العدد 73 - العدد 73- السنة السابعة، ذو القعدة 1413هـ، الموافق أيار 1993م

المفاصلة

تقسَّم الآيات الأولى من سورة البقرة الناس إلى ثلاث فئات:

=أولاها من ينطبق عليهم قوله تعالى:

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). وهؤلاء هم ولا شك المؤمنون.

=والثانية الفئة التي ينطبق عليها قوله تعالى:

(الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) وهؤلاء هم الكافرون ولا ريب.

=والثالثة فئة ينطبق عليها قوله تعالى:

(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ). وهؤلاء تتحدث عنهم آية لاحقة (الآية 14) حين تقول:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). وهؤلاء هم المنافقون.

ففي هذه الآيات مفاصلة وتمييز وفرز. وعلى المرء أن يختار لنفسه الفئة التي يقف فيها والمعسكر الذي ينحاز إليه، فأمامك أيها الإنسان ثلاث معسكرات: معسكر المؤمنين، ومعسكر الكافرين، ومعسكر المنافقين، وأنت الذي تختار موقعك في أي منها.

والأصل أن يكون اختيار المسلم واضحاً لا لبس فيه، وهو أن ينحاز لصف المؤمنين. أما المنحازون لصف الكفر فهم غير المسلمين، من مثل بقايا الشيوعيين، وأبواق الأفكار الغربية الرأسمالية وما أفرزته من نفايات سامَّة كالقومية والطائفية والإقليمية والتعصب للجنس والعرق والوطن. فهؤلاء أخرجوا أنفسهم من صف المسلمين المؤمنين، وأصبحوا سوساً ينخر في عظام الأمة يعملون جاهدين على إطالة عمر الكفر والذل والتشرذم في بلاد المسلمين، وواجبنا أن نعرّيهم ونفضحهم ولا نخجل منهم، لأنهم لم يخجلوا من الله بحملهم مبادئ الكفر والترويج لها والعمل لتأييد تطبيقها. ومع ذلك فأمر هؤلاء سهل لأنهم لا يحتاجون إلى دهاء لكشفهم فهم يعلنون عن أنفسهم.

ولكن الفتنة والحيرة من الفئة الثالثة، فئة المنافقين. فهؤلاء يدَّعون الإيمان وما هم بمؤمنين ويتظاهرون بالوقوف في صف المسلمين وهم من ركائز العملاء والكفار، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ذلك بأنهم يؤوّلون الشرع على نحو يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً، ويعملون لترسيخ مبادئ الكفر باسم الإسلام، ويصرفون الناس عن العمل الصحيح لكنس الكفر وبناء حياة المسلمين من جديد على أساس الإسلام والإسلام وحده. وهم في كل ما يقومون به يتظاهرون بخدمة الإسلام والمسلمين، ولذلك يصدق عليهم قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ).

ولا تعجب أيها المسلم إن رأيت أحدهم يصلي مع الناس، أو يبني المساجد، ولكنه حين يجدّ الجِدّ يقف مع الحكام الظلمة، ويحارب الإسلام وحَمَلَة دعوته متذرعاً بشتى الذرائع طمعاً في مال أو جاه أو سلطان. ولخطورة هذه الفئة سمى الله باسم أصحابها من سور القرآن، وأخبرنا أنهم سيكونون في الدرك الأسفل من النار.

أيها المؤمن كن واضحاً صريحاً في المعسكر الذي تختاره، ولا تجامل أو تداهن الكفار والمنافقين، وقل كلمة الحق ولا تخش في الله لومة لائم من أجل أن ينطبق عليك قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *