العدد 68 - السنة السادسة، جمادى الآخرة 1413هـ، كانون الأول 1992م

النظام الدولي الجديد (6) أميركا والعالم

بقلم: محمد موسى

أدت الحرب العالمية الثانية إلى تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة. فقد تمخضت هذه الحرب عن بروز دولتين عظيمتين هما أميركا والاتحاد السوفياتي، وضعف دولتين هما بريطانيا وفرنسا، واضمحلال دولتين هما ألمانيا وإيطاليا. هذا بالإضافة إلى الدمار الشامل الذي لحق بأوروبا. وفي الشرق الأقصى فقد أدت الحرب إلى تدمير اليابان بعد ضرب هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية الأميركية واستسلام الجيش الياباني في كل مكان. وقد دفع تحرير الصين من الاحتلال الياباني وما تلا ذلك من أعمال إلى وضع الثورة الشيوعية الصينية على طريق النجاح والنصر. وتسنّمت أميركا الهرم الدولي فتربعت على عرش الدولة الأولى في العالم من غير منازع، شأنها في ذلك شأن بريطانيا بعد 1815.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد هزّت ميزان القوى في أوروبا، فإن الحرب العالمية الثانية قد هدمته بالكامل وأخرجت مركز الثقل الدولي خارج أوروبا. وبهذا يكون قد هدم النظام الدولي الذي قامت الحرب من أجل الحفاظ عليه، وكان على أميركا، بعد أن أصبحت الدولة الأولى في العالم، أن تتقدم بوجهة نظرها لبناء نظام دولي جديد.

خرجت أميركا من عزلتها كما تخرج الحشرة من شرنقتها بعد أن يكون قد اكتمل نموّها وتمّ نضجها. وكانت في بناء قدراتها ككرة الجليد المتدحرجة من عليٍ، كلما تحركت كبرت حجماً وازدادت زخماً وقوة. ففي سنة 1890 توقف الحدّ المتحرك غرباً على شواطئ المحيط الهادي. ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت قد أنشأت قوة عسكرية كبيرة وأسطولاً بحرياً قوياً، وبنت اقتصادها على أساس متين، فشنّت سنة 1898 آخر حروبها في نصف الكرة الغربي عندما انتصرت في تلك الحروب على أسبانيا، فجعلت من كوبا محمية لها واحتلت الفلبّين والجزر الواقعة على الطريق إلهيا مثل هاواي وغوام، واتخذت من الفلبين قاعدة للانطلاق صوب آسيا عندما تحين الفرصة.

وعندما حصل في الحرب العالمية الأولى توازن في القوى بين ألمانيا والحلفاء وتحوّلت الحرب إلى حرب خنادق، دخلت أميركا الحرب إلى جانب الحلفاء فرجحت كفتهم واستسلمت ألمانيا.

وبعد الحرب العالمية الأولى، وبعد أن أكملت أميركا هيمنتها على نصف الكرة الغربي، بدأت تناوش الدول الكبرى، فألزمت بريطانيا في مؤتمر واشنطن للدول البحرية سنة 1912 بالاعتراف بمساواة الأسطول الأميركي للأسطول البريطاني، كما ألزمتها بإلغاء حلفها (البحري) مع اليابان المعقود سنة 1904 والذي كان قد مهّد لانتصار اليابان على روسيا في ذلك العام. وليس أدل على وزن أميركا في الميزان الدولي عند ئذ مما قيل أثناء مناقشة مجلس الوزراء البريطاني لإلغاء حلف بريطانيا البحري مع اليابان، فقد قال تشرشل: «ليس ثمة سياسة أكثر قتلاً من تحالف بريطانيا مع اليابان ضد أميركا»، فرد رئيس الوزراء لويد جورج قائلاً: «ثم سياسة أكثر قتلاً، وهي أن تكون بريطانيا تحت رحمة أميركا. فإذا اعتمدت الإمبراطورية البريطانية على أميركا فقد فقدت بريطانيا إمبراطوريتها». فقد قدّر تشرشل قوة أميركا بينما قدّر لويد جورج أطماعها في الإمبراطورية البريطانية وفي العالم.

أميركا والنظام الدولي:

ما أن بنت أميركا قوّتها، وأحكمت قبضتها على نصف الكرة الغربي، وأخذت تتطلع للعالم، حتى أخذ رؤساؤها في إبداء وجهة نظرهم في النظام الدولي. فقد ندد الرئيس ويلسون بمبدأ توازن القوى، ونادى بعائلة دولية واحدة جُسِّدت بعد الحرب العالمية الأولى في عصبة الأمم. لكن عودة أميركا بعد الحرب لعزلتها لأسباب داخلية، وتنافس الدول الكبرى جعل من عصبة الأمم منبر خطابة وحسب، وبقي توازن القوى السياسة الدولية السائدة. كما ندّد الرئيس روزفلت بعده بسياسة توازن القوى واعتبرها سبب الحروب وأخذ ينادي لعالم واحد يتجسد في منظمة دولية تضمن الأمن للجميع، ولمنع الحروب وتنشر العدل.

وإذا دققنا النظر في سياسة توازن القوى نجد أنها لا تسبب الحروب ولا يمكن أن تكون كذلك، لأن حشد القوى في وجه الدولة أو الدول التي تنوي العدوان يردعها عن تنفيذه إلا أنْ تغلب عليها أحلامها ويتحكم فيها غرورها. فجشع الدول الكبرى هو الذي سبب ويسبب الحروب. وسياسة توازن القوى إن لم تمنع الحروب فإنها تقلّل منها. وإذا استعرضنا تاريخ أوروبا نجد أن أحلام جميع الدول الطامعة في السيطرة على أوروبا وبالتالي على العالم قد تبخّرت على أبواب توازن القوى، وأن توازن القوى قد أوجد السلام في أوروبا لمدة قرن من انتهاء الحروب النابليونية وحتى الحرب العالمية الأولى. أما إن انفجرت حرب فعلاً فإنها غالباً ما تكون حرباً واسعة.

وإذا دققنا النظر في أحوال أميركا وأعرافها وسياستها، وفي الوضع الدولي لدى صدور تصريحات الرؤساء المذكورين، نجد أن أسباباً أخرى وراء سياسة أميركا هذه. كانت أميركا ترى أن الخطر سيتهددها إذا تمكنت دولة أو تحالف دول من السيطرة على أوروبا أو حتى منطقة المحيط الهادي وبخاصة الصين، مما يمكن تلك الدولة أو ذلك التحالف من حشد قوة تمكّن من غزو أميركا، وبخاصة بعد أن ابتدع بسمارك سياسة الأحلاف بعيدة المدى. لذلك كانت أميركا تتدخل لمنع ذلك وللإبقاء على توازن القوى أو منع الأحلاف التي يمكن أن تؤدي لهذا. ومن هذا المنطلق أصرّت أميركا سنة 1921 على إلغاء الحلف البحري بين بريطانيا واليابان في الشرق الأقصى.

ومع مطلع القرن العشرين أخذت أميركا تيمّم وجهها شطر العالم، وكانت ترى من نفسها الدولة الأقوى أو أنها في طريقها لأن تصبح الدول الأقوى. ومعلوم أن الدولة المتفوّقة في القوة تجني ثمار تفوّقها في العائلة الدولية أو في التفرّد الدولي لأنها تبقى الأقوى بين أقوياء، لكنها تفقد ميزة تفوّقها في التوازنات الدولية والأحلاف التي تضع في وجهها تجمعاً من القوى لا قبل لها به. يضاف إلى ذلك أن تقاليد أميركا السياسية تقضي بعدم الدخول في أحلاف مع دول أقوى منها أو تعادلها في القوة، كما تقضي بانفراد أميركا في القيادة وفي الهيمنة. ومن هنا جاءت تنديدات رؤساء أميركا المذكورين بسياسة توازن القوى والمناداة بمنظمة دولية تكون أميركا الأقوى فيها، فتحقق بذلك قيادتها للعالم وزعامتها عليه.

كانت الحرب العالمية الثانية الفرصة الذهبية لروزفلت ليضع وجهة النظر الأميركية هذه موضع التنفيذ. وكان يرى أن نجاح الأمم المتحدة يقتضي تفاهماً خاصاً بين أميركا والاتحاد السوفياتي، لذلك أبدى كرماً زائداً في تعامله مع ستالين في مواضيع تسويات الحرب. يقول المؤرخ البريطاني كالفوكوريسّي في كتابه «الحرب الشاملة»: «لقد كان روزفلت، كويسلون، ينظر بازدراء لقضايا سياسة القوة، وكان يرى أهمية إيجاد منظمة دولية تفرض الانسجام العالمي على النزاعات، ومن أجل هذا فإن التوادد الأميركي السوفياتي مهم. وسيعتمد إنقاذ الآخرين على هذا التفاهم. ووجهة النظر هذه عن النظام الدولي [العالم الواحد القائم على تفاهم الدولتين] ماتت مع موته ولكنها بعثت في عصر الردع النووي».

لم يبد ستالين معارضة للفكرة، لأن ما كان يهمه هو للكاسب على الأرض. ولكن المعارضة جاءت من بريطانيا، فما أن أشرفت الحرب على نهايتها وأخذت أميركا تعمل على إخراج المؤسسات الدولية التي تجسّّد التفوق الأميركي في مكاسب مادية ونفوذ سياسي تحت الحراب الأميركية، حتى أخذ التوتر يظهر في العلاقات الأميركية البريطانية، وأخذت بريطانيا تقف في وجه التوجهات الأميركية. كان تشرشل يرى إقامة تكتلات إقليمية وليس نظاماً دولياً، لذلك أبدى معارضة لبناء مؤسسات دولية تضمن لأميركا الهيمنة السياسية والاقتصادية والمالية، بينما تُبقي التكتلات الإقليمية على الإمبراطوريات، وتبقيها مقفلة في وجه الطامع الجديد، فكتب إلى وزير خارجيته إبيرن يقول: «يجب عليك أن تبين أنه ليس لدينا فكرة عن ثلاث أو أربع دول تحكم العالم. وعلى العكس، فإن انتصار هذه الدول يؤهلها لخدمة العالم في المجال الأكثر أهمية، وهو منع نشوب حرب جديدة. ونحن من جانبنا غير مستعدين للخضوع لنظام اقتصادي ومالي ونقدي تضعه دول أخرى مثل روسيا أو أميركا وتابعتها الصين». ومع أن احتلال ألمانيا لفرنسا أخرجها من المسرح الدولي فلم يشارك أي من ساستها في المباحثات التمهيدية التي أجراها روزفلت مع حليفيه تشرشل وستالين، فقد وصف ديغول سياسة أميركا في إخراج المنظمات الدولية بقوله: «إنها الرغبة في التحكم والسيطرة في ثياب المثالية».

كان إخراج المؤسسات الاقتصادية أكثر تعقيداً من غيرها، ذلك أن الاقتصاد الأميركي كان قد شبّ وترعرع وتضخّم في وقت مبكّر. ولما حاول الوصول إلى الأسواق العالمية ومصادر المواد الخام تجارة واستثمار وجد العالم مناطق مقفلة على شكل مستعمرات ومناطق احتكار وامتياز للدول الأوروبية. حاولت أميركا فتح تلك التكتلات أمام اقتصادها، فنادت بسياسة الباب المفتوح وبحريّة التجارة ولكنها وجدت آذاناً صماء. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية صممت على أن تجعل منها طريقاً لنجاحها. فلما احتلت ألمانيا أوروبا وبقيت بريطانيا وحيدة في الميدان، أصبحت بأمسّ الحاجة لمساعدة أميركا بل ولدخول أميركا الحرب إلى جانبها، فانتزعت أميركا منها في مفاوضات ما سمّى بشرعة الأطلنطي، وفي اتفاقيات الإعارة والتأجير سنة 1942 وعداً بفتح الإمبراطورية البريطانية أمام التجارة الأميركية بل ومنح شعوب تلك الإمبراطورية حق تقرير المصير. يقول الأستاذان في جامعة جون هوبكنز، رولاند وكاليو في كتابهما «أميركا والاقتصاد السياسي العالمي»: «أنهكت الحرب الاقتصاد البريطاني، وكانت أميركا مسؤولة عن ذلك. فوزير خارجيتها كورديل هَلْ بقي مصمماً طيلة فترة الحرب على حل الكتلة البريطانية، واستعمل اتفاق الإعارة والتأجير بمهارة لإنزال بريطانيا إلى مرتبة التابع المالي، فجعل سياسة أميركا في ذلك الاتفاق تقوم على الإبقاء على احتياطي بريطانيا 600 مليون دولار وبليون دولار».

كانت حرية التجارة وحرية تحويل العملات ترتبط ارتباطاً مباشراً بفكرة الإمبراطوريات وبالإمبراطوريات فعلاً. ولما كانت الدول الأوروبية تتمتع في الكتل الاقتصادية والتجارية والنقدية بالأفضلية، فكانت تكسبها القوة وتكسبها النفوذ على المسرح الدولي، وجدت أن فتحها أمام اقتصاد أميركا الهائل والجشع سيفقدها تلك الإمبراطوريات. لذلك ما أن شرعت أميركا في إخراج المؤسسات الدولية الاقتصادية، والتجارية والنقدية حتى أظهرت الدول الأوروبية مواقف أكثر تصلباً. بحجة حاجتها لمزيد من الوقت لإعادة بناء اقتصادها الذي دمرته الحرب، فتنكر تشرشل لوعوده التي أعطاها لأميركا واعتبرها غير ملزمة له، واعتبر طلب أميركا من باب النصح والوعظ.

ولكن لما كان الاقتصاد عصب قوة الدول، وكان النقد مركز الاقتصاد وأداة استقراره، أصرّت أميركا على إخراج المؤسسات التجارية والنقدية لتضمن الهيمنة في كل شيء. وقد قال وزير الخزانة الأميركي لمجلس النواب الأميركي: «إن الدعم للأمم المتحدة يعني الدعم لصندوق النقد الدولي، فالأمن ومؤسسات النقد يكمل أحدهما الآخر كنصلي مقص»، ولما ألغت أميركا في حزيران سنة 1945 اتفاقات الإعارة والتأجير مع جميع حلفائها في الحرب، نضب احتياطي بريطانيا فأرسلت وقداً لأميركا للحصول على مساعدات عاجلة تقدر بمبلغ 6,6 بليون دولار. لكن أميركا تلكأت فلم توافق إلا بعد أن قام تشرشل سنة 1946 بجولته المشهورة في أميركا التي ألقى فيها خُطباً استعدى فيها أميركا حكومة وشعباً على الاتحاد السوفياتي. وافقت بعدها أميركا على تقديم قرض بمبلغ 3,75 بليون دولار مقبل شروط صعبة منها أن تقبل بريطانيا بتحويل حر للجنية الإسترليني اعتباراً من سنة 1947. لكن ما أن سمحت بريطانيا بتحويل الجنية حتى أخذ اقتصادها في الانهيار مما اضطرها إلى تخفيضه وإيقاف تحويله وإلى الإبقاء على منطقة الإسترليني حتى سنة 1958 عندما بدأت حرية تحويل العملات الأوروبية جميعاً، مع أن اتفاقيات «بريتون وودر» للمؤسسات المالية والنقدية كانت قد وقعت في تموز سنة 1946. كما أدت المفاوضات المتعثرة حول حرية التجارة عامي 47 ـ 48 إلى إيجاد منظمة الجات GATT أو الاتفاق العام على التعرفة الجمركية والتجارة، وكان نجاح أميركا فيها جزئياً.

وقد امتنع ستالين عن المشاركة في المؤسسات الاقتصادية والمالية لأنها تشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول، ولإبعاد دول أوروبا الشرقية عن تدخلات الدول الغربية، مما أبقى هذه المؤسسات حكراً على الدول غير الشيوعية.

وهكذا أخرجت أميركا بالإكراه الأمم المتحدة إلى الوجود، فوقع ميثاق الأمم المتحدة في حزيران سنة 1945، وأنظمة المؤسسات المالية والنقدية في تموز سنة 1946، ومنظمة الجات سنة 1948. وقد جسّدت الأمم المتحدة في مؤسسات دولية تنظّم جميع جوانب العلاقات الدولية، فهناك الجمعية العمومية، ومجلس الأمن، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، وهيئة الإنماء الدولي، والمنظمة الدولية للثقافة والعلوم، والمنظمة الدولية للإنماء الزراعي، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الجات، ومحكمة العدل الدولية، وغيرها، وبإخراج هذه المؤسسات الدولية التي تنظم كل زاوية زوايا العلاقات الدولية، وبسيطرتها عليها تكون أميركا قد نجحت في صياغة نظام دولي يكرّس زعامتها ووجهة نظرها نجاحاً منقطع النظير.

كان من الطبيعي أن يكون النظام الدولي نظاماً أميركياً، نظام الدولة الأقوى، وأن تصبح الشرعة الأميركية الشرعة الدولية. لقد خرجت أميركا من الحرب الدولة الأقوى في العالم. فكانت تحتكر الأسلحة الذرية، وكان مخزونها من الذهب يعادل 70% من مخزون العالم منه فأصبح الدولار الملك المتوّج للعملات العالمية من غير منازع. كانت الأسلحة النووية والدولار رمزي الهيمنة الأميركية وأداتي فرض إرادة أميركا على الحلبة الدولية. وبينما دمّرت الحرب اقتصاد الدول الأخرى بدرجة كبيرة، فهبط مثلاً إنتاج أوروبا 25% فقد نشّطت الحرب الاقتصاد الأميركي فزاد الإنتاج الأميركي بنسبة 50% وأخذ إنتاج أميركا من السلع المصنّعة يعادل 50% من الإنتاج العالمي. وفي عام 1950، وبعد أن أصلح لكثير من دمار الحرب، كان الناتج القومي الأميركي يفوق مجموع الناتج القومي للدول الكبرى الأخرى، فقد كان الناتج القومي للدول الكبرى الأخرى، فقد كان الناتج القومي الأميركي عند ئذ 38 بليون دولار، ودخل الفرد 2536 دولار، وناتج الاتحاد السوفياتتي 126 بليون دولار، ودخل الفرد 699 دولار، وناتج بريطانيا 71 بليون، ودخل الفرد 1393 دولار، وناتج فرنسا 50 بليون دولار ودخل الفرد 1172 دولار، وناتج ألمانيا الغربية 48 بليون دولار، ودخل الفرد 1001 دولار، وناتج اليابان 32 بليون دولار ودخل الفرد 382 دولار، ودخل إيطاليا 29 بليون دولار ودخل الفرد 626 دولار (مقدرة بقيمة الدولار سنة 1964).

وكان من الطبيعي أن يعكس هذا النظام الدولي تفوق أميركا فيترجم هذا التفوق إلى مكاسب مادية ومعنوية ونفوذ سياسي. ولم تكن التعبيرات التي أطلقتها أميركا مثل وحدة المسرح الدولي، ووحدة السوق، وعالمية التجارة، والتداخل الدولي، والاعتماد المتبادل للدول، سوى استعارات للتدخل الأميركي في شؤون الآخرين والهيمنة على مقدرات العالم. وإذا كان البنك الدولي للإنشاء والتعمير لا يمنح القروض، وما أكثر حاجة الدول لها، إلا بشروط أميركا وللمشاريع التي تقرها أميركا، مما يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية وفرضاً لإدارة أميركا على قرارات الدول الأخرى، فإن صندوق النقد الدولي يمثل أداة من أدوات الرياسة الدولية الأميركية للتدخل السافر في شؤون الدول. فنظام الصندوق والأحلاف العسكرية الأميركية وجهين لعملة واحدة هي الاستعمار الأميركي، كما كانت الأسلحة الذرية والدولار وجهين لعملة واحدة هي الهيمنة الأميركية.

يقوم نظام الصندوق الدولي الذي يجسّد النقد الدولي على اتفاقيات ثلاث: 1- سعر الصرف، 2- ميزان المدفوعات، 3- الاحتياطي.

1- سعر الصرف: رفضت أميركا العودة لنظام الذهب، وابتدعت نظاماً يستند سعر الصرف فيه على الذهب. حددت أميركا سعر صرف الدولار بالذهب بواقع 35 دولار للأونصة، وحددت الدول الأخرى أسعار صرف عملاتها بالنسبة للدولار أي منسوبة للدولار. وبينما يبقى سعر الدولار ثابتاً فقد سمح للعملات الأخرى بالتذبذب بواقع 1% صعوداً وهبوطاً. وتعهدت أميركا بالحفاظ على سعر الدولار ثابتاً بتعهدها ببيع الذهب للبنوك المركزية ومؤسسات النقد الحكومية من أجل النقد وشرائه منها بالسعر المذكور، بينما تعهدت الدول الأخرى بالحفاظ على سعر صرف عملتها ضمن الهامش المحدد ببيع وشراء عملتها في السوق حسب العرض والطلب، مستعملة الدولار في عملياتها تلك. ولما كان سعر عملة الدولة منسوباً بالدولار، وقد يحصل الخلل في السعر من تأثير قيمة عملة الدولة أو قيمة الدولار، فإن محافظة الدولة على سعر صرف عملتها يعني أن تدافع عن عملتها وعن الدولار. كما نص النظام على حرية تحويل العملات، ومنع وضع قيود على ذلك.

2- ميزان المدفوعات: نص النظام على أن تحافظ الدول على تعادل ميزان مدفوعاتها من غير عجز أو فائض لما في العجز أو الفائض من مساس بدول أخرى. وبينما لم يتشدد النظام إزاء الدولة ذات الميزان الفائض لأنه كان يقترض عند ئذ من أميركا، فإنه تشدد إزاء الدولة التي يعاني ميزان مدفوعاتها من عجز، فقد فرض عليها أن تتخذ إجراءات اقتصادية ومالية ونقدية لتصحيح الميزان وأن يفرض عليها الصندوق تلك الإجراءات.

3- الاحتياطي: ينص نظام الصندوق على أن يتكون احتياطي الدول من الذهب والدولار والجنيه الإسترليني الشريك الأصغر للدولار. وهذا إن أبقى على دور للذهب في نظام النقد باعتباره أحد أعمدة الاحتياطي، فإنه في الوقت نفسه ساوى بينه وبين الدولار والجنيه الإسترليني. ولكن ضخامة الاقتصاد الأميركي وسيطرة أميركا الاقتصادية وتعهدها بمبادلة الدولار بالذهب، تجعل من الدولار عملياً العمود الأول من أعمدة الاحتياطي. وتكديس الدولارات في خزائن البنوك المركزية ومؤسسات انقد الحكومية تبيح لأميركا فرصة ذهبية لتجعل من الدولارات المكدسة أداة ضغط على تلك الدول.

ولما كانت مشكلة التجارة الدولية من وجهة نظر أميركا هي في السيولة النقدية، ولما كان الذهب، كما ترى لا يكفي لتوفير السيولة اللازمة بما يتناسب وحجم الاقتصاد العالمي، وحجم النمو السنوي فيه، فقد أسند هذا الدور للدولار. وهذا من شأنه أن يبعد إصدار النقد الأميركي عن الرقابة والمساءلة c

(يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *