العدد 91 - السنة الثامنة جمادى الاخرة 1415هـ, تشرين الثاني 1994م

التكنولوجيا مظهر من مظاهر نهضة الأمم

المحاضرة التي ألقاها الدكتور محمد الملكاوي بمجمّع النقابات مساء الثلاثاء 6 جُمادى الأولى 1415 هـ 11/10/1994م في إربد – الأردن.

تلقت «الوعي» نص هذه المحاضرة، ونظراً لأهمية الموضوع وللتوجيهات الواردة بشأنه في المحاضرة رأت أن تنشر هذا النص (حذفنا شيئاً قليلاً من مقدمته لأن الباقي يغني عنه)، وتنتهز «الوعي» الفرصة لتحض أبناء الأمة الإسلامية، وخاصة ذوي الأهلية منهم، كي يُوْلُوا هذا الأمر عنايتهم القصوى، وكي يعتبر كلّ واحدٍ منهم هذه الكلمة نداءً خاصاً له، ليبادر إلى عمل كل ما يستطيع في هذا المضمار، وليبادر أيضاً إلى حض الآخرين حتى لا يضيع هذا الأمر جرّاء التقاعس أو التواكل.

وفيما يلي كلام المحاضر:

لفظ التكنولوجيا هو لفظ مركب من كلمتين لاتينيتين: تكنيك ولوجيك – ولفظ التكنيك يعني الوسيلة المستعملة لتحقيق عمل محدد.

وكلمة لوجيك تعني منطق الأحداث الذي بموجبه تنتج أشياء جديدة عن مقدمات موجودة أصلاً.

وقد استخدم التركيب الحاصل من اللفظين Technic وLogic ليدل على مصطلح Technology الذي ظهر استعماله بشكل مكثف في النصف الثاني من هذا القرن.

التقدم التكنولوجي في العالم

لقد شهد العالم منذ أقدم الأزمان عملية تحويل المادة من شكل يصعب الاستفادة منه إلى شكل آخر قابل للاستعمال والإفادة، مثل تحويل المعادن الصلبة إلى آلات بسيطة تستعمل في القطع والحفر، وما إلى ذلك.

وأدى استعمال الآلات إلى السرعة والإتقان في تشكيل المادة وإنتاجها. كما أدى التقدم في البحث العلمي، خاصة في العلوم الأساسية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء إلى اكتشاف طرق ووسائل جديدة وفعالة، تمكّن من إجراء عمليات معقدة على المادة ضمن معادلات محسوبة، ما يؤدي إلى ظهور منتوجات غاية في الدقة والإتقان كالمواد البلاستيكية، والإلكترونية مثل الترانزيستور والدوائر المتكاملة Integrated Circuils، والبتروكيماويات بأنواعها، والمواد الداخلة في الصناعات العسكرية بأنواعها.

وقد أدرك القائمون على عملية تصنيع المادة ضرورة وجود طاقة تفوق طاقة الإنسان من أجل تنفيذ بعض عمليات التصنيع والإنتاج، وكذلك من أجل تقليل زمن الحصول على الإنتاج المطلوب، والحصول على دقة أكبر في الإنتاج. فعمد الناس منذ القديم إلى استعمال أشكال مختلفة من الطاقة الموجودة بشكل طبيعي في الكون كطاقة الحيوانات، وطاقة الرياح كما هي، وطاقة الحرارة الآتية من الاحتراق العادي للوقود.

ثم ظهرت في القرن التاسع عشر الطاقة البخارية المتولدة من غليان الماء، وتلاها اكتشاف طاقة الكهرباء، والطاقة النووية، والتي هي بدورها نتيجة عمليات تصنيع معقدة جرت على بعض المواد كاليورانيوم والبلوتونيوم.

ومن هنا فإنه يمكن القول إن تصنيع المادة يحتاج إلى:

1- الطاقة اللازمة.

2- المعرفة بالعلوم الأساسية المتعلقة بالمادة وبالطاقة.

3- المادة الخام الأولية.

أما الأدوات والآلات المستعملة في الإنتاج، فبعد إيجادها تصبح أساسية وتدخل في مواصفات قاعدة التصنيع والإنتاج.

لذلك فإن العملية التكنولوجية في أساسها لا تنحصر دون آخر، ولا تخضع لاحتكار فئة من دون فئة. وإنه مهما كانت العملية التكنولوجية بسيطة من حيث العمليات التي تجري على المادة، والأدوات المستعملة في ذلك، والطاقة الداخلة في عملية التصنيع، فلم يكن هناك تمايز واضح بين الأمم والشعوب. فعلى سبيل المثال لم يعرف التاريخ أن شعباً من الشعوب عجز عن استعمال الفأس في حقر الأرض، أو المطرقة والنار في تشكيل الحديد، أو الريح في تسيير المراكب البحرية. بل هناك ما يدل، من تتبع مسيرة الأمم القديمة، على أنها كانت متساوية في استعمال المتوفر من الآلات والطاقة لتسخير ما يتوفر لديهم من المادة. فالشعوب التي عرفت الذهب والفضة والنحاس وغيرها، ونَحْتَ الحجارة بآلات النحت، سواء أنْتَجَ أصناماً كما في الجزيرة العربية، أو البتراء عند الأنباط، أو أعمدةً للبناء كما عند الرومان؛ هذه الشعوب كلها استخدمت هذه العمليات التكنولوجية.

إلا أنه مع ظهور الطاقة الحديثة، وبروز إمكانية زيادة الإنتاج في أقل الأوقات، وضبط جودة المنتوجات بشكل آلي وسريع، وظهور إمكانية نقل البضائع عير مسافات واسعة وبزمن قصير، بدأ التمايز يظهر بين الأمم والشعوب من حيث امتلاك المقدرة على القيام بالعملية التكنولوجية.

انقسام العالم تكنولوجياً:

لقد برزت على العملية التكنولوجية الحديثة ناحيتان مهمتان هما:

1- إمكانية إنتاج كميات كبيرة من البضائع تفوق حاجة الجهة المنتجة؛ ما يستدعي تسويقها في أماكن لا تتمكن من إنتاج حاجتها في الوقت المطلوب.

2- إمكانية إنتاج مواد (صناعات) استراتيجية تمكن الجهة المنتجة من إحراز تفوّقٍ استراتيجي ضمن مجالها الحيوي أو الاستراتيجي.

وإمكانية تحقيق أي من هذين الأمرين يعتمد بشكل مباشر على نوعية التكنولوجيا المستعملة، أي على نوعية الطاقة، ونوعية المعلومات المتوفرة عن الطاقة وعن المادة الخام، ونوعية المادة الخام، ونوعية الآلات المستعملة في العملية التكنولوجية.

ومن هنا فقد ظهر سباقٌ واضح على امتلاك التكنولوجيا النوعية التي تحقق واحدة من الغايتين أو كليهما، سباقٌ بين مؤسسات تجارية داخل البلد الواحد من جهة، وسباق بين دول من جهة أخرى.

لقد بدأت علامات التسابق نحو امتلاك التكنولوجيا النوعية مع بداية هذا القرن. إلا أنه لم يظهر تفوق جهة على جهة، إلا بعد الحرب العالمية الأولى. حيث ساعدت نتائج الحرب على إعطاء بعض الدول ميزات ساعدتها على الإسراع في امتلاك صناعات متطورة، في الوقت الذي حدت من مقدرة دول أخرى على المضي في السباق.

ومن ذلك البلدان التي كانت خاضعة للدولة الإسلامية (العثمانية). فقد كانت الدولة الإسلامية قبل الحرب الأولى تمتلك قاعدة تكنولوجية مماثلة لغيرها من الدول في ذلك الوقت؛ ولديها الأسس التي تجعلها ضمن السباق، وبعد الحرب وُضِعَتْ ممتلكات الدولة وأجزاؤها إمّا تحت الاحتلال مباشرة، أو الوصاية أو الانتداب من قبل دول الحلفاء. مما أدى إلى إخراج هذه البلاد من حلبة السباق التكنولوجي كلياً.

وكذلك فإن الخسائر المالية التي لحقت ببعض دول أوروبا أدت إلى فقدانها المقدرة على إحراز تقدم سريع في تطوير التكنولوجيا، وذلك مثل إيطاليا وأسبانيا؛ وبرزت بعد الحرب دول لديها قدرات قوية على امتلاك وتطوير التكنولوجيا من ناحية، وعرقلة غيرها من الدول ومحاولة منعها من امتلاك التكنولوجيا النوعية.

مثال ذلك: بريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفياتي، وألمانيا، واليابان، والولايات المتحدة. فقد حاولت بريطانيا وفرنسا عرقلة التقدم التكنولوجي في ألمانيا فلم تفلحا؛ كما حاولت أميركا وبريطانيا وفرنسا عرقلة التقدم التكنولوجي في الاتحاد السوفياتي لأسباب فكرية فلم تفلح.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي ساعدت بدورها على تقسيم العالم من الناحية التكنولوجية إلى ثلاثة أقسام:

1- دول صناعية تمتلك قاعدة تكنولوجية حيوية واستراتيجية غير مقيدة بأي قيد.

2- دول صناعية تمتلك قاعدة تكنولوجية مقيدة تنتج بضائع غير استراتيجية.

3- دول لا تمتلك قاعدة تكنولوجية مطلقاً.

أما النوع الأول من الدول فتنتسب لها كل من أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين.

وتنتسب إلى النوع الثاني اليابان وألمانيا وكثير من دول أوروبا الغربية وكندا. والنوع الثالث يضم دول العالم الثالث وأميركا اللاتينية وأفريقيا والعالم الإسلامي ومنه العربي.

وقد أصبحت الدول في العالم الثاني والعالم الثالث سوقاً كبيراً للصناعات الاستراتيجية التي تنتجها دول العالم الأول. والصناعات الاستراتيجية هي بالدرجة الأولى صناعات عسكرية وما يتعلق بها؛ خاصة تلك التي تستخدم بالحفاظ على سيادة الدول وكيانها. وكذلك الصناعات التي تستخدم بتطوير الصناعات العسكرية كصناعة الفضائيات، والحواسيب العملاقة. وتحاول الدول الأولى أن تحتكر هذه الصناعات، بل وتحاول أن تمنع غيرها من التوجه نحو صناعتها.

وكذلك فإن دول العالم الثالث أصبحت سوقاً للمنتجات غير الاستراتيجية القادمة من الدول في العالمين الأول والثاني. وبهذا أصبحت دول العالم الثالث تتميز بأنها مستهلكة للتكنولوجيا التي تنتجها الدول الصناعية الأولى والثانية. واستطاعت الدول التكنولوجية المتطورة أن تفرض بأساليب مختلفة مباشرة وغير مباشرة، على دول العالم الثالث الاهتمام بمنتوجاتها وتذوق مصنوعاتها والسعي الدائم للحصول عليها، وفي الوقت نفسه حاولت وتحاول منع توجه هذه الدول نحو تطوير تكنولوجيا نوعية، وذلك حتى تحافظ تعلى أسواقها بشكل دائم.

ومن ناحية أخرى فإن التكنولوجيا الحديثة في العالم المتقدم صناعياً تتقدم بشكل سريع تجعل من الصعب جداً اللحاق بها. وافضل مثال على ذلك ما يشاهد في التغير السريع في تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني الذي يستهلك المليارات من الدولارات في عملية البحث والتطوير والإنتاج.

ومع انتشار التكنولوجيا الصناعية؛ ومنتوجاتها بشكل واسع في العالم، واستخدامها من قبل شعوب وأمم مختلفة، إلا أنه يلاحظ بروز وجهة النظر الغربية في الحياة على معالم التكنولوجيا المختلفة.

علاقة التكنولوجيا بوجهة النظر:

تعرف وجهة النظر أنها الزاوية التي ينظر من خلالها الإنسان لما حوله من أمور. ومما لا شك فيه أن وجهة النظر هذه تؤثر في التكنولوجيا من حيث إنشاؤها أو استعمالها أو نقلها – وقد ظهر الأثر الواضح لوجهة النظر الغربية في هذا المجال. وهي النظرة القائمة على النفعية والمصلحة الذاتية بالدرجة الأولى:.

أ) من حيث النشوء والتطور:

إن النزعة الفردية تؤدي إلى شحذ طاقة الأفراد بشكل قوي لتحصيل أكبر قدر من الفائدة، وبالتالي للحصول على المتعة المادية. وقد ظهر بشكل واضح أن عملية التصنيع الآلي والتقدم التكنولوجي يمكن أن تحقق أرباحاً هائلة في فترة زمنية قصيرة، ما أدى إلى زيادة البحث والتطوير في عملية التصنيع. ففي عهد تكنولوجيا الحاسبوب الذي بدأ في الخمسينات من هذا العصر، ظهرت مئات الشركات التي زاد حجم بعضها عن المليار دولار، بل إن أرباح بعضها يزيد على المليار في السنة الواحدة. وكذلك صناعة السيارات والطائرات والمركبات بشتى أنواعها. فإن الربح القوي والمضمون في أكثر أحيانه، دفع بشكل مؤثر وفعال العالم الرأسمالي باتجاه التصنيع؛ والتصنيع السريع. بينما لم تحظ عملية التطوير التكنولوجي في الدول الاشتراكية الشرقية بنفس العزم، لانعدام تأثيرها على الربح والمصلحة الذاتية. ولكن الدول في العالم الاشتراكي مدفوعةً بوجهة نظرها عن الحياة والتي مؤداها أن المادة يجب أن تتطور وضمن معادلة محسوبة، قد ساعدت على إحداث تكنولوجيا معينة وتطويرها، ولكن دون أن يظهر لهذه التكنولوجيا أثر على الأفراد بشكل واضح وملموس ومن هنا بقيت العملية التصنيعية في الشرق أبطأ منها في الغرب.

أما في العالم الإسلامي، وهو من العالم الثالث، فلم يظهر أثر لوجهة النظر الإسلامية على عملية التصنيع ونشوء التكنولوجيا، لعدم تبني وجهة النظر هذه من قبل المجتمعات والدول في العالم الإسلامي. لذلك فإنه من الصعب قياس أثر وجهة النظر الإسلامية على عملية التطور التكنولوجي، وهناك من يرى أن الإسلام يسرع منها، كما أن هناك من يزعم أن الإسلام يعيق التقدم التكنولوجي.

ب) من حيث الاستعمال:

عند الغرب قاعدة أساسية ترتكز عليها الأعمال وتقاس بها، وهي الربح والمنفعة. فكل ما يحقق نفعاً فهو جيد وحسن، كالتكنولوجيا التي تستعمل لبث المناظر المثيرة سواء للجنس أو العنف، أو لتأليب الرأي العام باتجاه ضرب العراق، أو غزو الصومال أو غيرها. ولا مانع كذلك من استخدام التلفون لإجراء محادثات غرامية مع نساء مقابل ثمن مرتفع؛ ولا مانع من استخدام شبكات الاتصالات العالمية والمحلية للتجسس على أحاديث الناس. ولا مانع عند الغرب من استخدام قنابل نووية للقضاء على قوة اليابان الصاعدة من أجل أراضي الأرجنتين أو صحراء الربع الخالي ما دام ذلك أربح له من إتلافه بالطريقة الصحيحة؛ ولا مانع لشركات الكمبيوتر من نشر ما يسمى بالفيروس من أجل المحافظة على حقوق نشر البرامج وبالتالي حفظ الأرباح؛ ولا مانع من إنتاج الملابس التي تظهر مفاتن النساء؛ ولا مانع من بناء المصانع التي تنتج مواد ملوثة للبيئة ما دام الناس لا يحتجون… وهكذا يظهر أثر وجهة النظر الغربية القائمة على المنفعة في استعمال التكنولوجيا.

وفي المقابل فإن وجهة نظر الإسلام، التي تقتضي قياس الأعمال بالحلال والحرام لا بالربح والمصلحة، تجدها لا تقرر استخدام التكنولوجيات بما هو محرم؛ فلا تبيح التجسس على شبكات الاتصال مع إمكانية ذلك، ولا تدمير مدن بأكملها للقضاء على منافس اقتصادي؛ ولا تستخدم تكنولوجيا الجينات لتلقيح بويضة امرأة من رجل غير زوجها؛ ولا تزرع في رحم امرأة بويضة غيرها المخصبة لتحمل عن غيرها؛ ولا تبيح تلويث الهواء الذي يستنشقه الناس من أجل أن يربح تاجر أو صناعي؛ ولا تستعمل وسائل الإعلام وبث المعلومات لترويج الأكاذيب من أجل ضرب دولة ما. وهكذا فإن وجهة النظر تؤثر مباشرة في استعمال التكنولوجيا، أو إباحة نوع من المنتوجات وتحريم غيره.

وقد أقرت شريعة الدول وأعراف الأمم أن هناك أموراً يمكن إنتاجها، ولكنها تُحرِّم استعمالها، أو تقنن هذا الاستعمال، مثل الأسلحة الكيماوية والغازات السامة وما شابهها.

ج_ من حيث التعامل مع الغير:

إن الأصل في الصناعة والعلوم أنها ليست خاصة بعشبه أو دولة من الدول. ومع ذلك فمنذ أن تبين أثر التقدم التكنولوجي على الصراع بين الدول لعمدت بعض الدول إلى وضع قوانين وتشريعات تمنع تسرب وانتقال التكنولوجيا إلى باقي الدول. كما حديث في اتفاقيات حظر انتشار الأسلحة النووية وإبقاءها ضمن النادي النووي المعروف. وكما جدث بالنسبة لحظر انتقال تكنولوجيا الحواسيب المتطور؛ وكذلك لكثير من الصناعات الكيميائية والحيوية. ومن هنا فقد أدرت وجهة النظر الغربية إلى وود احتكار دولي/ أي على مستوى الدول. وظهرت تشريعات كثيرة تتعلق بحقوق الاختراع والنشر.

وهكذا ظهر أثر وجهة النظر الغربية على الحد من عملية انتقال التكنولوجيا، وحصر بعض أنواعها في دول محددة.

حتى إذا تجاوزت دولة من العمل حدها تحركت بعض الدول لمنعها بالقوة؛ أو سلبها إمكانية تطوير صناعاتها، كما حصل بين أميركا والصين فيما يسمى بحرب فيتنام، حيث أدت لتنازل الصين عن إجراء عمليات نووية في عرض المحيطات؛ وكما حصل في الحرب القائمة ضد العراق؛ وكوريا الشمالية.

الطريق إلى بناء تكنولوجيا متطورة:

إن عملية بناء تكنولوجيا متطورة في البلدان التي تفتقر إليها تعتمد على ناحيتين مهمتين: فكرية أيديولوجية وعملية تكنولوجية.

الأولى هي الناحية الفكرية وهي الأساس في إيجاد وعي دقيق على ضرورة إحداث ثورة صناعة في بلد ما، كما هو ضرورية في تحديد الغاية من امتلاك التكنولوجيا؛ وذلك من أجل توجيه الصناعة بالوجهة المطلوبة. ويلاحظ في البلدان الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة أثر الناحية الفكرية المستمر على اتجاه التكنولوجيا.

ونضرب مثلاً لذلك مسألتين: مسألة حرب النجوم، ومسألة شبكات الكمبيوتر. أما حرب النجوم فقد أرادت أميركا أن تمتلك تفوقاً استراتيجياً حاداً على الاتحاد السوفياتي، يضطره إلى الاستسلام الفوري. فطلبت حكومة أميركا من معاهد البحث والشركات الكبرى أن تستثمر أموالاً وبحوثاً من أجل استحداث سلاح يستطيع أن يعترض الصواريخ الروسية عابرة القارات قبل أن تصل أهدافها. ورصدت الحكومة لذلك ما يزيد على (200) مليار دولار خلال خمس سنوات. ومن نتائج تلك البحوث والصناعات، كان صاروخ الباتريوت الذي استعمل في الحرب ضد العراق.

أما شبكات الحواسب فقد أرادت الولايات المتحدة أن توجد شبكة متصلة  من مجموعة حواسيب يكون كل واحد فيها بديلاً عن الآخر في حال حدوث خلل في هذا الجهاز. واعتبر هذا مشروعاً استراتيجياً، خاصة في حالات الحروب المدمرة. ونتج عن ذلك تكنولوجيا شبكات الحواسيب التي بواسطتها يرتبط أكثر من (20) مليون مشترك في جميع أنحاء العالم. ومن هنا يلاحظ أن للفكر الذي يحمله أصحاب السلطة أو المسؤلون في بلد ما أثر كبير على توجيه الصناعة في حال وجودها على وجهة معينة.

كما وأن لهذا الفكر أثر واضح في توجيه البلد نحو امتلاك التكنولوجيا النوعية؛ سواء كان من أجل زيادة رأس المال كما هو عند الغرب، أو من أجل بسط نفوذ الشيوعية على العالم كما كان الحال عند الاتحاد السوفياتي.

فالبد الذي يريد امتلاك تكنولوجيا متطورة لا بد أن يمتلك قبل ذلك فكرة دافعة، تدفعه إلى امتلاك التكنولوجيا النوعية التي تحقق له الهدف الذي يسعى إليه.

وبلدان العالم الثالث ومنه العالم الإسلامي والعربي لا زالت تفتقر إلى الفكرة الدافعة، لذلك كان لزاماً على الدولة التي تريد بناء قاعدة تكنولوجية حديثة أن تتبنى فكرة أساسية فيها قوة الدفع، وفيها المقدرة على التفاعل مع المجتمع لتحمله على تحمل ما يلزم من أجل امتلاك التكنولوجيا النوعية.

بالنسبة للدول في العالم الإسلامي فإن المبدأ الوحيد الذي يمكن أن يَنْتُجَ من تبنيه قاعدة تكنولوجية هو الإسلام بعقيدته وما ينبثق عنها من طريقة ونظم.

فعقيدة الإسلامي هي عقيدة عالمية بمعنى أنها جاءت لكل الناس. ولا بد أن تصل إلى الأمم والشعوب بشكل مؤثر ولافت للنظر. ولا بد من التمكن بشكل عملي من إزالة كافة الحواجز، التي تحول دون انتشار الإسلام. ومسؤولية نشر الإسلام هذه، تقع على عاتق من يدين بالإسلام. ومن هنا فلا مندوحة لأمة الإسلام عن امتلاك تكنولوجيا نوعية تستخدمها في نشر رسالة الإسلام. والمدقق في واقع الحال يجد أن هذه التكنولوجيا المطلوبة لا تقل في نوعيتها عن تكنولوجيا تصنيع الأسلحة الاستراتيجية، وصناعة الفضائيات، والحواسيب المتطورة وتكنولوجيا الإدارة والخدمات، والإعلام المتعدد والوسائط، والطاقة بشتى أنواعها، وغيرها.

فإنّ تبني عقيدة الإسلام ونظام الإسلام يفرض على الأمة أن تسير باتجاه امتلاك التكنولوجيا من أجل تحقيق انتشار الإسلام ونفوذه في العالم أجمع، كما يفرض عليها الصلاة والصيام والحج. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا[ وقال: ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).

أما الثانية وهي الاتجاه نحو التكنولوجيا الحديثة فتسير في ثلاثة محاور رئيسية هي: المعرفة والتمويل والنقلة النوعية.

أولاً: الأساس المعرفي والعلمي:

تعتبر المعارف والعلوم الأساسية المتعلقة بالتكنولوجيا من أهم الأسس التي تقوم عليها التكنولوجيا.

وإنه رُغْمَ انتشار الجامعات والمعاهد العلمية في بلادنا، وكثرة العلماء المتخصصين في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الحاسبوب، إلا أنه لم تستخدم هذه الطاقة ولم توظف في إنتاج قاعدة تكنولوجية متطورة. والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم وجود خطة شاملة لاستيعاب هذه الطاقات. لذلك برزت الناحية الأكاديمية البحتة على مختلف قطاعات العلوم. ومع انتشار وسائل الاتصال السريعة والمختلفة، ووسائل نقل المعلومات السريعة، فإنه لم يعد هناك حاجز يذكر يحول دون الحصول على أي من المعلومات العلمية الضرورية لبناء قاعدة تكنولوجية متطورة.

زيادة على ذلك فإنه يتوفر في مختلف أنحاء العالم علماء ومتخصصون من أبناء العالم الإسلامي، وقد تكونت لديهم خبرات هائلة ومعلومات قيمة، ولديهم أبحاث ومؤلفات في شتى ميادين العلوم. ومن هنا فإن الدولة التي تعزم على بناء تكنولوجيا نوعية متطورة لن تجد صعوبة في توفير الأساس العملي المعرفي.

ثانياً: التمويل:

إنه مما لا شكل فيه أن عملية بناء قاعدة تكنولوجية متطورة تحتاج إلى رأسمال كبير. ولكن مردود هذه العملية من الناحية المالية والاقتصادية، وكذلك الناحية الاستراتيجية، كفيل بتبرير الإنفاق على بناء القاعدة. ومن المهم أن يدرك أن بعض الصناعات والمشاريع التكنولوجية قد لا تعود بالربح المباشر بما يتناسب مع حجم الاستثمار. لكن الدول التي تتحرك حركة مبدئية لا يسعها أن تجعل قاعدتها الصناعية وما يرافقها من بنية تحتية خاضعة لقوانين الربح والخسارة. فالولايات المتحدة على سبيل المثال لا تزال تحافظ على صناعة الفولاذ بالرغم من الخسارة التي تحلق بشركات الفولاذ على مدى سنين كثيرة خلت. وكذلك فإن حكومة الولايات المتحدة توفر الدعم المالي المستمر لصناعة الحواسيب العملاقة والتي لا تسمح حكومة أميركا ببيعها خارج السوق الأميركية. ومثال آخر، الدعم المستمر الذي توفره للبنوك بصفتها أداة تمويل المشاريع بشكل مباشر.

لذلك ينبغي أن يدرك أنه من أجل بناء قاعدة تكنولوجية، ومن أجل المحافظة عليها لا بد للدولة أن تستثمر أموالها مباشرة، أو تشجع على الاستثمار في هذا المضمار عن طريق التسهيلات اللازمة لمن يريد الاستثمار.

زيادة على ذلك فإن أموال الملكية العامة التي تشرف عليها الدولة من الممكن استثمارها من أجل بناء قادة تكنولوجية متطورة، ومن أجل المحافظة عليها. وذلك لأن وجود هذه القاعدة هو من مصالح الجماعة الحيوية التي يجب على الدولة رعايتها. ومن أموال الملكية العامة التي قد تستخدم لهذا الغرض، أموال النفط، والمناجم وغيرها.

أما استثمار الأفراد فلا بد وأن تستحدث وسائل جديدة على أسس شرعية تمكن من تجميع رؤوس الأموال في مشاريع إنتاجية. إذ أنه من المشاهد بالحس أن الصناعات الكبرى المتعلقة بالبنية التحتية للتكنولوجيا قد لا يتأتى تمويلها من قبل فرد أو أفراد قلائل.

ومن أهم الأخطار التي ينبغي إدراكها في هذا المجال، خطر القروض الربوية، خاصة المقدمة من قبل بنوك الدول العظمى المتحكمة في سوق التكنولوجيا. إذ أنه من الناحية العملية لا يمكن لهذه الدول أن تمول مشاريع صناعية من شأنها أن تؤدي إلى كساد بضاعة هذه الدول، وبالتالي فقداها لأسواقها. ومن ناحية أخرى فإن الربا وما يتصل به يعتبر من أشد المحرمات.

ثالثاً: النقلة النوعية:

أن الانتقال من صف الدول النامية أو دول الصف الثالث إلى دولة متطورة من الطراز الأول يحتاج إلى جهود غير عادية، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى إرادة قوية وذاتية. ولا بد أن نشير هنا إلى أمور غاية في الأهمية، مثل:

أ- خرافة نقل التكنولوجيا: لقد عاش العالم الثالث ردحاً من الزمن تحت تأثير خرافة نقل التكنولوجيا إليه من العالم الأول والثاني. وكأن التكنولوجيا هي بضاعة يمكن شحنها على ظهر سفينة أو طائرة. وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تفشي هذه الخرافة، لا يزال العالم الثالث ثالثاً، والنامي غير نام، بل إن استهلاك العالم الثالث لمنتوجات الدول الصناعية هو الذي نما وازداد.

لذلك فلا بد أن يُعلم أن التكنولوجيا ليست بضاعة تشحن، إنما هي عملية معقدة تُبنى وتُنشأ، ويستخدم في بنائها العمل والمال والطاقة والمادة الخام، ولها قاعدة وبناء، وتعتبر شكلاً من أشكال قوة الدول التي تحافظ الدول عليها وتحول دون أن ينالها غيرها.

ب- خطط التنمية المحددة بزمن: إن الملاحظ أن الدول الصناعية الكبرى لا تعمد أسلوب خطط التنمية. إنما تتبع أسلوب خطط الإنتاج والمشاريع. فأميركا مثلاً وضعت خطة ما يسمى بحرب النجوم، ورصدت لذلك الأموال، وأعدت ما يلزم. واليابان تضع خططاً لإدخال بضاعتها لسوق روسيا أو أفريقيا، وهكذا. ولا يوجد في ملفات هذه الدول خطط تنمية شاملة. ومن هنا فإن النقلة النوعية تستوجب أن تُرسَم خطةٌ لبناء قاعدة التكنولوجيا، وأن يرصد لها المال وكل ما يلزم.

ج- الهيئات الدولية لتطوير الصناعة: إن هذه الهيئات سواء أكانت ممثلة للأمم المتحدة مثل UNIDO أو للدول مثل USAID وCIDA والوكالة الألمانية للتنمية وغيرها، لا يمكن أن تكون أدوات لبناء قاعدة تكنولوجية نوعية، بل أن جل اهتمامها هو لصرف النظر عن هذا الأمر الهام.

د- حماية القاعدة التكنولوجية: إن إنشاء قاعدة تكنولوجية متطورة بعني ظهور دولة صناعية جديدة ودخولها نادي الدول الصناعية السبع الكبرى. وهذا أمر لا ترضى عنه الدول الكبرى. لذلك فإن هذه العملية تحتاج إلى حنكة سياسية ودبلوماسية تمكن من إنشاء القاعدة التكنولوجية أولاً، ثم المحافظة عليها من الأذى والهدم بعد إنشائها. ومن الأساليب التي قد تتبع لضرب القاعدة، نذكر على سبيل المثال:

1- الأعمال العسكرية: كما حدث مع العراق، ويمكن أن يحدث مع كوريا. وكما حدث مع اليابان في الحرب العالمية الثانية.

2- الأعمال التجارية: كما هو مثبت في اتفاقية الغات ومنظمة التجارة الدولية.

3- الأعمال المالية: خاصة ما يتعلق بأسعار صرف العملات وأسعار الفائدة.

4- الحواجز الجمركية: كما حصل بين أميركا وأوروبا الغربية، وكذلك بين اليابان وأميركا. ومن هنا فإنه بعد توفر الإرادة الذاتية القوية، والفكرة الدافعة والعلم اللازم، والتمويل الضروري، تكون عملية الانتقال الفعلي والاتجاه نحو امتلاك القاعدة التكنولوجية من أصعب الخطوات وأخطرها.

ونحن على يقين أنه ضمن الظروف التي ذكرنا، والمتطلبات الشديدة لامتلاك التكنولوجيا النوعية، لا بد للدولة التي تسير في هذا الاتجاه أن تكون مبنية على أساس مبدأ قوي، يحملها على تخطي العقبات، وتجاوز الظروف، بل ويمكنها من خلق ظروف ومناخ مناسب لإتمام النقلة النوعية بنجاح.

ومما لا شكل فيه، أن الأمة الإسلامية حين تحمل مبدأ الإسلام، مؤهلة لهذه النقلة العظيمة التي تخدم رسالة الإسلام، والمسلمين ويباركها رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *