العدد 58 - السنة الخامسة – العدد 58 – (رجب – شعبان) 1412هـ الموافق شباط 1992م

الغرب يرتعب من عودة الإسلام

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)

أدى النجاح الكاسح الذي حصلت عليه الجبهة الإسلامية للانقاذ في العملية الانتخابية في الجزائر إلى رجّة شديدة، وقلق كبير. ذلك أن نجاحها الكاسح في الدورة الأولى أدى إلى تغيير كبير في ميزان القوى السياسية في الجزائر، ومهد لها لتحصيل على الأغلبية المطلقة للمقاعد البرلمانية في الدورة الانتخابية الثانية، مما سيمكنها من الوصول إلى الحكم، والعمل لتغيير الدستور، وإعلان الدولة الإسلامية، مما أحدث هزة كبيرة لدى حكومة الجزائر وعند التكتلات والأحزاب العلمانية والعنصرية والمربوطة بالدول الغربية.

كما أحدث قلقاً في الدول الغربية، خاصة فرنسا. وقد ظهر هذا القلق جلياً في تصريحات مسؤوليها وقادتها ووسائل إعلامنها، وقد اتخذن حيال هذا النجاح للجبهة الإسلامية موقف العداء بالرغم من أن نجاح الجبهة كان بأغلبية أصوات الشعب الجزائري المسلم التي تعبر عن إرادته، وأخذت هذه الدول الغربية وعلى رأسها فرنسان تحرض الحكومة الجزائرية والأحزاب والتكتلات العنصرية والقبلية والعلمانية على العمل للحيلولة دون تمكين الجبهة الإسلامية من الحصول على الأغلبية المطلقة وبالتالي العمل للحيلولة دون وصولها إلى الحكم، ودون قيامها بإعلان الدولة الإسلامية.

غير أن تعليق الخارجية الأميركية على نتيجة هذه الانتخابات كان مختلفاً، إذ أعلنت أن من حق الشعب الجزائري أن يختار من يريد وأن يوصل إلى الحكم من يعبر عن إرادته بالطرق الديمقراطية.

وقد أخذ الدول الغربية خاصة فرنسا تعمل على الحيلولة دون عقد الدورة الانتخابية الثانية وبالتالي إبطال نتائج الدورة الانتخابية الأولى ولو بعملية غير دستورية، ولو كانت عملية انقلابية، لحرمان دعاة الإسلام من النجاح الذي حصلوا عليه، والحيلولة بينهم وبين الوصول إلى الحكم، وإعلان الدولة الإسلامية.

وبالفعل قد وُضع سيناريو لذلك وفق هذا الترتيب، وكانت استقالة ابن جديد، وحله للبرلمان قبل ذلك، وامتناع رئيس المجلس الدستوري من تولي رئاسة الجمهورية بشكل مؤقت، لبينما يتم انتخاب رئيس جديد جزءاً من هذه اللعبة، لاحداث فراع دستوري، ليتولى المجلس الأعلى للأمن المكوّن من كبار ضباط الجيش، وبعض الوزراء ـ مع أنه مجلس استشاريـ وليس من صلاحياته الحكم، ولا اجراء الانتخابات، ولا الغاؤها ـ تسيير الأمور في الجزائر، وترتيبها على الشكل الذي رسم لها. وبالفعل هذا ما حصل، فقام هذا المجلس بتولي الأمر، وأعلن تعليق الانتخابات للدورة الثانية، مما يعني إيقاف إتمام العملية الانتخابية، وبالتالي إلغاء نتيجة انتخابات الدورة الأولى، وتأخير انتخاب رئيس الجمهورية، لبينما تسوى الأمور، وترتب الأوضاع على الشكل المرسوم، وإعلان الحالة الاستثنائية التي تبيح إيقاف العمل بالدستور، وتجميد الأحزاب والتكتلات والجمعيات، ووضع البلد تحت سيطرة العسكر.

وقد كان لهذه العملية أثر طيب في الدول الغربية خاصة فرنسا فقد أبدى مسؤولوها، ووسائل إعلامها الرسمية ارتياحاً بعد اعلان استقالة ابن جديد، وكانت فرنسا منذ البداية تفضل عملية انقلابية تحافظ على صيغة دستورية شكلية، لسلب الجبهة الإسلامية نجاحها، والحيلولة بينها وبين الحصول على أغلبية المقاعد، وبالتالي الحيلولة دون وصولها إلى الحكم، ودون إعلانها الدولة الإسلامية. لأن فرنسا والدول الغربية ترى في هذا خطراً على مصالحها، وعلى حضارتها، لا سيما أن ما يجري في الجزائر سيؤثر على الشمال الأفريقي كله مباشرة، مما يهدد مصالحها فيه، كما له أثر على داخل فرنسا وغيرها من الدول الغربية. وقد رأت هذه الدول أن غياب ابن جديد يفتح الطريق لالغاء الانتخابات، وإيقاف زحف حملة الإسلامي، وإبطال مكاسبهم.

بينما تعليقات الخارجية الأميركية على هذه العملية كانت مختلفة. فقد أعربت الخارجية الأميركية عن قلق واشنطن لقوف الانتخابات، إذ أعلنت المتحدثة باسم الخارجية: «إن الولايات المتحدة تنظر إلى الوضع في الجزائر بقلق بعد وقف العملية الانتخابية» وقالت: «سبق لنا أن أشدنا بالخطوات الواسعة التي خطتها الجزائر نحو الديمقراطية» وأجابت حول ما إذا كانت تعتبر إلغاء الجولة الثانية في الانتخابات عملاً يتوافق مع الدستور قائلة: «أن انطباعاتي هي أنه لم تكن كذلك، وقد قلت إن الادارة الأميركية تنظر إلى هذا بقلق».

وهذا الاختلاف بين التعليقات الفرنسية والأميركية ناتج عن أن هناك صراعاً بين الدول الأوروبية من جهة وبين أميركا من جهة أخرى على الشمال الأفريقي، بل وعلى أفريقيا. فأميركا تعلم لادخال نفوذها إليها، وفرض هيمنتها عليها، وابعاد الدول الأوروبية عنها. لذلك فإنها تؤيد كل عمل يؤدي إلى ابعاد نفوذ الدول الغربية عن هذه الدول في الشمال الأفريقي، وفي أفريقيا، ثم تعمل لمحاولة احتوائه أو ضربه لادخال نفوذها، وفرض هيمنتها. وهذا مما يزيد من قلق فرنسا والدول الأوروبية من أحداث الجزائر.

إن هذا الموقف المعادي الذي اتخذته الدول الغربية ضد نجاح الجبهة الإسلامية ـ مع أن هذا النجاح يعبر عن إرادة الشعب الجزائري المسلم ـ يتناقض مع النظام الديمقراطي، الذي يفتخرون يتبجحون بأنهم يتبنونه، ويعملون على المحافظة عليه، وحمله لغيرهم. ولا شك أن هذا الموقف يثبت كذبهم ودجلهم، وثبت أن الديمقراطية عندهم هي الديمقراطية التي تحقق مصالحهم، أما إن تمخضت عن نتيجة لا ترضيهم، أو لا تحقق مصالخهم فإنها تصبح لا قيمة لها عندهم، ويدوسونها بالأقدام. كما أن موقفهم هذا يدل على مدى عدائهم للإسلام والمسلمين، ومدى حرصهم على الحيلولة دون عودة الإسلام إلى الحكم، لأنهم يدركون مدى الخطورة عليهم، وعلى حضارتهم من ذلك. (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وهم بعدائهم هذا لا يقبلون من المسلمين إلا أن يتبعوهم وبتبنوا حضارتهم. وصدق الله العظم حيث يقول: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).

وهذا الموقف ينبغي أن يجعل المسملين قاطبة يدركون أن أميركا والدول الغربية كلها هي دول كافرة، وهي عدوة لهم ولاسلامهم وحضارتهم، ويجب عليهم أن لا يتخذوا من هذه الدول ولياً ولا نصيراً، وأن لا يستعينوا بأية دولة منها، لأن العدو لا يمكن أن يكون ولياً، ولا يمكن أن يكون نصيراً. وقد حذرنا الله سبحانه من ذلك حيث قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) وحيث قال: (لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) وحيث قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

أيها المسلمون:

إن ما حصل في الجزائر من التأييد الكاسح للإسلام ليدل دلالة واضحة على مدى تمسك أهل الجزائر المسلمين بالاسلام، واعتزازهم به، وأنهم لا يرضون عند بديلاً، لأنهم يرون أنه وحده هو الصحيح، وأن حضارته وحدها هي الحضارة الصحيحة، وهي الحضارة الوحيدة التي فيها حل لمشاكل البشرية أجمع. وهذا الموقف الذي حصل في الجزائر ليس خاصاً بها، بل هو موجود في جميع البلاد الاسلامية، وهذا يعزز الأمل في نفوس المسلمين، ويدفعهم لأن يقوموا بالعمل في كل مكان لإيجاد الإسلام في واقع الحكم والحياة، وأنه لو أتيح المجال للمسلمين في دول المغرب الأخرى أو في مصر أو تركيا أو باكستان أو العراق أو غيرها من البلدان الإسلامية لأن يعبّروا عن رأيهم ـ دون تدخل من حكامهم الظلمة ـ في النظام الذي يريدونه لاختارت غالبيتهم العظمى النظام الإسلامي.

وأن ادراك حكام البلاد العربية والاسلامية لهذه الحقيقة هو الذي جعلهم يتحسبون أشد التحسب من أن يؤدي نجاح الجبهة الإسلامية الكاسح إلى زيادة نشاط حملة الدعوة الإسلامية في بلدانهم، وإلى كصر حاجز الخوف الذي فرضوه على شعوبهم، وبالتالي إقدام الأمة على الاطاحة بهم، وبأنظمة الكفر التي يطبقونها، وإقامة الدولة الإسلامية ـ التي يرتعدون عند سماعهم لذكرها ـ ووضع الإسلام موضع التطبيق والتنفيذ.

إننا مع استنكارنا الشديد لما حصل في الجزائر من اجراءات ضد الإسلام وضد حملته لليولوة دون وصول الإسلام إلى الحكم تنفيذاً لمؤامرة الدول الغربية الكافرة، لنهيب بالجبهة الإسلامية وبالمسلمين في الجزائر بأن لا يَهنُوا ولا يحزنوا وهم الأعلون إن شاء الله، وأن لا يصابوا بأي احباط، وأن يكون ما حصل حافزاً لهم على زيادة الحقد والعداء للكفر وللدول الكافرة ولعملاء هذه الدول الكافرة الذين يأتمرون بأمرها، كما يكون حافزاً لهم على زيادة تمسكهم بالاسلام، وزيادة عملهم لايصاله إلى الحكم.

ونهيب بهم أن يحاذروا من أن يُجَرّوا إلى الصدام مع الجيش، أو مع قوى الأمن، أو مع التكتلات الأخرى، بل يعملوا على كسب الجيش وقوات الأمن ـ وهم من أبناء المسلمين ـ لأن يقفوا صفاً واحداً في وجه التآمر على الإسلام، وعلى الشعب الجزائري المسلم، وأن يعملوا سوية لايصال الإسلام إلى الحكم.

كما نهيب بالمسلمين جميعاً بأن يلتفوا حول الاسلام، وحول حملة دعوته، تنفيذاً لأمر الله، وأن يعملوا لاعادة الإسلام إلى واقع الحياة والدولة والمجتمع، بإقامة الخلافة، وتنصيب خليفة للمسلمين يبايعونه على أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله.

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *