العدد 24 - السنة الثانية – العدد الثاني عشر – رمضان 1409هـ، الموافق نيسان 1989م

شهر الصيام: شهر الصيام الأحكام الشرعية

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا البحث مأخوذ حرفياً من كتاب (روائع البيان تفسير آيات الأحكام)

بقلم: محمد علي الصابوني الجزء الأول ص200

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الحكم الأول:

هل فرض على المسلمين صيامٌ قبل رمضان؟

يدل ظاهر قوله تعالى: ]أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ[ على أن المفروض على المسلمين من الصيام إنما هو هذه الأيام (أيام رمضان) وغلى هذا ذهب أكثر المفسرين، وهو مروي عن ابن عباس والحسن، واختاره ابن جرير الطبري.

وروي عن قتادة وعطاء أن المفروض على المسلمين كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض عليهم صوم رمضان، حجتهم أن قوله تعالى: ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ[ يدل على أنه واجب على التخيير، وأمّا صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان.

واستدل الجمهور بأن قوله تعالى: ]كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ[ مجمل يحتمل أن يكون يوماً أو يومين أو اكثر من ذلك، فبيّنه بعض البيان بقوله: ]أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ[ وهذا أيضاً يحتمل أن يكون اسبوعاً أو شهراً، فبيّنه تعالى بقوله: ]شَهْرُ رَمَضَانَ[ فكان ذلك حجة واضحة على أنّ الذي فرضه على المسلمين هو شهر رمضان.

قال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جلّ ثناؤه بقوله: ]أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ[ أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله: ]شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ[ فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات هي شهر رمضان».

الحكم الثاني:

ما هو المرض والسفر المبيح للافطار؟

اباح الله تعالى للمريض والمسافر الفطر في رمضان، رحمة بالعباد وتيسيراً عليهم، وقد اختلف الفقهاء في المرض المبيح للفطر على أقوال:

أولاً: قال أهل الظاهر: مطلق المرض والسفر يبيح للانسان الافطار حتى ولو كان السفر قصيراً والمرض يسيراً حتى من وجع الاصبع والضرس، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين.

ثانياً: وذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر، هو المرض الشديد الذي يؤدي إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، أو يُخشى معه تأخر البرء، والسفر الطويل الذي يؤدي إلى مشقة في الغالب، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.

دليل الظاهرية:

استدل اهل الظاهر بعموم الآية الكريمة ]فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ[ حيث أُطلق اللفظ ولم يُقيّد المرض بالشديد، ولا السفر بالبعيد، فمطلق المرض والسفر يبيح الافطار، حكي أنهم دخلوا على (ابن سيرين) في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع اصبعه.

وقال داود: الرخصة حاصلة في كل سفر، ولو كان السفر فرسخاً لأنه يقال له: مسافر، وهذا ما دلّ عليه ظاهر القرآن.

دليل الجمهور:

استدل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لا كلفة معه لا يبيح الافطار بقوله تعالى في آية الصيام ]يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ[ فالآية قد دلت على أن الفرض من الترخيص، المرض خفيفاً قد دلت على أن الغرض من الترخيص، هو دفع المشقة فإذا كان المرض خفيفاً والسفر قريباً فلا يقال إن هناك مشقة رفعت عن الصائم، فأي مشقة من وجع الاصبع والضرس؟

الترجيح: أقول ما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح الذي يتقبله العقل بقبول حسن، فإن الحكمة التي من أجلها رُخص للمريض في الافطار هي ارادة اليسر، ولا يراد اليسر إلاّ عند وجود المشقة، فأي مشقة في وجع الاصبع، أو الصداع الخفيف والمرض اليسير، الذي لا كلفة معه في الصيام. ثم إن من الأمراض ما لا يكون شفاؤه إلا بالصيام، فكيف يباح الفطر لمن كان مرضه كذلك؟ ولم يكلفنا الله جلّ وعلا إلاّ على حسب ما يكون في غالب الظن، فيكفي أن يظهر أن الصوم يكون سبباً للمرض، أو زيادة العلّة، أما الاطلاق فيه أو التضييق فأمرٌ يتنافى مع إرادة اليسر بالمكلفين.

قال القرطبي: «للمريض حالتان: إحداهما ـ ألاّ يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً».

الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل وقال جمهور العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف زيادته صحّ له الفطر، واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة: هو خوف التلف من الصيام، وقال مرة: هو شدة المرض، والزيادة فيه، والمشقة الفادحة، وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر»ز

الحكم الثالث:

ما السفر المبيح للافطار؟

وأما السفر المبيح للافطار فقد اختلف الفقهاء فيه بعد اتفاقهم على أنه لا بدّ أن يكون سفراً طويلاً على أقوال:

أ- قال الأوزاعي: السفر المبيح للفطر مسافة يوم.

ب- وقال الشافعي وأحمد: هو مسيرة يومين وليلتين، ويقدر بستة عشر فرسخاً.

ج- وقال أبو حنيفة والثوري: مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ويقدر بأربعة وعشرين فرسخاً.

حجة الأوزاعي:

أنّ السفر أقل من يوم سفرٌ قصير قد يتفق للمقيم، والغالب أن المسافر هو الذي لا يتمكن من الرجزع إلى أهله في ذلك اليوم، فلا بدّ أن يكون أقل مدة للسفر يومٌ واحد حتى يباح له الفطر.

حجة الشافعي واحمد:

أولاً: أن السفر الشرعي هو الذي تُقصر فيه الصلاة، وتعبُ اليوم الواحد يسهل تحمله، أمّا إذا تكرر التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة.

ثانيا: ما روي عن النبي أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرد من مكة إلى عسفان»

قال أهل اللغة: وكل برد أربعة فراسخ، فيكون مجموعة ستة عشر فرسخاً.

ثالثاً: ما روي عن عطاء أنه قال لابن عباس: اقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى مرّ الظهران؟ فقال: لا، ولكن اقصر إلى جدة وعسفان، والطائف.

قال القرطبي: والذي في البخاري: «وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في اربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً».

وهذا هو المشهور من مذهب مالك رحمه الله، وقد روي عنه أنه قال: أقله يوم وليلة، واستدل بحديث «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يومٍ وليلة إلا ومعها ذو محرم». رواه البخاري.

حجة ابي حنيفة والثوري:

أولاً: واحتج أبو حنيفة بأن قوله تعالى: ]فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[ يوجب الصوم، ولكنّا تركناه في الثلاثة الأيام للاجماع على الرخصة فيها، أما فيما دونها فمختلف فيه فوجب الصوم احتياطاً.

ثانياً: واحتج بقوله عليه السلام: «يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها». فقد جعل الشارع علة المسح ثلاثة أيام السفرُ، والرخص لا تعلم إلاّ من الشرع، فوجب اعتبار الثلاث سفراً شرعياً.

ثالثاً: وبقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم» فتبيّن أن الثلاثة قد تعلق بها حكم شرعي، وغيرها لم يتعلق فوجب تقديرها في إباحة الفطر.

قال ابن العربي في تفسيره أحكام القرآن: وثبت عن النبي أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلاّ ومعها ذو محرم» وفي حديث «سفر ثلاثة أيام» فرأي أبو حنيفة أن السفر يتحقق في أيام: يوم يتحمل فيه عن أهل، ويوم ينزل فيه في مستقره، واليوم الأوسط هو الذي يتحقق فيه السير المجرد، فرجل احتاط وزاد، ورجل ترخّص، ورجل تقصّر».

أقول: أمور العبادة ينبغي فيها الاحتياط، ولما ثبت عنه منع المرأة من السفر مسيرة ثلاثة أيام، وثبت يوم وليلة وكلاهما في الصحيح، لذا كان العمل بالثلاث أحوط، فلعل ما ذهب إليه أبو حنيفة يكون ارجح والله أعلم.

الحكم الرابع:

هل الافطار للمريض والمسافر رخصة أم عزيمة؟

ذهب أهل الظاهر إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا، ويصوما عدة ايام أخر، وأنهما لو صاما لا يجزئ صومهما لقوله تعالى: ]فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[ والمعنى: فعليه عدة من أيام أخر، وهذا يقتضي الوجوب. وبقوله عليه السلام: «ليس من البر الصيام في السفر» وقد روي هذا عن بعض علماء السلف.

وذهب الجمهور وفقهاء الأمصار إلى أن الافطار رخصة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام واستدلوا بما يلي:

أ- قالوا: إن في الآية إضماراً تقديره: فأفكر فعليه عدة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: ]فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ[ والتقدير: فضرب فانفجرت، وكذلك قوله تعالى: ]فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ[ أي فحلق فعليه فدية الاضمار في القرآن كثير لا ينكره إلا جاهل.

ب- واستدلوا بما ثبت عن النبي بالخبر المستفيض أنه صام في السفر.

ج- وبما ثبت عن أنس قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم».

د- وقالوا: إن المرض والسفر من موجبات اليسر شرعاً وعقلاً، فلا يصح أن يكونا سبباً للعسر.

وأما ما استدل به أهل الظاهر من قوله عليه السلام ليس من البر الصيام في السفر» فهذا واردٌ على سبب خاص وهو أن النبي رأى رجلاً يظلّل والزحام عليه شديد فسأل عنه فقالوا: صائم أجهده العطش فذكر الحديث.

قال ابن العربي في تفسيره أحكام القرآن: «وقد عُزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره، وهذا لا يقول به إلا الضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول، وقوة الفصاحة، تقتضي تقدير (فأفطر) وقد ثبت عن النبي الصوم في السفر قولاً وفعلاً وقد بينا ذلك في شرح الصحيح وغيره».

الحكم الخامس:

هل الصيام أفضل أم الافطار؟

وقد اختلف الفقهاء القائلون بأن الافطار رخصة في أيهما أفضل؟

فذهب أبو حنيفة، والشافعي، ومالك إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عله، ومن لم يقو على الصيام كان الفطر له أفضل، أما الأول فلقوله تعالى: ]وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ[ وأما الثاني فلقوله تعالى: ]يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ[.

وذهب أحمد رحمه الله إلى أن الفطر أفضل أخذاً بالرخصة، فإن الله تعالى يجب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.

وذهب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى أنّ أفضلهما أيسرهما إلى المرء.

الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح لقوة أدلتهم والله تعالى أعلم.

الحكم السادس:

هل يجب قضاء الصيام متتابعاً؟

ذهب علي، وابن عمر، والشعبي إلى أنّ من أفطر لعذر كمرض أو سفر قضاه متتابعاً، وحجتهم أن القضاء نظيراً الأداء، فلما كان الأداء متتابعاً، فكذلك القضاء.

وذهب الجمهور إلى أن القضاء يجوز فيه كيف ما كان، متفرقاً أو متتابعاً، وحجتهم قوله تعالى: ]فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[ فالآية لم تشترط إلا صيام ايام بقدر الأيام التي أفطرها، وليس فيها ما يدل على التتابع فهي نكرة في سياق الاثبات، فأي يومٍ صامه قضاءً أجزأه.

واستدلوا بما روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: «إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواصل وإن شئت ففرّق».

الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الجمهور لوضوح أدلتهم والله أعلم.

الحكم السابع:

ما المراد من قوله تعالى: ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ[؟

يرى بعض العلماء أن الصيام كان قد شرع ابتداءً على التخيير، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى، يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ]فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[ وهذا رأي الأكثرين واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم عن (سلمة الأكوع) أنه قال: لما نزلت هذه الآية ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ[ كان من شاء منّا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ]فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[ وهذا مروي عن ابن مسعود، ومعاذ، وابن عمر وغيرهم.

ويرى آخرون: أن الآية غير منسوخة، وأنها نزلت في الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي يُجهده الصوم، وهذا مروي عن ابن عباس.

قال ابن عباس: «رُخّص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه».

وروى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.

وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة، ويكون معنى قوله تعالى: ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ[ أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدّة والمشقة، ويؤيده قراءة (يطوّقونه) أي يكلّفونه مع المشقة.

الحكم الثامن:

ما هو حكم الحامل والمرضع؟

الحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما أفطرتا، لأن حكمهما حكم المريض، وقد سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما فقال: أيّ مرضٍ أشد من الحمل؟ تفطر وتقضي.

وهذا باتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا هل يبج عليهما القضاء مع الفدية، أم يجب القضاء فقط؟

ذهب أبو حنيفة: إلى أن الواجب عليهما هو القضاء فقط، وذهب الشافعي وأحمد إلى أن عليهما القضاء مع الفدية.

حجة الشافعي وأحمد:

أن الحامل والمرضع داخلتان في منطوق الآية الكريمة ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ[ لأنها تشمل الشيخ الكبير، والمرأة الفانية، وكل من يُجهده الصوم فعليهما الفدية كما تجب على الشيخ الكبير.

حجة أبي حنيفة:

أولاً: أن الحامل والمرضع في حكم المريض، ألا ترى إلى قول الحسن البصر: أي مرض أشدّ من الحمل؟ يفطران ويقضيان، فلم يوجب عليهما غير القضاء.

ثانياً: الشيخ الهرم لا يمكن ايجاب القضاء عليه، لأنه إنما سقط عنه الصوم إلى الفدية لشيخوخته وزمانته، فلن يأتيه يوم يستطيع فيه الصيام، أما الحامل والمرضع فإنهما من أصحاب الأعذار الطارئة المنتظرة للزوال، فالقضاء واجب عليهما، فلو أوجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز، لأن القضاء بدل، والفدية بدل، ولا يمكن الجمع بينهما لأن الواجب أحدهما.

وقد روي عن الامام أحمد والشافعي: أنهما إن خافتا على الولد فقط وأفطرتا فعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما وعلى ولدهما، فعليهما القضاء لا غير.

الحكم التاسع:

بم يثبت شهر رمضان؟

يثبت شهر رمضان برؤية الهلال، ولو من واحد عدل أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ولا عبرة بالحساب وعلم النجوم، لقوله : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً».

فبواسطة الهلال تعرف أوقات الصيام والحج كما قال تعالى: ]يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[ فلا بدّ من الاعتماد على الرؤية، ويكفي لاثبات رمضان شهادة واحد عدل عند الجمهور، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» وأما هلال شوال فيثبت بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوماً، ولا تقبل فيه شهادة العدل الواحد عند عامة الفقهاء.

وقال مالك: لا بدّ من شهادة رجلين عدلين، لأنه شهادة وهو يشبه إثبات هلال شوال، لا بدّ فيه من اثنين على الأقل.

قال الترمذي: والعمل عند أكثر أهل العلم على أنه تقبل شهادة واحدٍ في الصيام.

روى الدارقطني: أنّ رجلاً شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان.

الحكم العاشر:

هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟

ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة: إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم  على بقية البلاد لقوله : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعاً.

وذهب الشافعية: إلى أن يعتبر لأهل بلد رؤيتهم، ولا تكفي رؤية البلد الآخر، والأدلة تطلب من كتب الفروع فارجع إليها هناك.

الحكم الحادي عشر:

حكم الخطأ في الافطار.

اختلف العلماء فيمن أكل أو شرب ظاناً غروب الشمس، أو تسحّر يظن عدم طلوع الفجر، فظهر خلال ذلك، هل عليه القضاء أم لا؟

فذهب الجمهور وهو مذهب (الأئمة الأربعة) إلى أنّ صيامه غير صحيح ويجب عليه القضاء، لأن المطلوب من الصائم التثبيت، لقوله تعالى: ]حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ[ فأمر بإتمام الصيام إلى غروب الشمس، فإذا ظهر خلافه وجب القضاء.

وذهب أهل الظاهر والحسن البصري: إلى أن صومه صحيح ولا قضاء عليه لقوله تعالى: ]وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ[ وقوله : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقالوا: هو كالناسي لا يفسد صومه.

الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح لأن المقصود من رفع الجناح رفع الإثم لا رفع الحكم، فلا كفارة عليه لعدم قصد الافطار، ولكن يلزمه القضاء للتقصير، ألا ترى أن القتل الخطأ فيه الكفارة والدية مع أنه ليس بعمد، وقياسه على الناسي غير سليم، لأن الناسي قد ورد فيه النص الصريح فلا يقاس عليه والله أعلم.

الحكم الثاني عشر:

هل الجنابة تنافي الصوم؟

دلت الآية الكريمة وهي ]فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ…[ الآية على أن الحنابلة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من اباحة الأكل والشرب والجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم أن الجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر يصبح جنباً، وقد أمره الله بإتمام صومه إلى الليل ]ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[ فدلّ على صحة صومه، ولو لم يكن الصوم صحيحاً لما أمره بإتمامه.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً وهو صائم تمّ يغتسل» فالجنابة لا تأثير لها على الصوم، ويجب الاغتسال من أجل الصلاة.

شاهد أيضاً

w387

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (387) ربيع الآخر 1440هـ – كانون الأول/ديسمبر 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *