العدد 72 - العدد 72- السنة السادسة، شوال 1413هـ، الموافق نيسان 1993م

النظام الدولي الجديد (8)

المتغيّرات الدولية

بقلم: محمد موسى

مقدمة:

لم يكد ينفضّ حفل التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة حتى أدار ستالين ظهره للمنظمة الدولية، ولنظام أميركا الدولي، وأسدل ستار حديدياً على حدوده، كما قال تشرشل، من مدينة ستيتن على بحر البلطيق إلى تريستا على بحر الادرياتيك لهضم غنائم لحرب، وحفاظاً على إمبراطوريته من نفوذ الدول الرأسمالية وتدخلاتها. انشطر بذلك عالم روزفلت الواحد إلى عالمين، ونظامَيْ حياة، ومعسكرين، واصبح الاتحاد السوفياتي منذ ذلك الوقت الدولة الثورية التي تعمل على تغيير النظام الدولي. أخذ الاتحاد السوفياتي يعرقل عمل المؤسسات السياسية التي يشارك فيها، مجلس الأمن والجمعية العمومية، ويقف في وجه مشاريع أميركا فيها لقيادة العالم من خلالها، وبخاصة مجلس الأمن حيث أخذ يستعمل حق النقض (الفيتو)، فاهتز دور الأمم المتحدة كمركز أميركي لقيادة العالم.

قادت أميركا حلفاءها في حرب باردة ضد المعسكر الاشتراكي قوامها الردع العسكري والاحتواء السياسي، ثم اتفقت مع الاتحاد السوفياتي في حزيران سنة 1961 على التعايش السلمي، وعلى اقتسام العالم وإدارته ثنائياً فيما سمي باتفاق الوفاق. لم يشمل اتفاق الوفاق النظام الدولي، وإن وعد الاتحاد السوفياتي بتسهيل عمل المؤسسات السياسية، ولم يتخلّ بذلك الاتحاد السوفياتي عن موقع الدولة الثورية، وبقي يشاكس أميركا. وفي سنة 1990 أخذت الإمبراطورية السوفياتية في الانحلال، وأخذ الاتحاد السوفياتي يسعى جاهداً لأن يدخل المؤسسات الدولية الاقتصادية وغيرها ليصبح جزءاً من نظام أميركا الدولي، وليضع حداً لانشقاق العالم عالميْن فيعود عالماً واحداً. ثم ما لبث أن تفكك الاتحاد السوفياتي نفسه مع نهاية سنة 1991، وورثت روسيا قوته العسكرية، وأصبحت عضواً كامل العضوية في المنظمة الدولية. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي أصبحت الشيوعية وأنظمتها من الماضي لتسود القيم الغربية ونظامها الرأسمالي، وعادت روسيا دولة إقليمية ليتكرس انفراد أميركا في السياسة الدولية كدولة عالمية وحيدة. وكانت الصين قد سبقت الاتحاد السوفياتي في الاندماج في النظام الدولي وفي السير على طريق الرأسمالية.

ولما أخذ الاتحاد السوفياتي في العودة إلى النظام الدولي وأخذت الشيوعية في الاندثار، لتندمج دول العالم في عالم  واحد تحت لواء القيم الغربية ونظامها الرأسمالي، أعلن الرئيس بوش في السادس من آذار سنة 1991، عشية انتصار حلف أميركا الدولي على العراق، عن ميلاد النظام الدولية الجديد، وإن حرب الخليج كانت أول تحدٍ لهذا النظام. لم يعطِ بوش تفصيلاً لنظامه الدولي الجديد، ولم يلق حتى ضوءاً عليه، مما جعل كلا يخوض فيه على هواه، كما قال المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها
.

 

ويسهر القوم جرّاها ويختصم
.

فمن منكر له، إلى مستهزئ به، إلى مروّج له على أنه تحكم أميركا في رقاب العباد، فيهرع إلى تقديم فروض الولاء والطاعة قبل أن تطلب منه. سئلت مثلاً تاتشر عنه فأنكرت معرفتها به وبشيء عنه.

والنظام الدولي تجسيد للموقف الدولي الذي هو النسبة بين قوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي. ويقام النظام الدولي على أسس قواعد ونظريات يسمونها القاعدة الفلسفية، ولا يقام بالتصريحات أو الرغبات والأماني. فمثلاً قال روزفلت، وقبله ويلسون، بنظام دولي لعالم واحد، وعائلة دولية واحدة يتجسد في منظمة دولية تفرض الوئام والانسجام على العلاقات الدولية. ولما أراد نيكسون أن يجري تعديلاً على النظام الدولي وضع مبدأ واستراتيجية يقوم عليها النظام الدولي المعدل. لكن بوش لم يعطِ تنظيراً لنظامه الدولي الجديد، كما لم يتباحث مع الدول الأخرى الفاعلة في المسرح الدولي للاتفاق عن هذا النظام وإخراجه، مما أفقد تصريحه الجدية في أعين الآخرين…

يوحي الظرف الذي أطلق فيه بوش تصريحه، وهو اندماج العالميْن في عالم واحد، أن المقصود هو العودة بالعلاقات الدولية إلى ما كانت عليه سنة 1945، وإلى نظامها الدولي الذي وضع عند ئذ، مع انفراد أميركا في السياسة الدولية، وسيادة وجهة نظرها وقيمها. ولكن العلاقات الدولية، والنسبة بين قوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي قد تطورت بدرجة كبيرة عما كانت عليه سنة 1945، وأصبح عالم سنة 1992 غير عالم سنة 1945. فهل تستطيع أميركا أن تفرض رؤيتها ونظامها الجديد؟ وكيف؟ الإجابة على ذلك تقتضي إعطاء صورة عن المتغيرات الدولية، وما آلت إليه النسبة بين قوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي.

المتغيرات الهيكلية:

كانت الدول الفاعلة في المسرح الدولي سنة 1945 وقُبيلها في الحرب هي الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي. فقد ألحقت الهزيمة بألمانيا واليابان، فأُخرجتا من المسرح الدولية ووضعنا تحت إدارة المنتصرين. أما فرنسا فكانت تحت الاحتلال الألماني، ولما جرى تحريرها ألحقت بذيل الدول الكبرى وذيل الدول الغربية الولايات المتحدة وبريطانيا. فأعطيت منطقة احتلال في ألمانيا ضمن المنطقة الغربية، وأعطيت مقعداً دائماً في مجلس الأمن. كانت إيطاليا تحتل موقعها فيها، فجرى تجميعها. كانت إيطاليا تحتل موقفاً في هامش الدول الكبرى دون أن تدخل إلى القلب، وقد فشل موسوليني في أن ينفخ فيها فيجعل منها دولة عظمى. لم تكن دولة الصين الشعبية قد ولدت بعد، وكانت أجزاء كبيرة الصين الوطنية تحت الاحتلال الياباني. ولما جرى تحريرها أعطيت الصين الوطنية مقعداً دائماًُ في مجلس الأمن منّة من أميركا على الصين كتابعة لأميركا. ثم ما لبثت أن انتصرت الثورة الشيوعية في الصين وأعلن عن قيام دولة الصين في مجلس الأمن وفي الجمعية العمومية. وبذلك تكون الدول الفاعلة في المسرح الدولي سنة 1992 هي الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين، ألمانيا واليابان. وتؤثر كل من هذه الدول في المسرح الدولي بأدوات، فتحدث تأثيراً بشكل أو بآخر.

كان لبريطانيا وفرنسا إمبراطوريات تتشكل من مستعمرات في أرجاء المعمورة، وكانت تلك الإمبراطوريات تكسب بريطانيا وفرنسا المركز والنفوذ الدوليين. ولما حلّت تلك الإمبراطوريات واستقلت شعوبها ضعف نفوذ هاتين الدولتين وأصبح النفوذ يحقق من خلال دول إقليمية هنا وهناك. وللوقوف في وجه الهجمة الأميركية الشرسة على أوروبا، وأملاً في إحراز مركز دولي، وتعويضاً عن المكاسب المفقودة بانحلال الإمبراطوريات، سعت الدول الأوروبية إلى إيجاد سوق أوروبية مشتركة، ثم إلى وحدة نقدية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى نوع من الوحدة السياسية تبرز مواقف مشتركة في القضايا الدولية، وإلى دفاع أوروبي مشترك. وقد وقعت ست دول أوروبية في روما في 25 من آذار سنة 1957 اتفاقية السوق. وقد انضمت دول أوروبية أخرى للاتفاق ليصبح عددها اثنتي عشرة دولة، ولتصبح السوق الواحدة حقيقة واقعة اعتباراً من 01/01/1993. وقد اتفقت دول السوق في مؤتمر ماستريخت في كانون أول سنة 1991 على أن يكون 01/01/1993 أو 01/01/1999 كحد أقصى، موعداً لإتمام المرحلة النهائية من الوحدة النقدية وما يسمى بالوحدة السياسية. وبالرغم من العقبات التي أخذت تظهر، والأزمات التي أخذت تتفجر هنا وهناك، فإن الدول الأوروبية ستسير قدماً في إتمام الوحدة ولو بتأخير موعد الاستحقاق، وبخاصة أن الوحدة الأوروبية خيار سياسي قبل أن تكون خياراً شعبياً إن كانت أصلاً كذلك. وستبقى الوحدة الاقتصادية تهتز تحت الأزمات إن لم تصحبها وحدة نقدية.

كانت روسيا الشيوعية مركزاً لإمبراطورية وزعيمة لمعسكر. وقد أعطاها مبدأها الشيوعي بُعدها الدولي، واللحمة التي تنسج عليها سدى إمبراطوريتها ومعسكرها. لذلك من الطبيعي أن يؤدي التخلي عن المبدأ إلى انحلال المعسكر وتفكك الإمبراطورية، وأن تفقد روسيا بُعدها الدولي، فتعود دولة إقليمية كبرى. كان من الممكن أن يقال إن ما فعلته روسيا من سماحها لدول المعسكر والإمبراطورية بالانعتاق ن المركز، كان سياسة وقائية من التفكك بالثورات، لو أن ذلك حصل في ظل التمسك بالمبدأ. أما وقد تخلت روسيا عن المبدأ، فإنها تكون فد أفقدت الإمبراطورية والمعسكر مبرر بقائها. على أن ما حصل لم يفقد روسيا خصائص الدولة الإقليمية الكبرى، لذلك فقد أخذت روسيا تفتش لها عن هوية تعطيها بُعدها الإقليمي، وتجمع بها وحولها دول مجالها الحيوي. ومع أنها تعمل جاهدة على بسط نفوذها من خلال ما سمته رابطة الدول المستقلة القائمة في جوهرها على روابط اقتصادية، فإن هذه الروابط الاقتصادية أضعف من أن تبقي على الرابطة على المدى البعيد. وستجد دول الرابطة عاجلاً أم آجلاً روابط اقتصادية وغير اقتصادية أفضل مع دول أخر مما سيدفعها إلى الانعتاق من الرابطة. لذلك فإن مخاض ولادة المجال الحيوي الروسي ما لزال عسيراً بسبب معطيات إقليمية ودولية. وتحاول دول أوروبا الغربي أن تشد إليها دول أوروبا الشرقية ودول بحر البلطيق، كما تحاول تركية وإيران والباكستان أن تشد إليها دول البلدان الإسلامية مما قد يجعل المخاض عسيراً أو طويلاً ومؤلماً. وسيزيد الأمر تعقيداً استيطانُ حوالي ستة وعشرين مليون روسي خارج روسيا في بلدان الإمبراطورية الأخرى، منهم على سبيل المثال أحد عشر مليون روسي في أوكرانيا البالغ عدد سكانها خمسين مليون نسمة، وسبعة ملايين ونصف المليون روسي في قازاخستان التي يبلغ عدد سكانها ستة عشر مليون ونصف المليون نسمة. ويبلغ عدد سكان روسيا حوالي مائة وخمسين مليون نسمة، وتمتلك أكثر من 80% من ثروة الاتحاد السوفياتي السابق. وستحرص روسيا الاتحادية على التمسك بمجال روسيا القيصرية الجوي مجالاً لها.

نجحت بريطانيا في جر أميركا إلى أوروبا للوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي، وتوريطها في حرب ساخنة معه إن أمكن، فأشعلت أميركا معه حرباً باردة في أوروبا. ولما انفجرت الحرب الكورية في حزيران سنة 1950 مدّت أميركا الحرب الباردة للشرق واستعملتها وسيلة لمدّ نفوذها على حساب الدول الأوروبية. أخذت أميركا تمارس دور الشرطي العالمي، فأخذت تقدم مساعدات لأكثر من مئة دولة، وأقامت أحلافاً مع 42 دولة. أظهرت حرب الفيتنام إن طاقات أميركا محدودة، ولا تمكنها من ممارسة دور الشرطي العالمي، والوفاء بجميع التزاماتها على مستوى العالم للحفاظ على مصالحها في كل زاوية من زوايا العالم. كأن هذا يعني أن الدور العالمي الشامل سيستنزف أميركا وينهكها، وكان يقتضي للوهلة الأولى أن تقلّص أميركا قائمة مصالحها والتزاماتها العالمية. ولكن عوضاً عن ذلك وضع نيكسون مبدأ واستراتيجية تخفف الأعباء عن أميركا بينما تبقي على مصالح أميركا العالمية. تقوم استراتيجية نيكسون على أن يؤتى بالصين كقوة إقليمية كبرى تساهم في موازنة الاتحاد السوفياتي واحتوائه في منطقة المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا. كما تعهدت أميركا بأمر الحفاظ على مصالح أميركا الإقليمية، أي في أطراف الإمبراطورية، إلى قوى إقليمية متوسطة صديقة لأميركا وإلى المنظمات الإقليمية التي تستطيع أميركا تسخيرها مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والجامعة العربية وغيرها، فتقدم أميركا المساعدات الاقتصادية والمعدات العسكرية بينما تقدم القوى الإقليمية المتوسطة قوّاتها. ويكون من عمل الدول الإقليمية المتوسطة احتواء المد السوفياتي من دول العالم الثالث. وإذا كانت الصين لا تستطيع موازنة الاتحاد السوفياتي عسكرياً، فهي تستطيع موازنته واحتواء نفوذه سياسياً إذ أن التوازن الدولي الجديد توازن مصالح. ويتم كل ذلك تحت المظلة النووية الأميركية. أما دور الحلفاء الأوروبيين واليابان فيكون حالياً بزيادة مساهمتهم في أعباء الدفاع عن أنفسهم ضمن أحلافهم مع أميركا، أي بزيادة مساهمتهم في نفقات القوات الأميركية على أراضيهم. وإذا لم تكف هذه الترتيبات واضطرت أميركا للتدخل بقواتها فإنها تسخر معها غيرها تخفيفاً لأعباء التدخل، لا تعطي شيئاً من النفوذ إلا كملجأ أخير.. وهذه الاستراتيجية لا تعطي شيئاً من النفوذ، لدى تطبيقها، لأي من الخصوم أو الحلفاء في العالم الثالث، فتضع بذلك الأساس لانفراد أميركا في السياسة الدولية ليكون دورها عالمياً بينما يكون دور الأقطاب الآخرين إقليمياً. ونقول تضع الأساس لأن التطبيق الكامل لمثل هذه الاستراتيجية يحتاج إلى وقت.

المتغيرات العسكرية:

كانت الولايات المتحدة تحتكر سنة 194 الأسلحة النووية. ولكن ما لبثت الدول الأخرى أن كسرت هذا الاحتكار وأخذت تمتلك الأسلحة النووية ووسائل نقلها وصناعةً وتخزيناً. كان الاتحاد السوفياتي يحرص على موازنة أميركا في النوع والكم. وقد ورثت روسيا مخزون الاتحاد السوفياتي من الأسلحة النووية ووسائل حملها. لم يكن من المقبول عقلاً أن تتنازل روسيا عن مخزونها من الأسلحة النووية رضوخاً لمطالب الإدارة الأميركية، لذلك اتفق الرئيسان بوش ويلتسين في حزيران سنة 1992 على تقليص المخزون الأميركي إلى 3500 رأس نووي استراتيجي بينما يجري تخفيض المخزون الروسي إلى 3000 رأس استراتيجي. وقامت استراتيجية كل من فرنسا وبريطانيا على الحد الأدنى من الردع النووي ببناء رادع نووي عموده الفقري الصواريخ التي تطلق من الغواصات والموجهة ضد المدن والمراكز الصناعية الرئيسية. كما تبني الصين مخزوناً نووياً من رؤوس نووية يمكن إطلاقها من الغواصات والطائرات، مما أصبح يعتبر رادعاً جيداً. وتمتلك كل من ألمانيا واليابان المعرفة اللازمة لإنتاج الأسلحة النووية، ويعتمد تملك كل منهما لهذه الأسلحة على قرار سياسي يحول دون صدوره واعتبارات دستورية وتعقيدات دولية وإقليمية لما سيثيره تملكها لهذه الأسلحة من تشنجات. فتاريخها العسكري لا زال يلاحقها.

تحافظ أميركا على تفوق نوعي وكمي، ولكن لا قيمة للكمّ إذا قابله ردع مؤكد. فقد كان يمتلك كل أميركا والاتحاد السوفياتي ما يزيد عن عشرة آلاف رأس نووي استراتيجي وها قد جرى الاتفاق على تخفيض ذلك المخزون إلى 3500 رأس لأميركا و 3000 رأس لروسيا دون أن يؤثر ذلك بالطبع على مركز أي منهما. نجد من هذا أن العلاقات العسكرية قد تطورت منذ سنة 1945 لغير صالح أميركا، مما يضعف من مركزها الدولي عما كان عليه سنة 1945. أوجدت أعرافاً وتقاليد الشعب الأميركي في الحرب والسلام أعرافاً وتقاليد عسكرية لدى العسكريين تقول باستعمال جميع الأسلحة لكسب الحرب وبأسرع ما يمكن. ومن هنا كانت الإدارة الأميركية في استعمال السلاح إرادة مستهترة، وخلا استعمال جميع الأسلحة من أي قيد أخلاقي. وقد تكرست تلك الأعراف والتقاليد العسكرية إبان حرب الإبادة التي خاضتها دولة الولايات المتحدة الفتية ضد الهنود الحمر وما تلاها من حروب في نصف الكرة الغربي. لذلك يحرص العسكريين الأميركيون على التعتيم الكامل على أعمالهم العسكرية. وما يصاحبها من وحشية وفظائع، وحجبها عن أعين الشعب الأميركي والرأي العام العالمي، فأميركا تتفوق على غيرها في اللاأخلاقية والإرادة المستهترة في استعمال الأسلحة.

يمثل حلف الأطلسي أهم أحلاف أميركا وأنجحها وقد أقيم هذا الحلف في بداية الحرب الباردة للوقوف في وجه الاتحاد السوفياتي في أوروبا. أخذت المشاحنات تدبّ بين أعضاء الحلف منذ الستينات، ثم أخذ التصدع يتسرّب إليه بسبب الاختلاف في سياسات أعضائه، ولاتخاذ أميركا منه أداة لإبقاء هيمنتها على أوروبا. وكان من المفروض أن يؤدي تفكك الاتحاد السوفياتي وانحلال حلف وارسو إلى انحلال حلف الأطلسي لأنه فقد مبرر وجوده. لكن أميركا أخذت تختلق مبررات جديدة للإبقاء عليه، مما زاد من حدة التوتر بين أميركا وبعض الدول الأوروبية. فقد ندّد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في مؤتمر الحلف الذي انعقد في روما في تشرين ثاني سنة 91، (ندّد) بمواعظ أميركا المملّة والمكررة رداً على ما تلفظ به الرئيس الأميركي بوش من استفزازات.

فشلت دول السوق الأوروبية في اجتماعها في ماستريخت في الاتفاق على سياسة أمنية مشتركة. فقد اشترطت اتفاقية ماستريخت إجماع الدول الأعضاء في اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والسياسة الأمنية أي الدفاع المشترك، كما اشترطت أن تتوافق السياسة الأمنية مع سياسة حلف الأطلسي. يقول بول ماري دولاغورس في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» «وبرفض معاهدة ماستريخت للدفاع الأوروبي المشترك، وأنه يجب أن يكون في جميع الحالات متوافقاً مع القرارات التي تتخذ في حلف الأطلسي، فإن الباب سيبقى مقفلاً أمام أي سياسة دفاعية حقيقية لأوروبا، وأمام أي سياسة دفاعية وطنية» وإنجاز ماستريخت الأهم هو في الاتفاق على إتمام المرحلة النهائية من مسيرة الوحدة النقدية. وقد ذكرت صحيفة «الغارديان ويكلي» أن رئيس وزراء بريطانيان جون ميجر، قال في مجلس العموم البريطاني «إن ما بقي خارج المعاهدة هو بدرجة أهمية ما بداخلها… فلا يوجد سياسة اجتماعية، وليس هناك تقليل لدور حلف الأطلسي، ولا سلطة للبرلمان الأوروبي لإقرار ما يرفضه مجلس الوزراء الأوروبي، ولا تخفيض من القدرة الوطنية على اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية، أو لا يوجد في القاموس كلمة فيدرالية، ولا يوجد هناك أي ارتباط بأوروبا فيدرالية، فالسيادة ليس مما يخدش» لقد خلت ماستريخت من كلمة فدرالية أو كونفدرالية. حاول ميتران أن يجر الدول الأوروبية في براغ في حزيران سنة 91 إلى إعلان مبدأ مونرو أوروبي للقارة الأوروبية، ففشل، واثر الإحباط الناجم عن فشل مباحثات ماستريخت في التوصل إلى اتفاق واضح على سياسة دفاع أوروبي مشترك ومستقل. ووضع الأساس لكونفدرالية أوروبية بسبب معارضة بعض الدول الأعضاء، وعلى رأسها بريطانيا، عمد ميتران وكول في اجتماعهما في قمة لاروش في أيار سنة 92 إلى تشكيل فيلق ألماني فرنسي، قوامه 35000 إنسان، ويكون جاهز للعمل سنة 1995 كنواة لقوة أوروبية مستقلة أوجد هذا القرار قلقاً أميركياً، فأخذت أميركا تمارس ضغطاً على ألمانيا لتقوية روابط الفيلق بحلف الأطلسي كما طالب السفير الأميركي لدى الحلف أن تعود فرنسا أولاً إلى القيادة الموحدة للحلف كشرط لمباركة أميركا للمشروع.

ووصفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية مشروع الفيلق بقولها «طبخة ألمانية ـ فرنسية غامضة، وبناء واهن لأهداف مبهمة». وسيبقى مستقبل الفيلق تحيط به الشكوك حتى يثبت على ذلك، ويبقى حلف الأطلسي جسداً بلا روح ويبقى مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي الذي تشارك فيه إلى جانب الدول الأوروبية الولايات المتحدة وكندا تجمعاً للمتناقضات.

المتغيرات الاقتصادية:

كانت الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية عملاقاً اقتصادياً في عالم من الأقزام، فكانت تمتلك 70% من احتياطي العالم من الذهب أي ما يعادل 20 بليون دولار، وكانت تنتج 50% من بضائع العالم المصنعة، وكانت صادراتها تعادل ثلث الصادرات العالمية.. وكان ناتجها القومي سنة 1950، بعد أن تم إصلاح الكثير من الدمار الذي لحق بالدول المتحاربة يفوق مجموع الناتج القومي لكل من الاتحاد السوفياتي، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا الغربية، اليابان، وإيطاليا، إذ كان الناتج القومي الأميركي 381 بليون دولار، بينما كان مجموع الناتج القومي لتلك الدول 356 بليون دولار. فكان طبيعياً أن تكون أكبر دائن في العالم، وأن يكون الدولار ملكاً متوجاً من غير منازع.

أخذت الدولارات الأميركية تتدفق إلى الخارج بحثاً عن الاستثمار ولتمويل دور أميركا العالمي، فبدأ العجز يظهر في ميزان المدفوعات الأميركي منذ سنة 1950. كانت أميركا قد حاولت قبل الحرب العالمية الثانية فتح الإمبراطوريات الأوروبية أمام اقتصادها الضخم وفشلت. وكان الصراع على بترول الشرق الأوسط أبرز مظاهر الصراع. كتب تشرتشل إلى روزفلت يقول: «إنني مضطر لأن أصارحك القول بأن سياسة الولايات المتحدة في مسائل بترول الشرق الأوسط تبدو لكثير من زملائي في مجلس الوزراء محاولة لأرث رجل ما زال على قيد الحياة».

كررت أميركا محاولاتها بعد الحرب فلم تستطع إلا فتح ثغرات. توجهت أميركا بعد ئذ إلى أوروبا نفسها ظناً منها أن هي هيمنتها العسكرية على أوروبا بحلف الأطلسي ستسهّل لها الهيمنة الاقتصادية، فبحلف الأطلسي وخطة مارشال والاستثمارات الأميركية في أوروبا، كانت تأمل أميركا بقطع رأس الأفعى لا ذنبها.

وكعادة الأميركيين في الاستيطان عندما كان آلاف المستوطنين يتبعون الحد المتحرك، تدفقت المنتجات والمصانع ورؤوس الأموال والشركات الاستثمارية إلى أوروبا، وتدفق معها حشود من الموظفين والفنيين. لم يكن هذا تطبيقاً لنظريات المبدأ الحر كما وضعها آدم سميث وديفيد ريكاردو، وإنما كان تجاوزا لها وتحريفاً فيها، كما فعلت بريطانيا من قبل. فريكاردو، أشهر منظر في المبدأ الحر، يقول بحرية السوق وبانتقال البضائع، لكنه لا يقول بانتقال أدوات الإنتاج من رأسمال ومصانع وعمالة. فانتقال أدوات الإنتاج هو من قبيل الاستعمار ومن أجله لا تطبيقاً للنظريات. تسابقت الشركات الأميركية من جميع الاختصاصات، وفي شتّى المجالات إلى افتتاح فروع لها في أوروبا للقفز فوق الحواجز الجمركية، وتحسباً من أية إجراءات قد تتخذها أميركا للحد من خروج رأس المال، أو تتخذها أوروبا لمنع دخول رأس المال أو الحدّ من دخوله. وأخذت الشركات الأميركية، ورأس المال الأميركي بشراء الموجودات الأوروبية والاستيلاء على الشركات الأميركية العملاقة. وأذكر مثلاً على ذلك أن حركة شركة فولكس فاجن الدفترية كانت أقل من أرباح جنرال موتورز حتى منتصف الستينات. ولما كانت الدول الأوروبية تؤمن بقدرتها على احتواء الهجمة الأميركية، فقد رحبت بالمساعدات، بل وبالاستثمارات الأميركية بعد التوتر الذي كان قد أصاب العلاقات بين الطرفين لدى إخراج المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى الوجود. ولما أخذت عجلة الاقتصاد الأوروبي في الدوران منذ منتصف الخمسينات، وأخذ يستعيد عافيته أخذت الدول الأوروبية تعمل على تحجيم الهجمة الأميركية ثم احتوائها، فأوحت إلى شركاتها بالاندماج، وقدمت لها التسهيلات لذلك، لتتمكن من الوقوف في وجه الشركات الأميركية العملاقة. ثم جاء الرد الأوروبي الحاسم وبعيد المدى بإنشاء السوق الأوروبية المشتركة.

لم يثير العجز في ميزان المدفوعات الأميركي بادئ الأمر استياء الدول الأوروبية. فأميركا تموّل العجز بإصدار مزيد من النقد، فيتسرب جزء كبير منه إلى الخزائن الأوروبية، فتشبع أميركا بهذه السيولة نهم الدول الأوروبية للدولار لزيادة سيولتها النقدية وتمويل مشترياتها من أميركا وتسمين احتياطياتها. ولما كان الدولار قابلاً للصرف ذهاب من الخزانة الأميركية في أي وقت، احتفظت الدول الأوروبية به في بنوكها المركزية كالذهب، بل فضلته على الذهب باعتباره سيوله تستعملها عندما تشاء، ولأنها تجني نسبة من الفائدة على الدولار لا تجنيها من الذهب. كان استعمال الدولار في احتياطي الدول عملية ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب. فكلما أبدت الدول الأوروبية رغبة في اقتناء الدولار، أو عدم المعارضة في ذلك، كلما سهلت لأميركا تمويل عجز ميزانيتها وميزان مدفوعاتها بإصدار مزيد من النقد المكشوف، أي بالسحب على المكشوف، إن لم يكن الاستمرار في سياسة العجز نفسها.

لم يكن العجز في ميزان المدفوعات الأميركي حالة طارئة، فقد اخذ يصبح عجزاً مزمناً. ومع استقرار انتعاش الاقتصاد الأوروبي واستمراره، أخذت الدول الأوروبية تجد هويتها أو تسترجعها في المجال النقدي الحيوي، فأخذت مع مطلع الستينات تبدي امتعاضها من هيمنة الدولار ومن العجز المزمن في ميزان المدفوعات الأميركي. وفي سنة 1964 تساوت موجودات الدولار في احتياطي الدول، أي في البنوك المركزية، مع المتبقي من احتياطي أميركا من الذهب، بمعنى أن أية زيادة في موجودات البنوك المركزية من الدولارات لا تصاحبها زيادة في احتياطي أميركا من الذهب وستكون من غير مقابل من الذهب. ومع اندفاع أميركا في حرب فيتنام، وازدياد الإنفاق عليها ازداد العجز في ميزان المدفوعات الأميركي وازداد إصدار الدولارات لتموّل أميركا بها الحرب، فأخذ التضخم يظهر بشكل واضح، وينتقل مع انتقال الدولار الذي ضعفت قوته الشرائية، وأخذت الدولارات المكدسة في البنوك المركزية والتجارية تفقد شيئاً من قيمتها وقد سمى ديغول ذلك الفرق بالضريبة القسرية يدفعها العالم لأميركا، وإنها تصدّر الضخم إلى العالم. وبهذه الضريبة القسرية يموّل العالم دور أميركا العالمي، العسكري والسياسي والاقتصادي. وبيّن ديغول أن استعمال عملة وطنية لدولة ما كاحتياطي للدول الأخرى ليس سوى استعمار اقتصادي يعادل الاستعمار السياسي، ودعا إلى العودة إلى نظام الذهب.

أوجد العجز في ميزان المدفوعات الأميركي وانخفاض قيمة الدولار الشرائية مشاكل نقدية في العلاقات الدولية بين الدول الغربية ومعها اليابان تتعلق بسعر الصرف وبالسيولة وبالاحتياطي. أخذت الدول الأوروبية واليابان تضغط على أميركا لإعادة التوازن إلى ميزان مدفوعاتها، لكن احتجاجات تلك الدول وقعت على إذن سماء لأن إعادة التوازن كانت تعني تنازل أميركا عن دورها العالمي أو فرض ضرائب باهظة على المواطن الأميركي، فكان هذا أول عملية ابتزاز أميركي للنظام الدولي الذي صنعته أميركا على عين بصيرة.

ومع تصاعد وتيرة الأزمات النقدية، وتصاعد حدة التوتر مع أميركا، أخذت دول أوروبية وعلى رأسها فرنسا تعمل على استبدال الدولارات ذهباً من الخزينة الأميركية، واشتد الإقبال على ذلك، ففقدت الخزينة الأميركية، واشتد الإقبال على ذلك، ففقدت الخزينة الأميركية في الربع الأخير من سنة 1967 من ذهبها ما يزيد على بليون دولار، وفي شهري كانون ثاني وشباط من سنة 1968 حوالي 1,5 بليون دولار، ثم أخذت تماطل في استبدال الدورات ذهباً إلى أعلن الرئيس نيكسون في 15 آب سنة 1971 قراره التاريخي بفك ارتباط الدولار بالذهب ووضع العالم أمام الأمر الواقع، وكانت هذه أول (بلطجة) أميركية على العالم. وبعد هذه (البلطجة) ساق نيسكون الدول الصناعية للموافقة على اتفاق سميثسون في 14 كانون أول سنة 1971 على أسعار صرف جديدة جعلت من نظام النقد نظام دولار صرفاً، فقد ربطت العملات العالمية بالدولار من غير بط الدولار بالذهب. لذلك لم يكن غريباً أن يصف نيكسون الاتفاق بأنه أعظم إنجاز نقدي في التاريخ، بينما اعتبر رئيس وزراء اليابان رفع قيمة الينّ صدمة اقتصادية.

وفيما يلي جدول يبيّن تطور اقتصاد الدول الصناعية في الفترة ما بين 1960 ـ 1980 مبيناً الناتج القومي لكل منها:

الدولة

1960

1970

1980

1980

اليابان

الصين

المجموعة الأوروبية

الولايات المتحدة

الاتحاد السوفياتي

4,5%

3,1%

26%

25,9%

12,5%

7,7%

3,4%

24,7%

23%

12,4%

9%

4,5%

22,5%

21,5%

11,4%

1157

441

2907

2590

1205

مقدراً بالدولار/ بالبليون.

(أصبحت نسبة الناتج سنة 1991 مقدار 10% من الناتج العالمي).

(ألمانيا 828،0 فرنسا 0,633 بريطانيا 0,443 والمجموعة بأكملها 2907).

(هبطت نسبة الناتج سنة 1991 إلى 19% من الناتج العالمي).

وهذا جدول يبيّن مسيرة العجز في الموازنة، والدين، والفوائد على الدين، في أميركا، بالبليون دولار.

السنة

العجز

الدين

الفائدة

1980

1983

1985

1992

59,6

195,4

202,8

295,1

(أحد عشر شهراً)

914,3

1381,9

1823,1

3950

52,5

87,8

129,00

275

(عن أحد عشر شهراً)

وهكذا نجد أن الدين الفدرالي بلغ سنة 1992 حوالي 4 تريليون دولار، وأن العجز عن أحد عشر شهراً قد بلغ 295 بليون دولار، ويقدر أن يصل عن كامل السنة إلى 333 بليون دولار. بمعنى أن كل أميركي مدين بمبلغ 16000 دولار. أما الدين الاتحادي، أي ديون الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات فقد بلغ أحد عشر تريليون دولار، أي أن كل أميركي مدين بمبلغ 43000 دولار (ثلاثة وأربعين ألف دولار). يقدر الباحث الأميركي بول كيندي أن الأمور إذا بقيت تسير على هذا المنوال فإن الدين الفيدرالي سيصل سنة 2000 إلى ثلاثة عشر تريليون دولار، وأن الحكومة الفيدرالية ستدفع حوالي 1,5 تريليون دولار فوائد. فالشعب الأميركي يعيش اليوم على حساب الأجيال الأميركية القادمة.

انخفض الناتج الأميركي سنة 1991 إلى 19% من الناتج العالمي، وارتفع الناتج الياباني إلى 10%، وناتج المجموعة الأوروبية إلى ما يقارب 25%.

ويعاني الميزان التجاري الأميركي من عجز كبير ودائم مع اليابان، فقد بلغ فائض اليابان التجاري مع أميركا سنة 1987 مبلغ 56 مليار دولار، وفي سنة 1990 مبلغ 41,87 مليار دولار، وسنة 1991 مبلغ 43,44 مليار دولار، وفي شهر آب 92 مبلغ 9 مليارات دولار، وفي شهر تشرين أول 92 مبلغ 10 مليار دولار. وقد وصل الفائض إلى هذه المستويات مع إن البضائع التي تصنعها اليابان خارج اليابان كالمكسيك وتايوان، وفي داخل أميركا نفسها لا تدخل في الميزان التجاري بين البلدين، لأنها تصدر لأميركا من مكان المصنع. كان الناتج الياباني سنة 1950 يمثل 8,4% من الناتج الأميركي، وأصبح سنة 1992 يمثل ما يزيد عن 50% منه. وتضغط الولايات المتحدة على اليابان لدرجة الابتزاز للعمل على تعديل الميزان التجاري بأن ترفع اليابان قيمة الين، وأن تخفض من الحواجز الجمركية وتنشيط الواردات من الولايات المتحدة، وأن تتحول من سياسة الادخار إلى سياسة الاستهلاك. وتضغط على اليابان لشراء 30% و40% من الدين الأميركي المتمثل بسندات الخزينة.

ومع أن العجز في ميزان المدفوعات الأميركي بدأ يظهر منذ سنة 1950 فإن الدين الفيدرالي كان سنة 1980 مبلغ 914,3 بليون دولار، بينما ارتفع من سنة 1980 وحتى 1992 إلى 3950 بليون دولار. والسبب أن أميركا كانت تبتز النظام الدولي فتمول عجزها أي دورها العالمي وتسلحها بإصدار نقد مكشوف، وبتحميل دول العالم أعباء الحفاظ على سعر الدولار، وأعباء انخفاض قيمته الشرائية. ولما ضج العالم، وضجت الدول الصناعية وأخذت تتشاحن مع أميركا. اضطرت إلى تمويل العجز بالدين المتمثل بسندات الخزينة. وتمثل التجارة الخارجية الأميركية 10% فقط من ناتجها القومي، مما يعني أن مشكلة أميركا هي في استهلاكها الذي يفوق إنتاجها.

كان الناتج السوفياتي يعادل نصف الإنتاج الأميركي. وكان سباق التسلح والمساعدات لدول العالم الثالث التي كانت تتلقى مساعدات منه يستنزف جزءاً كبيراً من الاقتصاد السوفياتي. فلما استنكر الثنائي بريجنيف ـ كوسيجين استراتيجية خروتشوف القائلة بالاعتماد على الردع وليس على المساواة العددية في الأسلحة، فأسقطا من السلطة وقع الاتحاد السوفياتي في الشرك الأميركي وهو سباق التسلّح. وكان من الممكن أن يصمد اقتصاد الاتحاد السوفياتي لو كان دور الروبل كدور الدولار، أو كان في موقع يمكنه من ابتزاز العالم لتمويل نفقاته. وقد سلك غورباتشوف طريق الموت عندما اختار طريقاً للإصلاحات يضع فيه نفسه ونظامه وبلده في يد من لا يرحم ومن لم يعرف الرحمة قط. ولما توفي الاتحاد السوفياتي ترك إرثاً مقداره 70 بليون دولار هي الديون المتراكمة عليه، بينما كانت ديون الولايات المتحدة 4000 بليون دولار. وتمتلك روسيا أكثر من 80% من اقتصاد الاتحاد السوفياتي السابق، ولذلك فإن بإمكانها بعد أن تخففت من حوالي نصف عدد سكانهن أن تتلمس طريق النجاة إن هي أبعدت أيدي الغربيين عنها.

تمثل السوق الأوروبية المشتركة قاطرة الاقتصاد العالمي بعد أن فاق ناتجها الأميركي. ولما أخذ الاقتصاد العالمي يسير نحو تكتلات مقفلة، فإن السوق الأوروبية المشتركة أهمها وأنجحها. وقد فشلت أميركا في فتحها أمام اقتصادها فأخذت تعمل على إيجاد كتلة اقتصادية أميركية من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وسكون إخراج وحدة النقد الأوروبية (الأكو) إلى الوجود إنجازاً تاريخياً. وستتمكن وحدة النقد الأوروبية من إنزال الدولار عن عرشه إن لم تحل محلّه كعملة عالمية أولى. لذلك فإن أميركا تعمل بشكل مسعور لوأد المشروع في طوره الجنيني، ولكن الدول الأوروبية، كما يبدو، مصممة على تلمس طريقها الوعر والسير عليه، ليس فقط للوقوف في وجه أميركا اقتصادياً وإنما للتخلص من استعمار أميركا النقدي، استعمار الدولار، الذي ربط اقتصاد أوروبا رغماً عنها بأميركا.

(يتبع)

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» رواه مسلم وغيره.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليبلغنّ هذا الأمر (أي حكم الإسلام) ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيتَ مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بعزِّ عزيز، أو بذلِّ دليل، عزاً يعزُّ اللهَُ به الإسلام، وذُلاًّ يذلّ به الكفر» رواه الجماعة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *