العدد 76 - العدد 76- السنة السابعة، صفر 1414هـ، الموافق آب 1993م

مراحل تشريع القتال

قال تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) [سورة المزمل: 10].

وقال: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [سورة الغاشية: 21 ـ 22].

وقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النساء: 77].

وقال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [سورة الحج: 39 ـ 40].

وقال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) [البقرة: 190 ـ 191].

وقال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [سورة التوبة: 5].

النصوص الثلاثة الأولى المذكورة أعلاه تبيّن أن القتال لم يكن مشروعاً ولم يكن مسموحاً به لحمل الدعوة في بادئ الأمر. واستمر الأمر كذلك طيلة الفترة المكية (13 سنة). فآية سورة المزمّل تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الصبر على أقوال المشركين التي تؤذيه، وأن يهجرهم هجراً جميلاً أي أن يتجنب معاتبتهم على أقوالهم.

وآيتا سورة الغاشية تحصران عمله صلى الله عليه وسلم بالتذكير أي التبليغ دون الإجبار.

أمّا آية سورة النساء فهي أشد وضوحاً: (الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ) أي هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك من فسرها بأنهم بنو إسرائيل. وحتى لو كان المقصود الأول بها بنو إسرائيل فإن السياق وسبب النزول وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم كلها تدل أنها تشمل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة. قال: «إني أُمِرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم» فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفّوا فأنزل الله: (الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا) الآية [رواه ابن أبي حاتم والنسائي والحاكم وابن مردوية].

وكان الرجال يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء (وليس فيها قتال) في سورة الممتحنة (12) في وقوله تعالى:     (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فعن عُبادة بن الصامت قال: كنتُ فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف وقال صلى الله عليه وسلم: «فإن وفيتم فلكم الجنة» [رواه ابن أبي حاتم].

وأما آية سورة الحج: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) فالمقصود محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أخرجوا من مكة. وقال غير واحد من السلف منهم مجاهد والضحاك وابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد. واستدل بعضهم بهذه الآية أن السورة مدنية. وفيها إذن بالقتال وليس أمراً به. وهذه هي المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال، وفترتها كانت قصيرة. وهذه الآية نسخت الحكم المستفاد من آية: (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) ومن حديث: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم» والنصوص المشابهة.

وأما آية سورة البقرة: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) فإنها أرست المرحلة الثالثة من مراحل تشريع القتال، وهي مرحلة الأمر بقتال الكفار بسبب كفرهم لإدخالهم في دين الإسلام. وهذا لا يعتبر نسخاً لحكم الإذْن بل هو إضافة، فهذه الآية ليست ناسخة لأية الإذن. (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لنشر دين الله الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا. ويلحق بذلك كل قتال شرّعه الإسلام مثل القتال دفاعاً عن النفس والمال والعرض والمستضعفين.

(الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) هذا ليس قيداً، وليس له مفهوم مخالفة كما توهمه بعض المفسرين، فنحن نقاتل في سبيل الله الكفار الذين يقاتلوننا والذين لا يقاتلوننا حين نجد ذلك مناسباً. وقد ذكر الله لنا عبارة (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) من أجل التحضيض واستنهاض الهمم.

(وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) والاعتداء في القتال هي ارتكاب المناهي كما قال الحسن البصري من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم والرهبان وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة.

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث وجدتموهم. وهذا يؤكد مقاتلة الكفار ابتداءً حتى وإن لم يبدأونا هم بقتال.

(وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) وهذا أيضاً للتحضيض وليس قيداً، أي كما أنهم يقاتلونكم ويخرجونكم وأخرجوهم.

(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) الفتنة هنا تعني الشرك والصد عن التوحيد لنصرة الشرك. وجاء في الآية 193 من سورة البقرة، أي بعد آية من الآيتين المذكورتين: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) أي قاتلوهم حتى لا يبقى شرك وحتى يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم.

وقد امتدت هذه المرحلة من السنة الثانية للهجرة (حين نزول هذه الآيات من سورة البقرة) حتى السنة التاسعة حين نزلت سورة التوبة ونزل قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وبنزول هذه الآية والتي تسمى آية السيف بدأت المرحلة الرابعة (والأخيرة) من مراحل تشريع القتال، فما نسخته فهو منسوخ إلى يوم القيامة وما أحكمته فهو محكم إلى يوم القيامة. وتتميّز هذه المرحلة عن سابقتها بأنه حصل فيها الإعلان عن منع المشركين من الحج بعد ذلك ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته (أي لا يمكن تمديده) ومن كان بدون عهد أو له عهد دون تحديد مدة فله مدة أربعة أشهر فإذا انسلخت هذه المدد (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) أي لا يقبل من المشركين إلا الإسلام أو القتل ولا يقبل منهم أن يدفعوا الجزية ويقيموا على شركهم. وهذه معاملة خاصة بعبدةِ الأوثان في جزيرة العرب. أما أهل الكتاب فقبِلَ الإسلام منهم الجزية ولكنه طلب منهم الرحيل عن جزيرة العرب إذا لم يسلموا.

(وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) فالآية لم تكتفِ بقتلهم حيث نجدهم بل قالت (وَخُذُوهُمْ) أي يمكن أسرهم. (وَاحْصُرُوهُم)ْ  أي احبسوهم وضيقوا عليهم.

(وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) أي تقصدوهم في كل مكان من أجل قتلهم أو اعتقالهم.

(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي فإن أسلموا والتزموا بشرائع الإسلام فارفعوا الملاحقة عنهم.

ولا يصح أن يقال: الآن لا توجد دولة إسلامية إذن وضعنا يشبه الوضع المكي قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يصح هذا القول لأن الأحكام التي كانت في تلك الفترة ونُسختْ لا يجوز الرجوع إليها، والأحكام التي لم تكن قد نزلت ثم نزلت في المدينة وبقيت محكمة لا يجوز التخلي عنها.

فدور مكي ودور مدني أو غير ذلك من الأدوار انتهى مفعولها منذ اكتمل نزول الشريعة. والمسلمون منذ ذلك الوقت أمام شريعة واحدة فالأحكام المنسوخة انتهى أمرها وتوقف العمل بها سواء نزلت في مكة أو المدينة.

ويمكن تصنيف الأحكام بناء على معيار آخر (غير المكي والمدني) هو: الأحكام التي أناطها الشرع بالحاكم وحده دون الأفراد كتنفيذ الحدود، والمبادأة بالجهاد، ورعاية الشؤون الإلزامية، وعقد المعاهدات. والأحكام التي أناطها الشرع بالأفراد مثل الصلاة والصوم وصلة الرحم وبر الوالدين، أي الأحكام العينية. وهذه لو قام بها الحاكم فإنه يقوم بها بصفته فرد من آحاد الناس. والأحكام التي أناطها الشرع بالحاكم وبالأفراد مثل بناء المساجد وإسعاف المحتاجين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الأحكام الكفائية.

وإذا وجدنا من يستعمل تصنيف المكي والمدني (ليس المقصود نزول آيات القرآن) فهو تصنيف للدار وليس تصنيفاً للأحكام. فالمسلمون في مكة قبل الهجرة كانت دارهم دار كفر، والمسلمون في المدينة بعد الهجرة صارت دارهم دار إسلام. فإذا قال أحد: (نحن الآن في الدور المكي) فهذا تعبير مجازي يعني: (نحن الآن لا نعيش في ظل دولة إسلامية بل في ظل أنظمة كفر، فالدار عندنا دار كفر) وهذا استعمال صحيح c

(ملاحظة: من المفيد قراءة «كلمة الوعي» في هذا العدد لأنها تشرح جوانب عملية تجري الآن وتوضح هذا الموضوع).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *