العدد 13 - العـدد الثالث عشر – السـنـة الثانية – شوال 1408هـ – حزيران 1988م

دلالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فكر إسلامي

دلالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بقلم: محمد خالد

يقول الله عزّ وجلّ في سورة آل عمران: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). صدق الله العظيم.

في هذا الخطاب طلب الله تعالى من المسلمين أن يكوِّنوا منهم فئة علمها هو الدعوة إلى الخير. والخير هو الإسلام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخير اتباع القرآن وسنتي». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تفصيل للخير وعطف للخاص على العام لزيادة البيان والتوضيح، إذ أن الدعوة إلى الإسلام، إما أن تكون طلب أو طلب ترك فعل.

وخطاب الطلب في الآية هو خطاب طلب جازم، أي يفيد الوجوب وقرينة جزمه آتيةٌ من آياتٍ أخرى ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الآية التي تليها أيضاً. يقول الله عز وجل في سورة التوبة: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ…) ويقول أيضاً في نفس السورة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ...) ويقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنْهَونَّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتَدْعُنّه فلا يستجاب لكم» ويقول: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يدي الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً، ولتقصرنّه على الحق قصراً أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننّكم كما لعنهم».

وفي الآية التي تلي هذه الآية، فإن الله عز وجل نهى المسلمين عن أن يكونوا كمن تفرق واختلف بعد ما جاء الحق وبان، أي نهى عن ترك المعروف وعن التشبه بمن تركه وهم اليهود والنصارى ويقاس عليهم كل مبتدع آت بما ليس في دين الله أو داع لما ليس منه، وأنذر بالعذاب العظيم لمن تفرق عن الحق أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإيجاد هذه الفئة أو الكتلة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هو فرض على الكفاية إذ أن الآية تخاطب المسلمين أن يكون منهم أي بعضهمْ «ومن» في «منكم» للتبعيض، والخطاب ليس موجهاً لجميع المسلمين ليتكتلوا فرداً فرداً، بل أن يكون بينهم كتلة منهم. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إطلاقه سواء أكان بتكتل أو بدون تكتل، فإنه فرض عين على كل مسلم. قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفي وراية أخرى «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وهنا نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عمّن لا يعارض المنكر ولو في قلبه إن عجز فعلاً عن تغييره باليد أو القول. وفي حالة وجود كتلة تدعو للخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتباشر الدعوة مباشرة عملية، ولكنها عجزت عن أن تزيل المنكر وتقيم المعروف ـ أي ما زال المنكر قائماً وما زال المعروف ضائعاً رغم عمل هذه الكتلة ـ فإن الأمة في هذه الحالة آثمة كلها حتى تتحقق إزالة المنكر وإقامة المعروف، إذ أن الكتلة المشار إليها في الآية قد وجدت، ولكنها رغم عملها، لم تزل المنكر ولم تقم المعروف. ولا يسقط الإثم إلا عمن قام فعلاً بالعمل لإزالة المنكر وإقرار المعروف. أما إن كان وجود هذه الكتلة محققاً لإزالة المنكر وإقامة المعروف، كأن ترى تقصيراً في حمل الإسلام فتدعو تطالب بتقويمه فيقوّم، أو كان المعروف فِعلاً قائماً والمنكر فعلاً مبعداً، فإن التكتل فرض على الكفاية إذ يتحقق الفرض من وجود الكتلة ويعمل بما في الآية.

ومن هنا نرى أنه إن بقي معروف ضائعاً ومنكراً قائماً، فإن كل فرد من أفراد الأمة مطالب بالعمل لإزالة المنكر ولإقامة المعروف، ولا يعذر إلا من باشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والعمل المطلوب من أفراد الأمة القيام به هو العمل الذي يؤدي إلى إزالة المنكر لإزالة المعروف. فإن كان المنكر يزال بمجرد الطلب أو بيان أنه منكر، فالواجب الطلب والبيان. وإن كان المنكر يزال بأعمال فرديّة، أي بعمل في وسع الأفراد بصفتهم الفردية أن يقوموا به، فالواجب هو هذا العمل وإن كان لا يزل المنكر إلا بتكتل، فالتكتل واجب حتى يزال المنكر، والقاعدة الشرعية تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» وإزالة المنكر واجبة دون خلاف.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني أن كل معروف يؤمر به وكل منكر يجب أن ينهى عنه، وذلك أن الأمر بالمعروف يأخذ حكم المأمور به، فإن كان المأمور به واجباً، فالأمر به واجب وإن كان مندوباً فالأمر به مندوب، فالأمر بصلاة النفل مندوب، والأمر بصيام رمضان واجب والأمر بصيام ستة من شوال مندوب والأمر بإقامة حكم الله وتطبيق حدوده واجب، والأمر بالجهاد ونشر الإسلام واجب، والأمر بإطلاق اللحية، وقراءة الأذكار، والسواك والوضوء عند كل صلاة، هذا ومثله الأمر به مندوب. أما النهي عن المنكر واجب حتى على مرتكبه، فإن ارتكبه فقد أثم لارتكابه وإن لم ينه عنه فقد إثم أيضاً لسكوته عنه.

ولكنّ هناك معروفاً وهناك منكراً لم يعط الله سبحانه وتعالى حق التصرف بتنفيذ الأمر والنهي عنه إلا لصاحب الصلاحية أي للسلطان، ولم يعط غيره هذا الحق في التصرف، ومن ذلك تنفيذ الحدود، وإعلان الجهاد وتطبيق الإسلام في العلاقات، أي سن القوانين وتبني الأحكام من الإسلام وتنفيذها، وإنزال العقوبات بالعاصين، كمانع الزكاة، والمتولي في المعركة، والمتجسس لعدو، وأكل الربى ومعطيه، ولا يملك الأفراد ولا تملك الكتل حق تنفيذ مثل هذه الأمور والتي بها إلزام بمعروف وإزالة منكر، إذ أنه مناط شرعاً بالسلطان حق الإلزام بالأمر والنهي في مثل هذه الحالات. فيكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا مصب!اً على إيجاد صاحب الصلاحية ليباشر رفع المنكر لإزالة المعروف هذا إن كان صاحب الصلاحية غير موجود، أما إن كان موجوداً فيكون العمل منصباً على حمله لمباشرة الإلزام بالمعروف وإزالة المنكر ومراقبته في هذه المباشرة.

ومن مقتضيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر الناهي عالماً بالمعروف والمنكر، وإلا فإنه قد يأمر بمنكر لجهله، وذلك كأن يفسّق من يخالف اجتهاده أو تقليده ويكون المنهي عنه صحيحاً في اجتهاد غيره فيكون قد صب نهيه على غير منكر وانشغل به، ونسي المنكر، إذ أن المنكر هو الحرام، والحرام هو ما نص الكتاب أو السنة على حرمته أو ما استنبط دليل حرمته باجتهاد صحيح مما أرشد إليه الكتاب والسنة.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخاطب به المسلمون جميعاً كما سلف، خاصتهم وعامتهم، ولا يوجد ما يشير إلى غير هذا، وكتلة الصحابة رضوان الله عليهم جمعت كل من آمن وصاحب الرسول r سواء أكان من الخاصة كالشعراء والأدباء أم من أوتى نصيباً من العمل والمكانة والرفعة، أم كان من العامة والسوقة والخدم والموالي، كلهم كانوا من أصحاب رسول الله r وتكتلوا حوله وحول رسالته، وبهذا التكتل فقط أصبحوا خاصة ونالوا تلك المرتبة الشريفة. وكذلك الدعوة للخير هي دعوة كل الناس ولا تخصيص فيها كي تدعي جماعة دون أخرى أو جنس دون آخر. وأولى من يؤمر بمعروف وينهى عن المنكر هو القائم على مصالح العباد، ومن بصلاحه يصلح اتباعه وبفساده يفسد اتباعه. ودعوة القائمين على أمور الناس هي قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول رسول الله: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» فجعل لهذا الرجل أعلى مكانة وأرفع مرتبة. وأيضاً فإن الخلافة أي دولة الإسلام هي كما عرفها الفقهاء جماع الأحكام الشرعية أي أنه بوجودها تجتمع الأحكام، وبضياعها تضيع الأحكام، فالدعوة لإيجادها هي دعوة لإيجاد كل المعروف والسكوت عن ضياعها هو سكوت عن كل منكر، فتكون الدعوة لها هي قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنه لمن السطحية والتصغير من شأن الإسلام أن يمسخ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقتصر على فرعيات الأحكام أو أن يستفرغ جهد حملة الدعوة في الخلافات الفقهية بين العلماء.

وإذ الإسلام بعيد عن التطبيق الآن، بل بعيد حتى عن مخيّلة معظم المسلمين إن الإسلام قادر على معالجة مشاكل الحياة، أقول إذ الإسلام بعيد الآن عن أن يحتكم إليه، وأردنا أن نعود به إلى واقع الحياة وتطبيقه على أنفسنا وفي مجتمعنا ونجعله الحكم على تصرفاتنا ومصالحنا وعلاقاتنا ببعضنا وبغيرنا من الأمم، وأردنا أن نحمله كما كُلّفنا من رب العزة نبراس هدي للبشرية جمعاء. إننا إذا أردنا هذا أي إذا أردنا إقرار المعروف وإزالة المنكر والدعوة إلى الخير، فإنه لا مجال لذلك إلا بحمل الإسلام حملاً عقائدياً يصبح به الإسلام فعلاً مقياساً لأعمالنا لا نقبل إلا عن نحتكم إليه، فعلينا إظهار ما في الإسلام من قدرة على تنظيم علاقات الناس ومعالجة مشاكلهم، وإظهار الكيفية التي تنظم بها هذه العلاقات وتعالج بها تلك المشاكل. عندما نحمل الإسلام على هذا الشكل، فإننا نكون قد أخذناه عقيدةً ونظاماً، ويحمل الإسلام هكذا من المسلمين وإليهم حكاماً ومحكومين ثم يحمل إلى غيرهم من شعوب الأرض. وعليه، لا أن يحمل الإسلام حملاً يُبرز عقيدته أي وجهة نظره في الحياة، ويُبرز معالجاته للأحداث والعلاقات، أي نظامه بروزاً جلياً واضحاً لا غبار عليه حتى لا يُخلط بغيره، وهذا الحمل العقائدي هو الذي يغير سلوك الأفراد والمجتمعات. إذ أن أي عقيدة لها منهج عملي، لا يسع الإنسان أن يسير حسب غيرها إذا ما اقتنع بها قناعة تملأ عقله وتطمئن قلبه وإلا كان سيره في الحياة قلقاً مضطرباً. والفكرة الإسلامية ليست فكرة خيالية، ولا فرضيات فلسفية، بل فكرة لها واقع محسوس ومنهج واضح ولكنه ولسوء طالع البشرية جمعاء غير مطبق الآن في الحياة. فكيف إذاً يعقل أو يقبل أن تسلخ هذه الفكرة العملية عن نظامها؟ وكيف يتصور لأحد أن يسيّر شؤون حياته بما يجهل نظامه أو وجود نظام فيه؟ وكيف يمكن أن تتوق الشعوب والأمم إلى تطبيق معالجات لمشاكلها دون أن تعلم وتلمس وجود هذه المعالجات؟ فالمريض لا يُقبِل على الطبيب إلا لعلمه بأن الطبيب عنده الدواء ويعرف الداء. والدعوة إلى الخير يجب أن تُظهر الخير وتوضحه كي يُعرف أن ما تأمر به إنما هو معروف، وتُبين المنكر وتنقضه كي يُعرف أن ما تنهى عنه إنما هو منكر، وأن تبرز المعالجات وتظهر صلاح المعروف لتنظيمها وفساد المنكر.

والناظر في تاريخ الإسلام يرى أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجدت أقوى قبول عليها بعدما ظهر جمال نظامها، ولمس الناس معالجاته لشؤون الحياة فأقبلوا عليها أفواجاً، ودخلت الكثير من الأمم في الإسلام لمجرد رؤيتهم لعدله وحسن تنظيمه. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام حين يدعو للخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يُظهر المعروف ويبيّن صلاحه، وينقض المنكر ويظهر فساده، فلم يدْعهم إلى ترك عبادة الأوثان فقط، بل دعاهم إلى عبادة الله، ونهى عن الاحتكام إلى الطاغوت وأبان أن لا حكم إلا لله، فكان ينهى عن المنكر ويأمر بأخذ المعروف بدلاً منه، فأبان لهم كيفية البيع والشراء، ونقل عن ربه (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) ولم يقتصر على النهي عن عبادة الأصنام ويأمر بعبادة الله في الصلاة فقط، وفي الصيام فقط، بل أمرهم بعبادة الله في الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والبيع والشراء لإزالة الحدود، وتوزيع الأموال، وإنمائها، وتملكها. فجعل عبادة الله في كل أمر من أمور الحياة ولم يأخذ جزءاً ويترك آخر، وأعطى لكل أمر حقه، دون أن يحسب حساباً لسلطان ودون أن يهادن أحداً. ولم يقصد عليه الصلاة والسلام عطف الناس ولا رضاهم، ولا كسب تأييدهم، بل كان يظهر ما يؤمر به من حق وينقض الباطل كما يؤمر، رغب الناس ذلك أم أبوه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقصد تجمع الناس حوله فقط، إذ لم تكن غايته التجمع فحسب، بل كان يقصد تجميع الناس حوله وحول ما حُمِّل من منهج، أي التجمع على شكل وطراز محددين.

وعليه يجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب هذه الكيفية التي عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بغيرها فهو إقرار للمنكر وترك للمعروف، مهما أخذ الأمر والنهي من مظاهر، إذ أن المعروف هو اتباع الإسلام في جميع أحكامه، لا بأخذ حكم وترك آخر ولا بالاجتهاد فيما ورد فيه نص، وطريق الرسول عليه الصلاة والسلام هي حكم شرعي أخْذه واجب.

وهذه الكيفية لحمل الدعوة هي ما تسمى حمل الدعوة حملاً سياسياً، وذلك أن السياسة في أي تعريف لها لا تخرج عن كونها تنظيم العلاقات، فإن ترّفت بأنها رعاية الشؤون، أو عرفت بأنها فن الحكم، فهي لا تخرج عن كونها تسيير المصالح وتنظيم العلاقات. فالسياسة هي وصف لماهية العمل، فإن كان العمل مما يتعلق بتنظيم الشؤون ورعايتها فهو عمل سياسي، أي عمل يقصد سياسة الناس وتنظيم علاقاتهم ورعية مصالحهم فهو عمل سياسي، أي عمل يرتبط بمصالح الناس وتنظيم شؤونهم، فمحاسبة الحكام عمل سياسي، والحكم عمل سياسي، وتمثيل الناس في مجلس الأمة عمل سياسي. ويأخذ العمل السياسي صبغته أو هويته من المنبع الذي تصدر عنه كيفية التنظيم، أي من القاعدة التي تنبثق عنها أساليب ونظم هذا التنظيم، فمثلاً تكون السياسة سياسة تعليمية إذا قصدت تنظيم الناحية الأكاديمية، وتكون اقتصادية إذا قصدت تنظيم الناحية الاقتصادية، أي تنظيم المال ومعاملاته وملكيته، بأي كيفية كان هذا التنظيم وعلى أساس أي منهم، أما إن كان التنظيم هذا في الناحية الأكاديمية لا يُعَلِّم إلا ما يقره الإسلام فهي سياسة تعليمية إسلامية، وكذلك في السياسة الاقتصادية إذا اقتصرت في تنظيمها على أحكام الإسلام وأبواب التملك فيه، وأبواب تنمية المال والعقود التي أقرها، تكون سياسة اقتصادية إسلامية. وكذلك تكون السياسة العامة إسلامية إذا كانت كل شؤون الحياة تسير حسب الإسلام أكانت هذه الشؤون مما يتعلق بالفرد أو بغيره من النسا. فيكون حملنا للإسلام حملاً سياسياً يعني أن نحمل الإسلام قاصدين أن نمكنه من أن يسوس شؤون حياتنا بنظمه. وهذا يقتضي إبراز ما في الإسلام من معالجات وإبراز ما في غيره من فساد، وإبراز الطريقة التي تتم المعالجات على أساسها في الإسلام والتي بها تتم رعاية المصالح الشؤون، وإن لم تكن الدعوة على هذا النحو. فقد وضعت لنفسها عدة تقصر بها عن الوصول إلى ما ادعته من هدف.

فهذا الحمل السياسي للإسلام هو الذي يجعل الأمة حين تتضح لها الأمور توّاقة لأن تُحكم بالإسلام، لأنها بهذا الحمل تلمس ما في الإسلام من معالجات، وبدون هذا اللمس يبقى ما في الإسلام عندها ناحية روحية، وأي علاقة بين الإنسان وخالقه في كيفية التعبد إلى هذا الخالق، لا ناحية روحية عملية، أي علاقة بين الإنسان وخالقه في التعبد إليه وفي تسيير شؤون الفرد حسب منهج الخالق فيعم التعبد كافة أعمال الفرد لا العبادات فقط. فترى الفرد يصلي لله ويصوم لله، ولا ينمي أمواله بالربا، ولا بمحرم، ولا يسكت عن ضياع ديار الإسلام، ولا يهمل حمل دعوة الإسلام، وتجده تواقاً لأن يصل الإسلام إلى سُدّة الحكم فيسير علاقات الناس ويحمي حقوقهم ويقيم حدود الله.

ويجب أن يراعى أن السياسة هي صفة للعمل وليست فكرته، فالسياسة ليست عقيدة وإنما هي صفة لأساليب فهي ليست روح العمل، ولا يجوز أن تكون السياسة روح العمل، بل روح العمل هي الإسلام ولا يجوز أن يكون غير ذلك، إلا لكانت السياسة سياسة كفر. فأي عمل قُصد به رعاية الشؤون أم لمي قصد، يجب أن يتصل دائماً بروحه، أي بالإسلام. ونحن حين ننتقد النظام الرأسمالي مثلاً ننتقده من كونه نظام كفر، لا من جهة فساده أو صلاحه، فهو إن عالج مشكلة علاجاً صحيحاً، أو طابق في مسألة من مسائله ما عند الإسلام، فحين القول بأن الشركات المساهمة شركات رأسمالية، ولا يجوز أخذها، حين نقول هذا القول لا نقوله إلا لأن الشركات الرأسمالية باطلة شرعاً وهي من نظام كفر لا يجوز لنا أخذه لأنه احتكام إلى غير شرع الله، إذ أن الشركة في الإسلام خمسة أوجه في العقود لا غير، والشركة المساهمة مخالفة لهذه الأوجه، إذ أن العقد في الإسلام إيجاب وقبول بين اثنين أو اكثر يملكان أهلية التصرف، والشركة المساهمة، هي بين مال وبدن والمال لا يملك أهلية التصرف، فبذلك هي ليست عقداً بين اثنين أو اكثر وهي شركة ذات إرادة منفردة كما يسمونها، وذلك أنه ليس فها إيجاب وقبول بل قبول فقط. وهكذا تبحث الشركة المساهمة من جهة مخالفتها للإسلام أولاً وأساساً، ثم بيان فسادها وعوارها ويظهر الاستغلال فيها.

وتكديس الأموال لخدمة أصحاب رؤوس الأموال، وإنها من ثقافة المستعمر ونظمه، وانه سواء ظهر فسادها الآن أم لم يظهر فهي فاسدة لأنها من وضع البشر، وهكذا. فبهذا يكون قد أخذ الإسلام أخذاً عملياً سياسياً متصلاً بروحه وهي كونه من خالق العباد.

فيكف يتصور اننا نريد حمل الإسلام وتحكيمه في سياسة أمورنا دون أن يكون حملنا له حملاً سياسياً؟؟ وكيف نريد أن يعالج الإسلام شؤون حياتنا دون أن نبرز ما في الإسلام من معالجات واضحة جلية لا غبار عليها متصلة بأساسها؟ فلا بد من فهم الإسلام فهماً واضحاً لا خلط فيه ولا إبهام، ثم طرحه للامة حتى تراه بوضوح، وتسير في الاتجاه الصحيح. وهي أي الأمة إن لم تعط هذا الطرح، وطره لها الإسلام مبتوراً وبرزت المشاعر فيه لا غير، فإن تحركها سيكون تحركاً مشاعرياً فقط، واندفاعاً عاطفياً يؤدي إلى أن تأخذ غير الإسلام أو تخلط الإسلام بغيره، فتكون قد أخذت الكفر بلباس إسلامي، كما حصل وأخذت الدولة الإسلامية في عهد العثمانيين ما يسمى بالأحكام المدنية في منتصف القرن التاسع عشر، وكأخذ الكثير من المسلمين اليوم بعقود الشركات المساهمة والتأمين والربا، وكلها عقود لأنظمة كفر، لا تمت إلى الإسلام بصلة وإن زينت بلباس إسلامي. ونكون بذلك قد أبدلنا فساداً بفساد وكفراً بكفر وإن اختلفت نسب الخلط والمزج.

وكلمة أخيرة أقول إن من أخطر الفساد، هو أن يحتكم في حياة الجماعة إلى غير الإسلام، إذ أن أثر الفساد يكون جماعياً. نعم إن الإسلام يحارب ويمنع الفساد الفردي، ولكن المقتل في الفساد الجماعي وهو بيت القصيد، وعلاجه حتمي للقضاء على الفساد. إذ أن الفساد الجماعي هو ما يهدم الأمم ويزيل شوكتها، والفرد الفاسد في المجتمع الصالح يذوب أثره ولا يظهر، ويختفي بفساده بل ويصيبه من صلاح المجتمع الكثير، ولكن العكس صحيح في المجتمع الفاسد والفرد الصالح، ففساد المجتمع لا بد طائلة حتى ولو اعتزلهq

والله من وراء القصد.

 

شاهد أيضاً

waie383

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383)

مجلة الوعي: أبرز عناوين العدد (383) ذو الحجة 1439هـ – آب/أغسطس 2018م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *