العدد 64 - السنة السادسة، صفر 1413هــ، آب 1992م

نظرة في العلاقات الدولية

بقلم: أبو عبدالله السالم

في المقال التالي يركز الكاتب على أن أميركا ستتفكك وتهوي كما حصل للاتحاد السوفياتي، وأن المبدأ الرأسمالي (الحضارة الغربية) سينهار كما انهارت الشيوعية. ذلك أن أميركا تقوم على مبدأ خطأ كما قام السوفيات على مبدأ خطأ، والسوفيات كانوا يخبئون الخطأ خلف ما يملكون من ثروة ودعاوة فلما استنزفت الثروة وبان زيف الدعاوة انهاروا، وأميركا ما زالت تستر عيوبها بالثروة والتضليل الإعلامي، ولكن ثروتها على حافة النفاد وتضليلها بات مكشوفاً، وحلفاؤها في أوروبا واليابان تحوّلوا إلى منافسين الدّاء. ولذلك فأميركا ومعها الغرب صاروا على حافة السقوط والأفول.

إن الأفكار في العالم تتزلزل وتتماوج إزاء الضغوط والهزات المتتالية التي يتعرض لها العالم اليوم. وبما أن جوهر هذه الأفكار مريض، وبما أن العالم في فوضى فكرية فإن بارقة الأمل تحدو بنا إلى تصور مجمل للأحداث يفضي بنا إلى أن الحق هو الذي سيسود وإن شاء الله، وإن أملاً من هذا القبيل يتسع كي يصبح واسع المدلول بأنه إرهاص فكري في العالم يحدث استعداداً لقبول الإسلام ومجيئه كدواء شاف لهذه الأوضاع السيئة فكرياً.

ولقد اجتاح الشيوعية زلزالاٌ مدمر أسقط كيانها التنفيذي الذي هو الدولة الشيوعية، وذلك بضربات متلاحقة سياسياً على مدى زمان ليس مديداً بالقياس إلى التاريخ، وما يذكره من جوانب السقوط والارتفاع في الدولة أو الدويلات. والذي لا شك فيه هو أن الذي يأتي به البشر إنما هو شيء ناقص لا يؤدي إلى حل مشاكل الإنسان بل يزيدها بلبلة وتعقيداً. وهذا ما نراه جلياً واضحاً في العقائد الشيوعية والرأسمالية على حد سواء. فالفساد في العقيدة هو الأساس.

وهذا كله ما حدث في التاريخ السوفياتي، مع أننا لم نلاحظ إلا فساد المبدأ في الأصل، ولكن هذا غير كاف، فالصحيح أن المبدأ وإن وباطلاً فإنه يبقى ما دامت القوة تحميه وتوجهه ويتماسك إذا كانت هناك ترقيعات تسنده، ولكن أن ينهدم فهذا يحتاج إلى أدوات صراع قائمة على أعمال سياسية موجهة إلى الداخل والخارج ليك يحصل الإجهاز عليه. فالدولة الرأسمالية تطبق مبدأها الرأسمالي منذ قرنين، وهذا المبدأ تحمله دولة، وكان له رصيد في الداخل لا يستهان به عند شعوب هذه الدول، وعلى الرغم من أنه فاسد فقد ظل متماسكاً سياسياً، وهذا أمر له أسباب عديدة: منها أن الشيوعية عندما ظهرت أظهرت فكرة الحقوق العمال، والطبقة من خلال فكرة أن التاريخ هو الحركة الحتمية لصراع الأضداد، فلا بد من حمل هذه الفكرة والتغلغل بها في أوساط الشعوب، ولكنها كانت أفكاراً جوفاء رغم أنها خطيرة لأنه سرعان ما فكر الغرب بحيلة الالتفاف حول الأفكار الشيوعية، فرقع نظامه بفكرة العدالة الاجتماعية وبأفكار المساواة وبضمان النقابات وحقوق العمال.

ومن ثم طرأ تغيير على صيغ العقود في النقابات الرأسمالية بموجب نظرية الالتزام في قوانينها ولكن الجوهر واحد، وما هذا إلا تحايل على الشيوعية وفكرة الاشتراكية، وأما على المستوى السياسي فقد أثرت فكرة الاستعمار وتنفير الناس منه على المفاهيم الدولية، فسارعت الدول إلى تغيير الشكل فقط، فكان الاستعمار العسكري قد استحال إلى شكل جديد، بغض النظر عن المفيد والمستفيد من هذه الأعمال، ولكن الاتحاد السوفياتي بالتحديد كانت سياسته قاصرة لأنها سياسة منهكة تنهك القوى في الداخل وتضغط على الشعب ومن ثم فهي من حيث المستوى غير قادة على الهجوم بل كانت سياسة دفاعية ثابتة. وهكذا فلو ظل يكيل الضربات للقوانين الرأسمالية وللدول لكان فاعلاً ومؤثراً بأفكاره. ومن ثم فهنا الانحراف. والعجب أن الوعي السياسي لم يكن فسيحاً بل كان قاصراً على بعض الأمور دون بعضها. فمثلاً كان المتوقع بعد انتصار الشيوعية أن تصدر كتب تعبر عن النظرة إلى الحياة فتحكم على الأمور من خلالها إلا أن هذا لم يحدث بل كان الفهم فهماً غريباً وإن وجدت قشور ماركسية إلا أنها سطحية مبتذلة، والاعتماد على الغرب.

وسبب آخر يطمس الفساد، إلا على البصر الثاقب وهو أن هذه الدول الرأسمالية عاشت على مص دماء الشعوب فعاشت في رفاهية ورخاء من العيش على حساب غيرها، فاستهوت المحرومين والجائعين والمشردين وقصيري النظر فانجذبوا إلى أحضانها وما دورا وجه الفساد، وربما يكون بلد كأميركا فيه من الثروات ما يجعل أفكار الديمقراطية والحريات هي الموجه والمحرك للرخاء، ويتوقع أنه خلال عقد أو عقدين من الزمن أن تصبح أميركا تستجدي فعلاً، واليوم نسمع عن اجتماع الجوعى والمشردين فيها، إطلاق نداء الاستغاثة للعالم يطلبون النجدة مصرحين بأن دولتهم تريد إماتتهم جوعاً فأي فساد هذا؟

وتبقى اعتبارات اقتصادية وسياسي محورها القوة تغطي هذا العفن الفاضح المسمى رأسمالية.

ولقد كانت خطة أميركا هي جعل العالم مسرحاً لها، وذلك بجعلها من نفسها الشرطي الدولي الذي يهز بالعصا فيرهب المحكومين، ولكن أميركا العنجهية الغبية لا تدرك مغبة ذلك. وقبل أن أواصل الحديث في هذا الشأن أود أن أرجع إلى الوراء لأقف على وثيقة من وثائق رئاسة الوزارة البريطانية محفوظة في مركز الوثائق وهي في ظروفها وملابساتها على الوجه التالي: كان كاميل باترمان رئيساً لمجلس وزراء بريطانيا عام 1907 وكان زعيماً لحزب الأحرار الذي كان يتناوب الحكم آنذاك مع حزب المحافظين، وكان رجلاً ذا ميول أكاديمية، ومزاج باحث يهتم بالأشياء وجوهرها. فكون لجنة من الأساتذة والخبراء في الجغرافيا والتاريخ والسياسة والاقتصاد أعضاؤها من بريطانيا وعدة دول استعمارية أخرى كإسبانيا وهولندا وبلجيكا. وكامبل كان قد جرس عشرات التقارير التي اهتم كاتبوها بأمر واحد وهو خطورة قيام وحدة بين مصر وبلاد الشام حيث تقع السودان والحجاز واليمن في الجنوب والعراق في الشرق ثم بلاد المغرب الممتدة على سواحل المتوسط الجنوبية في مقابل أوروبا وفي وسط هذا كله تقع قناة السويس وعلى هذا الطرف الجنوبي مضيق باب المندب وعدن وفي الطرف الغربي مضيق جبل طارق. طرح عدة أسئلة على أعضاء هذه اللجنة وكان صلب هذه الأسئلة يتركز على سؤال واحد هو: لماذا زالت الإمبراطوريات القديمة واندثرت وكيف يمكن أن تتجنب الإمبراطوريات القائمة هذا المصير؟ وكان قصده أن يزود بمعلومات تفيده في إطالة عمر الإمبراطورية البريطانية أساساً والغربية كلها. وكان هذا الاجتماع نتيجة أبحاث واستقصاءات من الخبراء والمستكشفين الذين جابوا المنطقة العربية ودرسوها. وقد تم الاتفاق على تسخير اليهود لغرضهم. وقد درست اللجنة الأسئلة بروية ودقة ومحصت الآراء ثم خرجت بالتقرير الشهير الذي تم الكشف عنه مؤخراً يقول التقرير: [إن أخطر المناطق على الاستعمار الغربي تلك المنطقة الواقعة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي لأن هذه المنطقة يسكنها شعب واحد يتكلم لغة واحدة ويرجع إلى مكونات واحدة وتدين غالبيته العظمى بدين واحد. وشعب هذه المنطقة تتوافر لديه خصائص الأمة الواحدة. والخطر كل الخطر أن يدرك شعب هذه المنطقة تلك الحقيقة وأن يسعى لإقامة دولة متحدة تعيش في تلك المنطقة الحيوية في العالم].

ويوصي التقرير بالحيلولة دون هذه الشعوب والوصول إلى النتيجة بأن تقسيم المنطقة دولاً صغيرة وأن يورث بين بعضها الخلاف قد المستطاع وأن يحال بينها وبين رياح العمل وأن تعمق فيها التجزئة حتى تكون شيئاً طبيعياً. ويقول: [إن هذا كله ربما لا يجدي نفعاً في وقت ينمو فيه وعي الشعب الذي يسكن تلك المنطقة ويدرك هويته الحقيقية ويسعى لإقامة دولة قوية (هم يقصدون دولة خلافة) وأن آخر سهم يمكن أن يقذف للحيلولة دون حدوث ذلك الأمر هو أن يقوم حاجز بشري غريب في المنطقة الواقعة شرق السويس بحيث ينفصل ذلك الجسم بين شرق هذه الأمة وغربها وبحيث يتخذ وسيلة لاستنزاف ثروات المنطقة وضرب كل بارقة للتقدم أو التحرر فيها].

وأنا أذكر هذا الكلام نموذجاً للخبث اللئيم المتأصل في الكفر حتى مخ العضم ومسرب الدم، فلم نجد ممن يهمهم أمر إلا الارتماء في أحضان الغرب يلعقون أقدامه، كلما جاءت أمة منهم لعنت أختها، والكفر ملة واحدة يستوي فيه الضعيف والقاصي والداني والصادر والوارد لا فرق.

على أن القضية ليست اقتصادية، والمسألة ليست استعماراً وإن كان استنزاف الثروات مطلوباً لدى الكفرة، ولكن المسألة هي منع المسلمين من استئناف حياة إسلامية: دولة الخلافة. وعلى هذا الأساس تركز الصراع في الشرق الأوسط وتداعت علينا الأمم تداعي الأكلة إلى قصعتها، وكلهم متفقون على الكيد للإسلام والمسلمين وعلى ضرب الحركات الإسلامية وعلى التنكيل بكل ما من شأنه أن يؤلب على الأوضاع الفاسدة والخانقة.

وإذا عدنا إلى لب الموضوع وجدنا أن مظاهر الصراع بين الدول الكافرة هي منفعة فقط، وبما أن أعمالهم على المنفعة أو البراجماتزم أو الذرائعية، فإن الشقاق بينهم موجود دائماً وهذا يسهل على المسلمين إذا قامت الدولة الإسلامية، لأن المبدأ الرأسمالية دُوَلُهُ غير متماسكة.

(يتبع)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *