العدد 70-71 - العددان 70-71، السنة السادسة، شعبان ورمضان 1413هـ، الموافق شباط وآذار 1993م

رسالة في ليلة التنفيذ

 الشاعر الشهيد: هاشم الرفاعي

أبتاهُ ما ذا قد يَخُطُّ بناني
.

والحبلُ والجلادُ ينتظران؟
.

هذا الكتابُ إليكَ منْ زنزانةٍ
.

مقرورةٍ صخرية الجدرانِ
.

لم يبقَ إلاّ ليلَةٌ أحيا بها
.

وأُحِسُّ أنَّ ظلامها أكفاني
.

ستمرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في
.

هذا وتحملُ بعدها جثماني
.

 

k k k

 

الليل من حولي هدوءٌ قاتلٌ
.

والذكرياتً تمولاُ في وجداني
.

ويهدني ألمي فأنشُدُ راحتي
.

في بضع آياتٍ مِنَ القرآنِ
.

والنفسُ بينَ جوانحي شفاقةٌ
.

دبَّ الخُشوعُ بها فهزَّ كياني
.

قدْ عشتُ أُومنُ بالإله ولم أذقْ
.

إلاّ أخيراً لذّة الإيمان
.

 

k k k

 

والصمتُ يقطعهُ رنينُ سلاسلٍ
.

عبثتْ بهنّ أصابعُ السَّجّانِ
.

ما بينّ آونةٍ تمرُّ وأُختها
.

يرنو إليّ بمقلتَيْ شيطان
.

من كوةٍ بالبابِ يرقبُ صيدَهُ
.

ويعودُ في أمنٍ إلى الدورانِ
.

أنا لا أحسُّ بأَيّ حقدٍ نحوهُ
.

ماذا جنى فتمسُّهُ أضغاني؟
.

هوَ طيِّبُ الأخلاقِ مثلُكَ يا أبي
.بي

لمْ يبدُ في ظمأ إلى العدوانِ
.

لكنّه إنْ نامَ عنّي لحظةً
.

ذاقَ العيالُ مرارةَ الحرمانِ
.

فلربّما ـ وهو المروع سحنةً
.

لوْ كانَ مثلي شاعراً لرثاني
.

أوْ عادَ منْ يدري ـ إلى أولادهِ
.

يوماً، تذكّرَ صورتي فبكاني
.

وعلى الجدار الصَّلبِ نافدةٌ بها
.

معنى الحياة غليظةُ القضبان
.

قدْ طالما شارفتُها متأملاً
.

في السائرين على الأَسى اليقظانِ
.

فأرى وجوماً كالضباب مصوِّراً
.

ما في قلوب الناس منْ غليانِ
.

نفسُ الشّعورِ لدى الجميع وإن هُمُ
.

كتموا… وكانَ الموتُ في إعلاني
.

ويدورُ همسٌ في الجوانحِ: ما الذي
.

بالثورةِ الحمقاءِ قدْ أغراني؟
.

أو لمْ يكُنْ خيراً لنفسي أَنْ أُرَى
.

مثل الجموع أسيرُ في إذعان
.

ما ضرّني لوْ قدْ سكتُّ وكلّما
.

غلب الأسى بالَغتُ في الكتمانِ
.

هذا دمي سيسيلُ يجري مطفِئاً
.

ما ثارَ في جنبيّ من نيرانِ
.

وفؤاديَ الموّارُ في نبضاتِهِ
.

سيكفّ منْ غدهِ عن الخَفقَانِ
.

والظلمُ باقٍ… لنْ يحطّمَ قيدَهُ
.

موتي ولَنْ يودي به قرباني
.

ويسير ركبُ البغي ليسّ يضيرهُ
.

شاةٌ إذا اجتثَّتْ منَ القُطعانِ
.

 

k k k

 

هذا حديثُ النفسِ حينَ تشفّ عن
.

بشرِيّتي وتمورُ بعد ثوانِ
.

وتقولُ لي: إنَّ الحياةَ لغايةٌ
.

أسمى منَ التصفيقِ للطُغيانِ
.

أنفاسُكَ الحرّى وإن هي أُخمدتْ
.

ستَظلّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بدخانِ
.

وقروحُ جسمكَ هو تحتَ سياطهم
.

قسماتُ صبحٍ يتّقيهِ الجاني
.

دمعُ السجين هناك في أغلالِه
.

ودَمُ الشهيدِ هُنا سَيَلْتقيانِ
.

حتى إذا ما أفعِمتْ بهما الرُّبا
.

لمْ يبقَ غيرُ تمرّدِ الفيضان
.

ومنَ العواصف ما يكونُ هبوبُها
.

بعدَ الهدوء وراحة الربّانِ
.

إنّ احتدام النارِ في جَوفِ الثّرَى
.

أمرٌ يُثيرُ حفيظةَ البركانِ
.

وتتابعُ القطراتِ يَنزلُ بعدَهُ
.

سيلٌ يَليه تدفّقُ الطوفانِ
.

فيموجُ يقتلعُ الطغاةَ مزمجراً
.

أقوَى مِنَ الجَبروتِ والسُّلطان
.

 

k k k

 

أنا لَستُ أدري هَلْ سَتُذْكَرُ قصّتي
.

أمْ سَوفَ يَعدُها دُجى النسّيانِ؟
.

أو أنني سَأكونُ في تاريخنا
.

مُتآمراً أمْ هادِمَ الأوثانِ
.

كلُّ الذي أدريهِ أنّ تَجَرّعي
.

كأسَ المذلة لَيْسَ في إمكاني
.

لَو لمْ أكُنْ في ثورتي مُتَطلّباً
.

غَيرَ الضياء لأمتي لكفاني
.

أهوَى الحياةَ كريمةً، لا قَيدَ، لا
.

إرهابَ، لا استخفافَ بالإنسانِ
.

فإذا سَقطتُ، سَقَطتُ أحملُ عِزّتيِ
.

يَغلي دُمُ الأحرار في شَرَياني
.

أَبَتاه إن طَلَعَ الصباحُ على الدُّنا
.

وأضاءَ نورُ الشَّمسِ كلَّ مَكانِ
.

واستقبلَ العُصفورُ بَينَ غصونِه
.

يَوماً جَديداً مشرقَ الألوانِ
.

وسَمِعتَ أنغامَ التفاؤُل ثَرّةً
.

تَجري على فَمِ بائعِ الألبان
.

وأتى يَدُقُّ كما تَعوّدَ بابَنا
.

سَيَدُقُّ بابَ السجنِ جَلاّدانِ
.

وأكون بعد هنيهةٍ متأرجحاً
.

في الحبل مشدوداً إلى العيدانِ
.

ليكن عزاؤك أنَّ هذا الحبلَ ما
.

صَنعتْهُ في هذه الرُّبوعِ يدانِ
.

نَسجوهُ في بَلدٍ يَشُّع حضارةً
.

وتُضاءُ مِنهُ مشاعِلُ العِرفان
.

أو هكذا زعموا… وجيء به إلى
.

بلدِ الجريحِ على يَدِ الأعوان
.

أنا لا أُريدُكَ أن تعيشَ مُحطَّماً
.

في زحمةِ الآلامِ والأشجانِ
.

أنّ ابنكَ المصفودَ في أغلالِه
.

قد سيقَ نحوَ الموتِ غيرَ مُدانِ
.

فاذْكُر حكاياتٍ بأيامِ الصبا
.

قد قُلتَها لي عن هوى الأوطانِ
.

وإذا سَمعتَ نشيج أمي في الدُّجى
.

تبكي شباباً ضاع في الريعانِ
.

وتُكَتَّمُ الحسراتِ في أعماقها
.

أَلَماً تُواريهِ عَن الجيرانِ
.

فاطلبْ إليها الصفّحَ عني، إنّني
.

لا أبتغي منها سوى الغُفْرانِ
.

ما زالَ في سمعي رنينُ حديثها
.

ومَقالِها في رحمةٍ وحَنانِ:
.

أَبُنَيّ، إني قد غدوتُ عَليلةً
.

لَمْ يَبْقَ لي جَلَدٌ على الأحزانِ
.

فَأَذِقْ فُؤادي فرحةً بالبحثِ عَن
.

بنتِ الحلالِ ودَعْكَ من عصياني
.

كانت لها أُمنيّةٌ ريّانةٌ
.

يا حُسنَ آمالٍ لها وأَماني
.

والآن لا أدري بأي حَوانِجٍ
.

ستبيتُ بَعدي أم بأي حنانِ
.

 

k k k

 

هذا الذي سَطَّرْتُهُ لكَ يا أبي
.

بعضُ الذي يجري بفكرٍ عانِ
.

لكنْ إذا انتصرَ الضياءُ ومُزّقتْ
.

بيد الجموع شريعةُ القُرصانِ
.

فلسوف يذكرني ويُكْبِرْ هِمَّتي
.

مَنْ كان في بلدي حليفَ هَوانِ
.

وإلى لقاءِ تحت ظل عدالة
.

قُدسيَّة الأحكامِ والميزانِ c
.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *