدولة الناشئة أن يتولوْا تحريك الأمة بأقوى وأسرع ما يمكن. قبل قيام الخلافة لا تكون وسائل الإعلام والتحريك بأيدي دعاة الخلافة؛ ولذلك يكون تأثيرهم في هذا المجال محدودًا. أما حين تقوم الخلافة وتصبح هذه الوسائل بأيدي القيّمين عليها، فإن الواجب يحتّم عليهم أن يستثمروا هذه الوسائل وكل الوسائل لتعبئة الأمة وشحن نفوسها. إذ لا نوم ولا راحة بعد اليوم حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. الأمة الإسلامية مع دولتها الناشئة في سباق مع الزمن.

  • حين تتدخل أميركا مع حلفائها وعملائها عسكريًا لهدم الخلافة لا يكون التصدي لها عن طريق الجيش النظامي وحده، بل لا بد أن تشترك الأمة مع الجيش النظامي في صد العدوان. فالجيش النظامي والأمة ستحاربهم بالحرب الشعبية وحرب العصابات.

وهذا التصوّر يوجب على القيّمين على دولة الخلافة أن يبادروا من اللحظة التي تقوم فيها الخلافة إلى:

  • أ‌- استدعاء جميع القادرين على حمل السلاح في الأمة لتدربهم على أساليب الحرب الشعبية، وعلى أساليب حرب العصابات، وأن تخضعهم إلى دورات مكثّفة وسريعة تشحنهم خلالها بالإيمان وأفكار الصبر والتضحية والاستشهاد وعدم الفرار، كما تدربهم على مختلف الأساليب والأسلحة اللازمة للحرب الشعبية.

  • ب‌- توزيع الأسلحة على جميع من تم تدريبهم وأن تربط كل مجموعة بقائد منها من القادة الشعبيين.

  • ت‌- إخضاع الجيش النظامي كله إلى دورات فكرية – إيمانية – استشهادية قوية وسريعة بحيث تصبح نفسيته واستعداده على المستوى المطلوب من المجاهدين المؤمنين.

  • ث‌- دعوة أبناء الأمة الذين ليسوا تحت حكم الخلافة لأن يتطوعوا ويأتوا إليها لتقوم بتدريبهم وتأهيلهم للقيام بأعمال لنصرة الخلافة، سواء داخل الخلافة أم في أماكن أخرى من العالم.

  • ج‌- تدريب مجموعات ذات أهلية مناسبة لتنشر فورًا في أنحاء العالم الإسلامي وفي أنحاء العالم للقيام بأعمال الضغط المناسبة لدعم الخلافة.

وفي هذا كله تكون الدولة في سباق حثيث مع الزمن قبل وقوع التدخل العسكري من الأعداء.

  • في هذه الأجواء تكون أنظار العالم مسلّطة على الخلافة وموقف العالم منها. وتكون مشاعر المسلمين في العالم مع خلافتهم وهم مستعدون للتضحية من أجل دعمها، وهذا يوجب على دولة الخلافة أن تحسن استغلال هذه الموجة المشاعرية الإسلامية العارمة. وقد رأينا ردود الفعل العنيفة من قبل المسلمين حين كانت أزمة الرسومات الكاريكاتورية من الدنمارك وفرنسا، واشتعال نار الغضب في العالم الإسلامي، وهذا ولا شك يهدد المصالح الغربية في غير بقعة من العالم الإسلامي مما لا يحتمله الغرب.

  • لا يتصور وجود أشخاص أو حركات أو جماعات داخل الدولة الإسلامية تستطيع أن تكون حيادية في هذه المعركة الفاصلة بين الإسلام والكفر. حتى خارج الدولة الإسلامية يصعب تصوّر وجود علماء مسلمين يجهرون بتبعيتهم لأميركا أو عملاء أميركا والغرب كما حصل حين حرب الخليج؛ لذلك وحين ترى أميركا وحلفاؤها وقوف الأمة الإسلامية وقفة رجل واحد، ومستعدة للموت دفاعًا عن دينها ودولتها، فإن أميركا قد تعدل عن التدخل إلى الحصار الاقتصادي وما شاكله. وليس بالأمر السهل أن تنفذ الحصار في الوقت الذي تتحكم فيه الدولة الإسلامية بموارد طاقة هائلة يحتاجها العالم كله، وبذلك تكون الأمة قد حققت نصرًا قبل خوض المعركة العسكرية. وإذا ركبت أميركا رأسها، فإن الخلافة لا تَسْقط. وصمود الأمة سيغْلِب الدولَ المعتدية ويَغْلِبُ عملاءهم الذين يحاولون تنصيبهم. ولن تتعاون الأمة مع أي عميل ينصبه الكفّار حاكمًا للمسلمين. حتى إن حرسه سيقدم على تصفيته. وإذا أرادت أميركا أن تضع له حرسًا من جنودها فإن الأمة ستصطاد العميل وحرسه كما تصطاد العصافير. وسيخرج الكفّار في النهاية مدحورين.

  • ولقد جرت سنة الله تعالى الإلهية بنصر من ينصره، وقد وعد الله تعالى، ووعده حق، بنصر المؤمنين واستخلافهم والتمكين لدينه، ومن كان الله تعالى ناصره فلا غالب له!

﴿ …وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ ﴾[10]

[1] مقدمة كتاب: النظام الاقتصادي في الإسلام لتقي الدين النبهاني.

[2] “فالديمقراطية مثلًا لا يُرَوَّجُ لها «الآن» في بلاد المسلمين على اعتبار أنها تعني: أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولا أنها تعني أن المشرع هو الإنسان وليس الله تعالى. وإنما يُروَّج لها على اعتبار أنها تعني رفع الأحكام القمعية التي تفرضها أنظمة الحكم البوليسي التي تتحكم في رقاب المسلمين، وعلى اعتبار أنها هي الشورى. وعلى ذلك فإن الدعاية لترويج وتسويق الديمقراطية في بلاد المسلمين إنما تكون للّفظ دون المعنى الحقيقي الذي تدل عليه. وبالتالي فإن قبول المسلمين للديمقراطية إن وجد فهو قبولٌ لِلّفظ المقترن بالمدلول الإسلامية ليس غير”

 اتجاه الرأي العام في العالم الإسلامي د. ماهر عبد الجواد، الوعي العدد 93 كانون الثاني 1994.

[3] إعرف عدوك: فكرة الحكم بالإسلام تتوطد عراها بين المسلمين، مجلة الوعي العدد 234-235

[4] An Idea Whose Time Has Come؟ Patrick J. Buchanan

[5] كلمة الوعي: أميركا ترتعب من الإسلام العدد 41

[6] حرب الثلاثة تريليونات دولار، الكلفة الحقيقية لحرب العراق، جوزيف ستيغلتز، ص 11

[7] الكلفة الفلكية للحرب الأميركية في أفغانستان بي بي سي 22- آب – 2017.

[8] The Mercenary Revolution: Flush with Profits from the Iraq War,

[9] The Iran Plans, Our Men in Iran؟, Iran And the Bomb, Shifting Targets, the next act, last stand.

[10] أين وصلت الأمة في رحلة العودة إلى الخلافة؟ الوعي العدد 75، بتصرف كبير.

شاهد أيضاً

w388

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (388)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (388) جمادى الأولى 1440هـ – كانون الثاني/يناير 2019م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *