العدد 68 - السنة السادسة، جمادى الآخرة 1413هـ، كانون الأول 1992م

أميركا والصومال حقول اليورانيوم في أوغادين

الدول الاستعمارية عندها قاموس تؤمن به وقاموس آخر للدعاوة والتضليل. في قاموسها الذي تؤمن به عندها «النفعية» فمقياس أعمالها هو المنفعة، وفيه أنه «لا يوجد صداقات ثابتة ولا عداوات ثابتة بل مصالح ثابتة». في قاموسها الذي تؤمن لا يوجد شيء إنساني أو أخلاقي أو لله أو للآخرة أو للسلام أو للصدق أو للعدل أو للقانون. هذه الكلمات تضعها في قاموسها الآخر، قاموس الدعاوة والتضليل. فلسفتها الحقيقية تقوم على الميكيافيلية. والمفروض في شعوب الأرض أن لا تبقى تُلدغ من الجحر نفسه مرات ومرات، المفروض أن يفهموا أن الدول الاستعمارية مستعدة أن تحرب العالم لاشعال سيكارتها، وأن مبدأها يقوم على فلسفة «البقاء للأقوى»، وأنها حين تتظاهر بتقديم مشورة أو نصيحة فهي تضع السم في الدسم وتصمم النصيحة لتخدم مصالحها هي وليس مصلحة من تنصحه… وهذه حقائق لا يجوز أن تغرب عن البال. قال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ).

فيما يلي قطعة من مقال كتبه سليم نصار ـ الحياة 12/12/92 بشأن القرار الأميركي النزول في الصومال. قال الكاتب:

هل صحيح أن وسائل الإعلام المرئية هي التي أثارت مشاعر الاستياء، وحثت الدول الكبرى على إرسال قواتها إلى الصومال؟

وهل صحيح أن دموع عارضة الأزياء الصومالية «إيمان» ونداءات الممثلين اودري هايبورن وصوفيا لورين كانت لها فعل السحر على أعضاء مجلس الأمن الذين منحوا التغطية الشرعية لعملية وصفت بأنها إنسانية ـ إنقاذية؟

وهل صحيح أن منظر الرجل العجوز صاحب الأضلاع النافرة… وأن صورة الطفل الرضيع الذي يمضغ حلمة جافة من ثدي والدته الميتة وقد غطى الذباب عينيه… وأن اللقطة التلفزيونية «لمادونا» بيداوه وهي تحمل جثة ابنها إلى حفرة بعيدة عن أعين الغربان المحوّمة فوق حقول الموت… هل صحيح أن هذه المشاهد المأساوية التي ظهرت في الصحف وعلى شاشات التلفزيون خلقت الحافز المطلوب لحملة الإغاثة وحماية مساعدات المنظمات الإنسانية؟

وهل صحيح أن هذه الأسباب الإنسانية وحدها تمثل الدافع الحقيقي لتدخل القوات الدولية بقيادة أميركية، في وقت تستمر البشاعات والمجاعات داخل ليبيريا والسودان وأثيوبيا وجنوب العراق وبورما والبيرو وأفغانستان والبوسنة ـ الهرسك؟

هذه الأسئلة المحيّرة دفعت العديد من المعلقين والمراقبين إلى التشكيك في أهداف الحملة على اعتبار أن «البوليس الدولي الأميركي» لم يسبق له أن تصدى لأحداث مشابهة، وأن المصالح وحدها تقرر خطواته العسكرية. وبما أن الصومال ليس الكويت، فقد ركز المنتقدون على إظهار المطامع الاستراتيجية، وقال أن تطويق جيبوتي وأثيوبيا وخليج عدن يؤمن الحماية لمرور السفن في البحر الأحمر باتجاه الاوقيانوس الهندي.

بعد مرور يوم واحد على الإنزال ظهر التناقض واضحاً بين أقوال وزير الدفاع الأميركي تشيني ورئيس الأركان كولن باول فالأول حدد مهلة الانسحاب بموعد قريب أقصاه 20 كانون الثاني (يناير) المصادف يوم دخول الرئيس كلينتون إلى البيت الأبيض. والثاني أبلغ الصحافيين أن المهمة لا تنفذ قبل ثلاثة أشهر على أقل تقدير.

المعارضة البريطانية استغلت الحملة العسكرية في الصومال لتنتقد حكومة المحافظين بحجة انتهاء دوافع الحرب الباردة، وبزوال أسباب التحريض على التورط بعد موت الشيوعية، واتهمت جون ميجور بالتهور لأن واشنطن ستقوده للمشاركة في مغامرات عسكرية مثل ضرب ليبيا وتحرير الكويت وإنقاذ الصومال. وتساءل أحد نواب «حزب العمال» عن الغاية السياسية ـ الاقتصادية الكامنة وراء العملية الإنسانية، وقال في استجوابه للحكومة، أن ثلث دول العالم ينطبق عليها ما ينطبق على ظروف الصومال. فهل هذا يعني أن «البوليس الدولي الجديد» سيذهب إلى سريلانكا وأرمينيا والبوسنة وكمبوديا وانغولا؟

يقول الاستراتيجيون أن الولايات المتحدة ـ إثر انحسار النفوذ السوفياتي ـ حرصت على تبني النظرية البريطانية القائلة أن المسيطر على مضائق البحار لا بد أن يسيطر على الطرق البرية أيضاً. وبما أن الانكفاء السوفياتي عن المواقع الحيوية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط ترك فراغاً كبيراً، فإن النفوذ الأميركي ناشط لملء هذا الفراغ. ومن الطبيعي أن يبدأ بمناطق النفط، وخطوط نقل النفط، أي بالخط الذي يمر من كراتشي جنوباً نحو مسقط والصومال وتنزانيا حتى جنوب أفريقيا، ثم يتجه غرباً نحو إيران والعراق وتركيا. ويضم هذا المثلث أغنى ينابيع النفط التي تغذي الحضارة الصناعية بالدم الأسود. كما يضم أخطر الممرات البحرية المؤدية إلى آسيا وأفريقيا شرقاً وجنوباً، وإلى أوروبا شمالاً وغرباً. والملاحظ أن الصومال ـ القرن الأفريقي ـ هي الدولة الوحيدة المطلة على أهم خطين من الخطوط الاستراتيجية. وهي تملك أطول ساحل في كل أفريقيا (3330 كلم) يبدأ في الجنوب الغربي لكينيا وينتهي عند الشمال الغربي لجيبوتي. ومن الشمال يطل على المحيط الهندي. وكل من ينجح في إقفال باب المندب، ينجح في إقفال بوابة الحبر الأحمر. ومن هنا تكمن أهمية الصومال كموقع مطل على أهم خطوط النقل البحرية. والطريف أن ستين في المئة من مناجم اليورانيوم موجودة في البلدان الأفريقية والمعروف أن النزاع الأميركي ـ السوفياتي في القارة السوداء كان نزاعاً على مصادر الثروات والمناجم وحقول اليورانيوم. وأكبر شاهد على هذا ما حدث للجيش الصومالي بعد احتلال منطقة أوغادين. فقد هوجم من قبل القوات الأثيوبية المعززة بالطائرات والدبابات ومختلف الفرق القادمة من الاتحاد السوفياتي. وجاء توقيت الهجوم عقب إعلان إحدى الشركات عن اكتشاف حقول من اليورانيوم اعتبرت أضخم من حقول زيمبابوي وجنوب أفريقيا وزائير وانغولا. وبما أن الدولة التي تملك أكبر كمية من هذه المواد تستطيع أن تكون السباقة في مختلف المجالات الصناعية، فإن المراقبين يتوقعون نزاعات كثيرة للسيطرة على المناطق الغنية باليورانيوم باعتباره طاقة «القرن الواحد والعشرين». ومثلما عانت منطقة الشرق الأوسط من نزاعات وحروب متواصلة منذ اكتشاف النفط، فإن أفريقيا مرشحة لدور مماثل خلال القرن المقبل.

في ضوء هذه الخلفية الاستراتيجية يبقى السؤال محصوراً بتوقيت العملية وطريقة تنفيذها.

الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة اتهم الرئيس جورج بوش بالانتقام السياسي لأنه أحرج خلفه كلينتون وزرع طريقه الخارجي بالألغام. ولكن قراراً على هذا المستوى من الخطورة يصعب اتخاذه بدون مبررات سياسية أو اقتصادية أو أمنية. وقد تكون الأسباب الثلاثة وراء قرار الإنزال، خصوصاً بعد ازدياد المخاوف من انهيار دول متاخمة للقرن الأفريقي. ويتردد في واشنطن أن الحضور العسكري الغربي في الصومال يشبه إلى حد كبير حضور «المارينز» في لبنان عام 1985. وهو الحضور الذي ارتبط بانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق، وما تفرضه ضرورات المحافظة على الأمن النفطي. من هنا القول أن دموع العارضة الصومالية، «إيمان» كانت مثل رسائل كميل شمعون إلى فوستر دالس في مطلق ثورة 1958. أي أنها مثلت التغطية الإنسانية المطلوبة لقرار الإنزال، بينما ظل الهدف الحقيقي مختفياً وراء جدران «البنتاغون»!c

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *