العدد 94 - السنة الثامنة – رمضان 1415هـ -شباط 1995م

قراءة في كتاب: دولة الخلافة قوة القرن الواحد والعشرين

أصبح قيام دولة الخلافة أمرا ًبديهياً بالنسبة لأبناء الأمة العاملين، كما غدا التطلع إليها وترقبها يملأ قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، خاصة بعدما سقطت أقنعة كل الأنظمة البشرية العفنة. فالاشتراكية لم يعد لها وزن، والرأسمالية تتكشف حقيقتها يوماً بعد يوم، والقومية التي كانت تجر المسلمين جحافلاً إلى الشوارع غدت وكأنها لم تكن أبداً.

لقد عام الإسلام تخفق له قلوب المؤمنين والمؤمنات، وترتعب منه قلوب أصحاب المبادئ الأخرى الذين غدوا يخشون قيام دولة الخلافة بين لحظة وأخرى. وأصبح الغرب الرأسمالي – وهو الذي غزا العالم الإسلامي فكرياً واقتصادياً طيلة ما يقارب القرنين من الزمن – يتوجس خيفة من المارد الإسلامي، لذلك نجده منكباً على مهاجمة الإسلام ومحملة دعوته في كافة وسائله الإعلامية كما تراه يصعد ضرباته إلى المسلمين عن طريق عملائه في البلاد الإسلامية، وما عمله هذا في الحقيقة إلا يأس وقنوط وتعبير واضح عن مدى تدني ثقفته بمبدئه.

فالذي يعيش داخل المجتمعات الغربية يلمس يومياً مدى الذعر والخوف التي دب في قلوب رجال الحضارة الغربية من الإسلام السياسي بعدما ظنوا أنهم فصلوا الدين عن الدولة في عقول المسلمين إلى غير رجعة، وما كانت عاقبة أعمالهم تلك إلا خسرا.

في خضم هذه الأجواء العدائية الشرسة قام كاتبان أميركيان وهما “دوايت لوغداتوف” و”لاديمير لولوال” بإصدار كتاب شيق وضخم يتكون من 640 صفحة و37 باب تحت عنوان “تاريخ العال” وهذا الكتاب فريد من نوعه، خاصة وأنه يظهر للمتطلع فيه أنن ضرب من كتاب الخيال أو ما يسمى في اللغة الانجليزية “ساينس فكشن” إذ أن تاريخ صدوره سنة 2992 وليس 1992 والسبب في ذلك يرجع إلى كون الكاتبين قاما بتخطي ألف سنة كاملة ليجدا نفسيهما سنة 2992 والتفتا إلى تاريخ الألف سنة، أي من 1992 إلى 2992 ليقدما لقرائهما التغيرات التي حدثت في العالم طيلة تلك الفترة، وذلك منذ سقوط الشيوعية وانتصار أميركا وحلفائها في حرب الخليج، وما استجد من أحداث في أوروبا وآسيا والعالم الإسلامي.

بالعالم الإسلامي وتطوراته منذ سنة 1992 (كما يراه الكاتبان من وجهة نظر سنة 2992)، وخلاصته أن دولة الخلافة سترسم أحداث القرون التالية كدولة عظمى، والديمقراطية ستصيبها قارعة الشيوعية. ولقد تعرضت مجلة الإيكونوميست البريطانية في عددها الأول لسنة 1993 لهذا الموضوع وناقشته بدقة.

قرن الكوارث:

يرى الكاتبان أن القرن الـ 21 كان قرن كوارث على الديمقراطية الغربية، وفشلها يرجع في مجموعة إلى الخطأ في التفكير والتصور بالإضافة إلى انعدام الإدارة في الغرب.

أما خطأ التفكير فقد وقع من الأقطاب الثلاثية التي ظهرت بعد سقوط الشيوعية وهي الولايات المتحدة الأميركية، والسوق الأوروبية المشتركة، واليابان، لأنها عوض التلاؤم والعمل على تركيز مفاهيم الحرية والرفاهية في العالم شرعت تعمل ضد بعضها البعض، وهذه الخلافات أدت إلى تمزيق الحلف التقليدي الذي جمعها بعد الحرب العالمية الثانية وسقوطه سنة 2006 إثر سحب أميركا قواتها العسكرية من أوروبا وآسيا. وكانت الخلافات اقتصادية بالدرجة الأولى، إذ بعد التفاؤل النسبي في بداية التسعينات ما لبثت سياسية الحماية الاقتصادية أن شملت هذه الدول، فلم ينته القرن العشرون إلا ولم يعد هناك أي قانون يجمع بين هذه التكتلات.

أما السبب الآخر فهو تصاعد التركيز على الهوية المسعة التي جعلت الأوروبي غير الأميركي وغير الياباني، الشيء الذي تعدى كافة الضوابط الفكرية والسياسية التي كانت فيما مضى أساساً مشتركاً لدى هذه الأقطاب.

وأما خطأ التصور فيرى الكاتبان أن السبب من تعميقه هي أوروبا التي راحت عقب سقوط الشيوعية تحاول بسرعة فائقة إرجاع ماضيها الذي خسرته بعد الحربين العالميتين، هذه السرعة جعلت أوروبا تبتعد عن التصور الأصلي وتركز على وحدة أوروبا الشرقية، وزاد الطين بلة فشلها في حل الأزمة وإيقاف المجازر التي حدثت في يوغسلافيا، وتفاقم الفوضى في كافة أجزاء روسيا التي سرعان ما انتشرت لتصل إلى الحدود الشرقية الألمانية، أما انعدام الإدارة فالسبب في ذلك أميركا. كانت الولايات المتحدة القوة الوحيدة بعد سنة 1992 التي كان بإمكانها إيقاف كل الذي حدث خاصة وأنها كانت لا تزال تتمتع بقوة اقتصادية وعسكرية جبارة، إضافة إلى سعة أفقها السياسي الذي يشمل العالم أجمع.

وأخطأ كل المتفائلين الذين كانوا يترقبون من أميركا القيام بدورها، إذ أن المشاكل الاقتصادية والعنصرية داخلها، بالإضافة إلى تعكر علاقاتها مع أوروبا واليابان حطمت إرادتها في المضي قدماً لقيادة العالم. ولقد قام الرئيس كلينتون آنذاك بمحاولات لأخذ زمام المبادرة، إلا أنه باقتراب نهاية القرن العشرين باءت كل المساعي بالفشل، وجاء مبدأ “بوكانان” سنة 2003 أيام رئاسة هذا الأخير والذي صادق عليه الكونجرس صبيحة الذكرى 180 لإعلان مبدأ مونرو، ليجعل من أميركا القرن الواحد والعشرين أميركا القرن التاسع عشر وبهذه السياسة غدت أميركا مطوية على القارتين الأميركيتين فقط، وما أن حل منتصف القرن حتى كانت الديمقراطية تعم كل بلاد أميركا الشمالية والجنوبية تحميها الترسانة النووية الأميركية، وتكونت السوق التجارية الحرة الأميركية.

صحب كل ذلك تراجع الدول الديمقراطية عن إرسال جيوشها في مهام حفظ السلام لما ثبت عدم جدواها (خاصة بعد أحداث الصومال)، وبعد فشل أوروبا في سياستها تجاه يوغسلافيا أرخت خماراً فكرياً يحجبها عما يجري في ما وراء فيينا، فلم يعد أمر الشرق يعنيها مما جعل شعاع الديمقراطية مختفي.

قوى القرن الواحد والعشرين:

 وفي خضم هذا الارتباك وهذه الفوضى ظهرت قوتان عظيمتان سيطرتا على العالم طيلة القرنين الـ22 والـ23. أم القوة الأولى فكانت الصين، إذ كان للانتعاش الاقتصادي الذي عاشته في أواخر القرن العشرين الأثر الأكبر في صيرورتها دولة عظمة. وما أن حلت سنة 2020 حتى بلغت ذروة القوة الاقتصادية تصحبها القوة النووية، إلا أن الصين رفضت الديمقراطية وبقيت محتفظة بحكومة مركزية قوية.

وكانت اليابان هي الخصم الأساسي في سياستها الخارجية حيث عملت على الحيلولة دون امتلاكه للسلاح النووي، ولتخويفه بصورة أكبر قامت الصين بتفجير قنبلة نووية في بحر يوكوهاما سنة 2009 مما أثار الهلع لدى اليابان، فاستكان ولان وأصبح منذ ذلك اليوم يدور في فلك الصين يزودها بالعتاد المتطور والتنقية الدقيقة.

أما الصين الوطنية فتوحدت معها 2007 بعدما اتفق الطرفان على تطبيق نظام السوق الحرة لكن تحت قيادة مستبدة. غير أن الصين وهذه حالها أصبح من الواجب عليها تحديد علاقتها وسياستها تجاه القوة العظمى الأخرى التي برزت في القرن الحادي والعشرين.

لقد بزغت هذه القوة من العالم الإسلامي بنفس القوة التي ظهرت بها قبل 1400 سنة من ذلك التاريخ، وهذه القوة هي الخلافة الجديدة كما اعتاد الغربيون على تسميتها تهكماً حتى تعلموا عدم السخرية عندما ظهرت لهم قوتها.

لم يتمكن المسلمون الوقوف في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، رغم أن هذه الشعوب كان لها تاريخ مذهل حققت فيه نجاحات جبارة. ومنذ مطلع القرن العشرين ظهرت في بلادهم الطاقة التي كانت المحرك الأساسي والعمود الفقري للعالم الصناعي، وكل ما كان ينقص العالم الإسلامي هو الظروف المناسبة لإعادة تنظيم نفسه في قوة واحدة متجانسة، حتى سنحت الفرصة بالانقلاب العسكري الذي قام به العقيد القصيبي سنة 2011 في العربية السعودية.

وبسبب استيلائه السريع على كل بترول الخليج وتوجيه المسلمين إلى هدف سياسي موحد بالإضافة إلى الشعور القوي بالوحدة الذي كان يساور المسلمين وبأنه قد حان الوقت للظهور على الغرب الممزق، كل هذه العوامل جعلت القصيبي ينجح بعدما فشل الكثيرون ممن كانوا يحاولون توحيد المسلمين. قام رجال الثورة بعد استلامهم الأمر بتقديم عروض للمسلمين تتمثل في إشراك الجميع في الثروات البترولية مقابل وحدة سياسة خارجية وعسكرية. واستجاب العرب للنداء في الوقت الذي بقي فيه المسلمون في الشرق الأقصى بعيدين عن تلبية ذلك. أما إيران فإنها اضطرت إلى الاستسلام، وقبلت الباكستان بالعرض وأرسلت جيوشها.

أما القوة الدافعة لكل ذلك فلم تكن الدين بالدرجة الأولى، بالرغم من أن الدين أوجد شعوراً بوحدة الهوية، بل الدافع هو شعور المنطقة بكاملها بضرورة الصعود على مسرح الأحداث السياسية.

كانت تركيا الضحية الأولى لدولة الخلافة عندما قامت هذه الأخيرة باتهامها بخيانة المسلمين إثر محاولتها المضي قدماً وراء الفكرة الغربية الفاسدة، فكرة الديمقراطية. وكرد فعل قامت كل من بريطانيا وفرنسا بإرسال جيوشها لحماية تركيا والحيلولة دون قيام دولة الخلافة بضمها، غير أنها باءت بالفشل عندما اكتسحت قوات الخلافة الجديدة البوسفور وهزمت جيوش الدولتين في معركة سنجق سنة 2016 وتمكنت على إثرها من إرساء أول قاعدة في جنوب شرقي أوروبا. إلا أن الهدف الحقيقي في سياسة هذه الدولة كان جسم روسيا المهترئ، وفي هذا الإطار وجدت دولة الخلافة الجديدة أساساً مشتركاً لعقد حلف مع الصين، وهذه العلاقة الخاصة بين الدولتين جاءت لترسم المسار السياسي خلال القرنين التاليين.

شرعت القوة الإسلامية الجديدة في إزالة الهيمنة الروسية على المناطق الجنوبية للاتحاد السوفيتي، وحققت نجاحات وانتصارات كبيرة. وبينما كنت الصين تزود دولة الخلافة بكافة الأسلحة الضرورية ضمنت دولة الخلافة حماية المنطقة الغربية للصين، وما إن حل منتصف القرن الحادي والعشرين (2050) حتى أنهت دولة الخلافة تحرير كل المناطق الإسلامية، ووجدت إثر قيامها بذلك كافة الطرق مفتوحة لعدم تمكن أي أحد من الوقوف في وجهها ومنعها من ذلك. فالأميركيون انعزلوا على الأميركيتين وقالوا بأن بقية العالم لا يعنيهم، وأما الأوروبيون فلقد كان لكارثة الهزيمة التي ألحقتها بهم دولة الخلافة سنة 2016، بالإضافة إلى الخلافات الداخلية وابتعادهم عن أميركا أثر سلبي على سياستهم. أما الهند –القوة النووية الأخرى- فبعد انسلاخ العديد من الولايات الشمالية منها واكتساح القوة الإسلامية للمنطقة لم يعد في إمكانها إلا الاستكانة والاستسلام. بقيت روسيا التي كانت تعيش فوضى اقتصادية وسياسية، فبعد تعاقب عدة حكومات عليها أصبح جيشها مهزوماً نفسياً ولم يستطع الوقوف في وجه قوات الخلافة التي تمكنت إثر غزوتين عسكريتين من طرد الروس إلى ما وراء جبال الأورال التي أصبحت الحدود الجديدة لروسيا، وتسببت هذه الحملات العسكرية في تدفق ملايين اللاجئين إلى أوروبا الغربية مما زاد في مشاكل هذه الأخيرة. ولم تتجرأ روسيا على استخدام الترسانة النووية خوفاً من ردة فعل مماثلة من الصين. وبسبب امتلاك الأوربيين للأسلحة النووية توقفت القوات الإسلامية عن المضي قدماً في الحملات العسكرية. وجعل التحالف بين الصين ودولة الخلافة منهما القوتين العظيمتين لقرون من الزمان.

هكذا رأي الكاتبان الأميركيان العالم وتطوره السياسي خلال القرون القادمة. وما كتبناه يعبر عما يدور في خواطر الكثير من رجال وعلماء السياسة، وهو محور حديثهم هذه الأيام وسبب تصعيد حربهم ضد الإسلام والعاملين على إعادته إلى واقع الحياة. ولا سيما أن نقول ونحن نقرأ ما كتباه أن الخلافة ستقوم بإذن الله قريباً مصداقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: « ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» واعتقاداً بوعد الله لنا بالنصر وإظهار دين الله على الدين كله. فالله نسأل أن يعجل بالفرج، ويرزقنا دولة الخلافة التي تحرر المسلمين والعالم أجمع من عبادة العبادة إلى عبادة رب العباد. آمين.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *