العدد 68 - السنة السادسة، جمادى الآخرة 1413هـ، كانون الأول 1992م

الجولان: عقدة المفاوضات بين العرب واليهود

 إعداد: محمد أبو وائل

الأردن توصل إلى اتفاق بينهَ وبين دولة اليهود (انظر المقال تحت عنوان: «الاتفاق الأردني ـ الإسرائيلي» في هذا العدد).

وفد منظمة (التحرير؟) توصل إلى اتفاق مع دولة اليهود على الحكم الإداري الذاتي. وكانت المنظمة قد أعطت تعليماتها للوفد للموافقة على الاتفاق بشكله الذي وضعه اليهود لأن المنظمة رأت أن الأردن اتفق مع اليهود، وخافت أن تسبقها سوريا وتتفق مع اليهود خاصة حين انتشرت الأخبار أن سوريا وإسرائيل على وشك الاتفاق.

استفاقت منظمة (التحرير!) فيما بعد ووجدت أن ما وافقت عليه من حكم إداري انتقالي لا يضمن أنه انتقالي فعلاً. إذ حين تنتهي الفترة المسماة انتقالية (بين ثلاثة وخمس سنوات) ستبدأ المفاوضات من أجل الانتقال إلى المرحلة النهائية، فإذا تعثرت هذه المفاوضات أو طال أمدها فإن الحكم الإداري الذاتي سيستمر. وبما أن إسرائيل ليس لها مصلحة بقيام دولة فلسطينية مستقلة فستبقي المفاوضات بدون نهاية. استفاقت المنظمة على هذا، فصارت تحاول إيجاد رابط يضمن أن يكون للمرحلة الانتقالية نهاية (كأن تجعل قرار 242 يشمل أراضي الضفة والقطاع، أو كأن تكون للمجلس المنتخب لتمثيل الضفة والقطاع صلاحيات تشريعية وسلطة على الأرض) ولكن دون جدوى. والمنظمة تبقى قانعة بالحكم الإداري الذاتي (الفارغ) وهي تُعِدّ الكوادر وتدربها في بلاد عِدة من أجل هذا الحكم. وهذا الحكم (إن حصل،وندعو الله أن لا يحصل) فسيولد المذابح بين المسلمين من أهل الضفة والقطاع. سيحاول المشرفون على الحكم الإداري هذا أن يثبتوا لليهود أنهم أهل لتولي الحكم وأنهم يستطيعون إيجاد الأمن والاستقرار، وسيقومون هم بدور القمع لإخوانهم، وتصبح المجابهة بين العرب أنفسهم من أجل حماية اليهود بل أن تظل بين العرب واليهود.

بالنسبة إلى لبنان فإن اليهود يحاولون ضم الشريط الحدودي نهائياً إليهم بشكل عملي إلى أن يحين الوقت المناسب لإعلان الضم بشكل رسمي، بل ويحاولون ضم أجزاء أخرى للوصول إلى الليطاني.

والظاهر أن أميركا لا تريد إعطاء هذا الشريط لليهود. لكن أميركا ليست مستعجلة في إخراج اليهود منه، فهي تريد ربطه بمسألة الجولان وبمسألة الحل الشامل. وهذا يفسر لنا الرضا الرسمي في لبنان عن استمرار وجود المقاومة الشعبية المسلحة في الجنوب. إذ يعتبرون أن الجيش لا قدرة لديه على محاربة اليهود، ومن أجل أن لا يُتخَذ السكوت علامة على الرضا بالاحتلال رتبوا وجود مقاومة شعبية شرط أن لا تتجاوز هذه المقاومة الشعبية الخطوط الحمْرَ التي رسمتها أميركا. وهذا ما هو حاصل في جنوب لبنان الآن.

أما عقدة المفاوضات الحقيقية فهي بشأن الجولان: الجولان أرض سورية، وسوريا تتمسك بها. اليهود يفسرون قرار 242 بأنه لا يلزمهم بالانسحاب من جميع الأراضي، وبأنه يعطيهم الحق بالبقاء في المواقع الحساسة التي تشكل خطراً على أمنهم فهو ينص على: الانسحاب من أراضٍ محتلة إلى حدود آمنة. أميركا تريد الجولان لنفسها.

إذاً فالنزاع الآن على الجولان بين أطراف ثلاثة وليس اثنين. أميركا هي الطرف الثالث. أميركا تخطط للهيمنة على العالم من خلال التمركز في المواقع العالمية الاستراتيجية. أمريكا عملت على التمركز في السعودية والخليج، وعملت على التمركز في شمال العراق وجنوبه، وعملت على التمركز في سيناء، وهي تتمركز الآن في الصومال، وهي تعمل الآن بكل جدية للتمركز في الجولان.

إذا أفلحت أميركا في التمركز في الجولان فإنها ستضمن السيطرة على سوريا والأردن ولبنان وفلسطين.

أميركا عندها من المهارة أن تغطي أطماعها واستعمارها بغلاف من الإنسانية والشرعية الدولية. وحين جاء بيكر إلى المنطقة (كان ما زال وزيراً لخارجية أميركا) عرض على سوريا وإسرائيل أن تتمركز قوات أميركية (ودولية) وفي الجولان ريثما يتفق الطرفان على صيغة مناسبة بينهما للجولان. كان العرض: إقرار إسرائيل أن الجولان أرض سورية وتعلن استعدادها للانسحاب من جميع الجولان، وكل جزء تنسحب منه إسرائيل لا يعود إليه الجيش السوري بل تحل فيه قوات أميركية (ودولية). وتتفاوض سوريا وإسرائيل، وتستمر مفاوضاتهما إلى أن تتفقا على صيغة، فإن اتفقتا وطلبتا من القوات الأميركية (الدولية) الانسحاب فإنها تنسحب، وما دامتا لم تتفقا فإن القوات الأميركية (الدولية) تبقى.

هذا العرض أبدت سوريا تفهماً له. أما اليهود فقد رفضوه لأن لهم أطماعاً حقيقية في الجولان. وهذا الرفض اليهودي يَحْرِم أميركا من النزول في الجولان. وهذا يوجد تضارباً بين سياسة أميركا وسياسة اليهود في شأن هذه المسألة.

الملك حسين مستعجل على عقد الصلح مع اليهود من أجل تثبيت عرشه المزعزع. وليس من المتوقع أن تسمح له أميركا بتوقيع هذا الصلح قبل أن يرضخ اليهود في مسألة الجولان. وكذلك منظمة (التحرير؟) مستعجلة على توقيع اتفاق الحكم الإداري الذاتي (رغم تظاهرها بالتردد). وليس من المتوقع أيضاً أن تسمح أميركا بتوقيع هذا الاتفاق قبل أن يرضخ اليهود في مسألة الجولان.

المسؤولون في سوريا يصرحون بأنه لا يمكن التنازل عن سنتمتر واحد من الجولان ويصرحون بأن المفاوضات لا يمكن أن تستمر بشكل عبثي إلى ما لا نهاية. وهذا تهديد بإعلان فشل المفاوضات والخروج منها. وقد صدرت عن بعض المسؤولين الأميركيين تصريحات بأن فشل المفاوضات يعني العودة إلى دورة العنف والحرب.

المسؤولون اليهود يصرحون بأن دورة الحرب قد انتهت وبأن المفاوضات بدأت، وأن هذه المفاوضات لن تتوقف مهما طال الزمن وستتكلل في النهاية بالنجاح. وهذا الكلام من زعماء اليهود لتطمين الشعب اليهودي أن لا يخاف من وقوع الحروب بعد الآن، من أجل أن يبقى الشعب اليهودي داعماً لزعمائه في مواقفهم المتصلة.

وها قد نشأت الآن حالة جديدة: ارتفعت اسهم حركة حماس في الضفة والقطاع والخارج. ثم جاءت مسألة خطف الجندي اليهودي وقتله، وتبعتها مسألة الطرد الجماعي لعدد كبير من أهل الضفة والقطاع إلى لبنان. وجاءت الإدانة الإجماعية من مجلس الأمن لعمل إسرائيل وطالبتها بالرجوع عنه. وصار اليهود في مأزق.

الملاحظة الأولى أن أميركا تستفيد الآن من تصاعد أسهم حماس لتحد به من اندفاع عرفات ومنظمته نحو توقيع الاتفاق مع اليهود. وهذا ما يفسر لنا محاولات وسائل الإعلام تسليط الضوء على حماس ونشاطها.

والملاحظة الثانية أن أميركا شاركت في مجلس الأمن في إدانة إسرائيل. وأميركا تؤيد لبنان في موقفه تجاه عدم إدخال الذين أبعدتهم إسرائيل. والمتوقع أن يبقى هؤلاء في الخيام على الحدود مدة طويلة وأن تبقى الأضواء مسلطة عليهم وأن تبقى مسألتهم تحتل العناوين البارزة في وسائل الإعلام. وهذا سيشكل إحراجاً لليهود أمام الرأي العالمي. وأميركا ستستخدم هذا للضغط على اليهود كي يرضخوا في المسألة الجوهرية (في نظر أميركا) وهي مسألة الجولان. والمتوقع أن يكمّل كلينتون مسيرة بوش في هذه المسألة، لأن موضوع الجولان الآن هو صراع مصالح بين أميركا وإسرائيل، وليس هو انحيازاً من أميركا إلى سوريا.

ويأتي السؤال: المعروف أن رابين هو من رجال أميركا فكيف يتمرد عليها؟ والجواب أنه يهودي ويقدم مصلحة دولته، وخاصة أنه يرى أن قرار 242 يعطي إسرائيل الحق بالاحتفاظ بجزء من الجولان، ولذلك فهو يتمرد على أميركا في هذه المسألة، والمتوقع أن تتحرك جماعات الضغط اليهودي الآن في أميركا لنصرة دولة اليهود في فلسطين. فهل تتراجع أميركا أو ترضخ إسرائيل؟ وهل يمكن لأميركا (في عهد كلينتون) أن ترتب لحرب محدودة ضد إسرائيل على غرار حرب 1973 التي رتبها كيسنجر اليهودي مع نيكسون للضغط عليها للخروج من الجولان؟ لا نريد أن نتكهن بالإجابة c

25 من جمادى الآخرة 1413 هـ

19/12/1992م

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *