العدد 67 - السنة السادسة، جمادى الأولى 1413هـ، تشرين الثاني 1992م

أيها المسلمون: هؤلاء هم حكامكم

بقلم: حسن أسعد

وأخيراً تمخض الجبل فولد…، فقد أعلن أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي حامد الغابد، تحديد أوائل الشهر القادم (كانون الأول)، موعداً لاجتماع وزراء خارجية الدول المسمّاة إسلامية. وذلك لبحث موضوع حال المسلمين في البوسنة والهرسك. وتقديم العون لهم، لتخفيف مأساتهم التي يعيشونها. نعم أوائل الشهر القادم، وليس أول الشهر، ولم الاستعجال؟!! الإعلان عن الموعد كان في 09/11/92. وحتى ذلك التاريخ يكون قد مضى شهر على الإعلان، وهي مدة  كافية لا بأس بها يحتاجها الصربيون لإكمال مهمتهم بالإجهاز على المسلمين في البوسنة والهرسك. أو يعلن المسلمون أنفسهم هناك استسلامهم، والرضا بالمصير الأسود الذي ينتظرهم. نعم بعد شهر سيجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، بناء على تحديد أمينها العام، هذه المنظمة تتخذ من الديار المقدسة ومن مكة المكرمة بالذات مقراً لها، وهي أيضاً يشرف على تمويلها وتوجيهها ورسم سياساتها حكام تلك الديار الآن، والمشهود لهم…

ونذكر على سبيل المثال، أنه في العام 1982، حين قامت إسرائيل بالاعتداء على لبنان واجتياحه، تعالت الأصوات وعلت المناشدات حينها، تطالب الجامعة العربية والدول العربية القيام بمسؤولياتها. ولكن من تنادي، ومن تناشد، وبمن تستغيث. ثلاثة أشهر استمر الاعتداء الإسرائيلي، والجامعة العربية لم تُوفَّق في تحديد موعد لأصحاب الجلالة والفخامة والسيادة، للالتقاء في مؤتمر قمة يجمعهم، لا لسبب سوى الرغبة في عدم التورط واتخاذ موقف من هذه الحرب. وإذا استعرضنا واقع الدول العربية آنذاك فإن مصر كانت معزولة عن الجامعة بسبب كامب ديفيد، والعراق كان مشغولاً بالحرب القذرة مع إيران، ولم يبق من جهة لها ثقل وكلمة نافذة في إقرار مثل هذا الاجتماع إلا الحكام السعوديون، ومع ذلك فقد ماطلوا ولم يتجاوبوا مع المساعي التي بذلت حتى أكمل اليهود مهمتهم، وتعرّض المسلمون في لبنان إلى ما تعرضوا له، وختامه كانت مجازر صبرا وشاتيلا.

أما على الصعيد الدولي، فإن الدول الأوروبية كانت في حالة لا مبالاة، إن لم نقل موافقة على هذه الحرب،  وهم بدا عليهم أنهم متفهمون للموقف الإسرائيلي، وقابلون للأعذار التي بررت الاعتداء. أما أميركا فقد رعت الاجتياح، وأرسلت مبعوثاً خاصاً هو فيليب حبيب يشرف على مسيرته، ويتلافى أي طارئ قد يؤثر على الهدف المنوي الوصول إليه، وهكذا كان.

والآن فإن المسلمين في البوسنة والهرسك يظنون خيراً في إخوانهم المسلمين في شتى بقاع الأرض، فهم منذ أن بدأ الصرب في حرب الإبادة ضدهم، ما انفكّوا يناشدون ويستغيثون بحكام الدول المسماة إسلامية، ومنها الدول العربية، يطلبون منهم المساعدة في شتى أنواعها، وهم في حاجة ماسة إليها. ولكن لا حياة لمن تنادي، فمنظمة المؤتمر الإسلامي التي يرعاها حكام السعودية  قد اجتمعت في حزيران الفائت، وأبرز ما صدر عنها من قرارات، مناشدة الأمم المتحدة والرأي العالم الدولي، التدخل لإيقاف ممارسات الصرب في حق المسلمين في البوسنة والهرسك، واكتفت بذلك. ومن ذلك التاريخ حتى الآن، لم يصدر عن المنظمة هذه شيء، مع أنها في أزمة الخليج كانت السباقة بمواقفها المعروفة ـ أما في البوسنة فقد توسع الصرب في احتلالاتهم، ونسّقوا مع الكروات أعمالهم للإسراع في الانتهاء من المسلمين ولاقتسام البوسنة والهرسك فيما بينهم. إضافة إلى أن مدناً هدمت وقرى محيت عن وجه الأرض، وتعرض الأطفال والنساء والشيوخ المسلمون للإبادة الجماعية، وأقيمت المعتقتلات وحشر فيها مئات الآلاف من المسلمين الأبرياء العزل تحت ظروف مذهلة ومأساوية. وتعرض المعتقلون فيها لأشد أنواع التنكيل والتعذيب والتصفيات الجسدية. حتى الغرب نفسه ـ هو ضالع في هذه المؤامرة ـ ضجّ مما حصل. وكان هذا حصل لا لذنب اقترفه هؤلاء الأبرياء المستضعفون بل لكونهم مسلمين، ويعيشون على أرض أوروبية، وهم أوروبيون لحماً ودماً وأصولاً، ومع ذلك لم يشفع ذلك لهم، لكون الإسلام لا زال حياً في نفوسهم ولكونهم يتطلعون إلى حياة يكونون فيها أسياد أنفسهم، كما هو حال غيرهم من بني البشر. كل هذا ومنظمة المؤتمر الإسلامي يتباطأ القيّمون عليها حتى في تحديد موعد لاجتماع أعضائها ليدرسوا ما يمكن أن يقدموه لإخوانهم المسلمين من عون مادي وعسكري. ومنظمة المؤتمر في موقفها هذا تنافس منظمة الأمم المتحدة وأمينها العام في المماطلة والتباطؤ. فإذا كان الأمين العالم للأمم المتحدة، والتي تمثل دائرة من دوائر الخارجية الأميركية، ممتلئاً حقداً على الإسلام والمسلمين، وتصرفاته لا ريب أنها تمثل خلفيته السياسية والدينية، فما بال منظمة المؤتمر الإسلامي وأمينها العام، والداعين لهذه المنظمة؟ هل هم أيضاً يحملون الحقد على الإسلام والمسلمين كما يحمله أولئك؟! وهل هم أيضاً يمثلون الإرادة الأميركية وأداة من أدواتها الخارجية. إن التصريحات الحذرة والخجولة التي أطلقها بعض الزعماء العرب حيال مسلمي البوسنة والهرسك. لا تتناسب مع الواقع الذي على الأرض. فهل هم عاجزون عن القيام بشيء؟ أم أنهم غير مسموح لهم من أسيادهم الدول الكافرة بالتدخل أو المشاركة؟ أم يرون في أنفسهم أنهم غير معنيين، وماتت فيهم حمية الإسلام، بل وحتى الحمية الجاهلية؟! ألم يتبينوا أن أوروبا ضالعة في هذه الحرب القذرة ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، وأنها أي الدول الأوروبية، اتخذت الترتيبات هي وأميركا بعدم السماح بوصول أي عون عسكري لهم، وعدم تمكينهم من الحصول على أية أسلحة يدافعون بها عن أنفسهم؟ أما معسول الكلام الذي يتشدق به بعض ساستهم، فما هو إلا تغطية لرضاهم بالذي يجري ومساهمتهم غير المنظورة فيه. وهم في جملتهم وعلى اختلاف مواقفهم يرعون هذه الحرب، بداعي منع الإسلام من التركز في أوروبا،  تمهيداً للزحف على المسلمين في أماكن أخرى.

إن مجلس الأمن يقول بأنه يمنع الأسلحة عن الجميع، وهذا كذب مفضوح فإن الصرب تزوّدهم دولتهم بكل أنواع الأسلحة فترسانتها لا ينقصها شيء من السلاح أو الغذاء أو الدواء أو غيره.

إن ما يعلنه حكام المسلمين من تصريحات مؤيدة لمسلمي البوسنة لا قيمة لها، وإن الدريهمات التي يتبرع بها هؤلاء الحكام أو يحضّون شعوبهم على التبرع بها لا تسمن ولا تغني من جوع، وليس هذا من الحكام إلا من أجل أن يظهروا لشعوبهم أنهم مهتمون بمسلمي يوغوسلافيا.

الشعوب الإسلامية مشاعرها ملتهبة، وهي تتحرق من أجل نجدة إخوانها مسلمي يوغوسلافيا الذين تكالبت عليهم دول الكفر في بلاد الغرب.

وحكام المسلمين في موقف حرج بين شعوبهم من جهة وأسيادهم من دول الكفر من جهة أخرى. وقد اختار حكام المسلمين الطريق الأسهل: اختاروا أن يدّجلوا على شعوبهم ويوهموهم أنهم يعملون على نصرة مسلمي البوسنة لينفّسوا مشاعرهم بأمور لا تغضب دول الغرب ولا تفسد خطتها القاضية بمنع وجود كيان للمسلمين في أوروبا (حتى ولو كان كياناً علمانياً). فهذا الملك فهد يطلب من أئمة المساجد أن يؤيدوا دعاء القنوت من أجل نصرة مسلمي البوسنة، وهؤلاء هم الحكام يدعون الشعب للتبرع بالمال (ولا ندري هل يصل أم ل)، وهذه منظمة المؤتمر الإسلامي تقرر اجتماعاً بعد شهر لتبحث ماذا تفعل.

إن مجرد تأخير الاجتماع هو خيانة واشتراك في المؤامرة. الأرض تحترق، والناس تموت، والعدو يزحف ويضيّق الخناق يوماً فيوماً وساعة فساعة وهؤلاء يقولون: سنجتمع بعد شهر!

أيها المسلمون، هل أدركتم حقيقة حكامكم؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *