العدد 95 - السنة الثامنة – شوال 1415هـ -أذار 1995م

دعوة للحوار المفتوح (2)

من منطلق ثقتنا الراسخة بالله عز وجل، وبنصره الذي لا ريب فيه والذي سيتمثل في عودة السيادة على الأرض لدين الإسلام متجسداً في دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة، تعرض مجلة الوعي دستوراً للدولة الإسلامية التي يعمل المسلمون لإيجادها بعون الله، وهي إذ تقوم بهذا العرض للدستور تدعو المسلمين عامة والمفكرين والعلماء وأصحاب الرأي وقيادات العمل الإسلامي خاصة لإبداء رأيهم والمشاركة بفعالية في مناقشة الأمر، والمجلة ترحب بالمراسلة على عنوانها أو الاتصال المباشر بمراسيليها وتأمل في أن تصلها النصائح سواء كانت في صورة نقد لكفر أو حكم أو كانت في صورة اقتراح بالإضافة والتوسع، ومع علمنا بالجهد المبذول في البحث والدراسة والتفكير في هذا العمل إلا أننا نقرر الحقيقة الثابتة وهي «رأينا صواب يحتمل الخطأ». ولذا نكرر القول بأننا نرحب من أعماق قلوبنا بأي تصحيح لحكم قد يكون استنبط على غير وجه صحيح أو تصويب لواقع لم يدرك بشكل كامل وما إلى ذلك.

والأسباب التي دعت إلى طرح الدستور على صفحات هذه المجلية هي التالية:

1- نعتقد أن بيان صورة الحياة الجديدة التي يسعى المسلمون لاستئنافها يساعد على بلورة وتجسيد هدف الحركة الإسلامية في عقول ونفوس الأمة مما يفوت على أعدائها فرصة تخدير الأمة بإصلاحات جزئية هنا أو هناك، ولعل ذلك يساعد على جمع كلمة العاملين للإسلام، حيث أن وحدة الفكر – القائم على العقيدة والمستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم – هي أقوى عامل بل هي العامل الأساسي في جمع كلمة المسلمين حين يغيب الخليفة صاحب السلطان الذي تجتمع الأمة محوله وفي دولته.

2- يوجد الكثير من أبناء المسلمين ممن انضبعوا بالعلانية والاشتراكية، ووصل بهم الأمر إلى أن يصفوا الإسلام بخلوه من أحكام لتسيير الحياة في العصر الحديث، ورموا الحركة الإسلامية بعجزها عن تقديم النظام السياسي البديل من الإسلام، وقالوا إن الحركة الإسلامية ليس لديها أي محتوى حقيقي لشعار “الإسلام هو الحل”. وإيماناً منا بأن كل إنسان فيه قابلية الرجوع إلى الحق وخاصة إذا كان هذا الحق جلياً واضحاً وجدنا في عرض الدستور فرصة لهم كي طلعوا على حقيقة الإسلام ويبدأوا في حوار موضوعي بعيد عن أسلوب الجدل العقيم، فلعلهم يدركون صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وذلك من خلال اتساع نصوصها لاستنباط أحكام متعددة، واتساع الأحكام ذاتها للانطباق على مسائل كثيرة متعددة ومتجددة، مما جعل الشريعة وافية بمعالجة كافة مشاكل الحياة.

هذا ونسأل الله تبارك وتعالى والتوفيق والسداد وأن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم مباركاً فيه بفضل منه ورحمة.

الباب الأول: أحكام عامة

المادة الثانية: دار الإسلام هي البلاد التي تطبق فيها أحكام الإسلام، ويكون أمانها بأمان الإسلام، ودار الكفر هي التي تطبق فيها أنظمة الكفر، أو يكون أمانها بغير أمان الإسلام.

«الوعي»: المراد بكلمة أمان الإسلام أن يُؤْمَن بسلطان الإسلام والمراد بكلمة أمان الكفر أن يُؤْمَن بسلطان الكفر ومعنى كلمة أمان ضد الخوف. أخرج أبو داود عن سعد رضي الله عنه قال: «لما كان يوم فتح مكة أمَّن الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر سماهم». فهذا معنى الأمان، وإضافته إلى الإسلام أو الكفر إنما هي إضافة للسلطان الذي يؤمِّن، لأن الأمان في الدولة إنما هو في السلطان، والأمان داخلي وخارجي، فالأمان الداخلي أن يأمن كل فرد من الرعية على نفسه وعرضه وماله، والأمان الخارجي أن تكون حدود الدولة محمية من الغارات عليها بسلطانها لا بسلطان غيرها (للمزيد يرجع إلى كتاب “المبسوط” للسرخسي).

شرح هذه المادة:

الدار في اللغة المحل والمسكن والبلد، وتطلق في اللغة على القبيلة، ودار الحرب أرض العدو. وتعتبر الدار دار إسلام إذا توفر فيها أمران: أحدهما أن تكون محكومة بسلطان الإسلام مطبقة عليها أحكامه، والثاني أن يكون أمانها بأمان المسلمين أي بسلطانهم. والدليل على ذلك هو كلمتي دار كفر ودار إسلام اصطلاح شرعي وضع للبلاد التي تحت سلطان الإسلام والبلاد التي ليست تحت سلطان الإسلام، واستنبط من مجموع أحكام الذين يكونون تحت سلطان المسلمين والذين لا يكونون تحت سلطان المسلمين، ودليله هو حديث سلمان بن بريدة «وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين» فإن مفهومه أنهم إن لم يتحولوا لا يكون لهم ما للمهاجرين أي ما لمن هم من دار الإسلام، فإن هذا الحديث قد بين اختلاف الأحكام بين من يتحول إلى دار المهاجرين وبين من لا يتحول إلى دار المهاجرين، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام وما عداها كان دار كفر فمن هنا استنبط اصطلاح دار الإسلام ودار الحرب أو دار الكفر. فتكون إضافة الدار للحرب والكفر أو للإسلام هي إضافة للحكم والسلطان. فدار الحرب أو دار الكفر هي البلاد التي تحت سلطان أهل الحرب ولو حكماً، ودار الإسلام هي الدار التي تحت سلطان أهل الإسلام. ومن ذلك يتبين أن اعتبار الدار لا بد أن يتحقق فيه السلطان لمن تنسب إليه، فتحققه شرط أساسي.

والسلطان لا يتحقق إلا بأمرين أحدهما رعاية المصالح بأفكار معينة والثاني القوة التي تحمي الرعية وتنفذ الأحكام أي الأمان. ومن هنا جاء اشتراط الشرطين المذكورين: تطبيق أحكام الإسلام وأن يكون أمانها بأمان المسلمين.

هذا من ناحية الدليل على الشرطين، ثم إنه بالنسبة لتطبيق أحكام الإسلام وعدم تطبيق أحكام الكفر فإن دليله ما ورد في حديث عوف بن مالك في شرار الأئمة حيث جاء «قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» وما ورد في حديث عبادة بن الصامت في البيعة «وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً» ووقع عند الطبراني كفراً صراحاً، ووقع في رواية «إلا أن تكون معصية الله بواحاً» وفي رواية أحمد «ما لم يأمرك بإثم بواحاً» فإنها تدل على أن الحكم بغير الإسلام مثل عدم إقامة أركان الدين في البلاد ومثل عدم اتباع أوامر الله من الحاكم ومثل أمر الحاكم بغير ما أمر به الله يعتبر مما يوجب حمل السيف في وجه الحاكم وهذا ذليل على أن تطبيق أحكام الإسلام شرط من شروط دار الإسلام وإلا وجب القتال وحمل السيف. وأما بالنسبة لكون الأمان يجب أن يكون بأمان الإسلام فإن دليله أن الرسول كان يأمر بغزو كل بلاد لا تخضع لسلطانه وأن يقاتلهم قتال حرب سواء أكان أهلها مسلمين أم غير مسلمين، بدليل نهيه عن قتال أهلها إذا كانوا مسلمين، عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يغز حتى يصبح فإذا سمع أذاناً أمسك، وإذا لم يسمع أذاناً أغار بعد ما يصبح» وعن عصام المزني قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث السرية يقول: «إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم منادياً فلا تقتلوا أحداً» والأذان والمسجد من شعائر الإسلام مما يدل على أن كون البلاد يسكنها مسلمون لا يمنع من غزوها وقتالها قتال حرب، وهذا يعني أنها اعتبرت دار حرب أي دار كفر، لأنها ولو ظهر فيها شعائر الإسلام ولكنها لا تأمن بسلطان الرسول أي بسلطان الإسلام وأمانه فاعتبرت لذلك دار كفر وغزيت كأي دار حرب. ويفسر هذا أن البغاة يقاتلون قتال تأديب لا قتال حرب مع خروجهم على السلطان لأن أمانهم بأمان المسلمين، أما لو كان أمانهم أي البغاة بأمان الكفار فيقاتلون قتال حرب لأن القتال حينئذ إنما يكون للكافر لحمايتهم للبغاة والكفار يقاتلون قتال حرب. وهذا يعني أن كون الأمان بأمان الكفار لا يجعل البلاد دار إسلام ولو ظهرت فيها شعائر الإسلام بل لا بد أن يكون أمانها أيضاً بأمان الإسلام.

والحاصل أن كون الدار دار كفر أو دار إسلامي يتعلق بواقع الدار، وذلك أن المسلمين مأمورين بالحرب أي القتال حتى يقول الناس لا إله إلا الله، أو حتى يخضعوا لأحكام الإسلام، فإن خضعوا لأحكام الإسلام رفع عنهم القتال ولو ظلوا كفاراً، وإن لم يدخلوا تحت حكم الإسلام يحاربون. فسبب حربهم كونهم كفاراً لم يستجيبوا للدعوة، وسبب وقف القتال قبولهم الحكم بالإسلام، فإذا حكموا بالإسلام وظلوا كفاراً، فقد وجد سبب وقف القتال ووجب إنهاء الحرب، مما يدل على أن حكمهم بالإسلام هو الذي حول بلادهم من دار حرب إلى دار إسلام، فيكون الحكم بالإسلام هو الذي يتوقف عليه دوام الحرب أو وقفها، مما يدل على أن الوصف الذي يعين كون الدار إسلام أو دار كفر هو الحكم بالإسلام، ومعنى كونه حكماً أي سلطاناً، أن يكون الأمان الداخلي والخارجي به، أي بسلطان الإسلام، وإلا فقد ميزته بوصفه حكماً.

وعليه فالحكم بالإسلام، والأمان الذي هو لازم من لوازمه هما اللذان يعينان وصف الدار من كونها دار إسلام أو دار حرب.

هذه هي دار الإسلام، وهي البلاد التي تكون محكومة بسلطان الإسلام مطبقة عليها أحكامه، ويكون أمانها الداخلي والخارجي بأمان الإسلام. وما لم يتوفر فيها هذان الأمران فإنها تكون دار كفر، وتنطبق عليها أحام دار الكفر بغض النظر عن كون أهلها مسلمين أو غير مسلمين.

المادة الثالثة: يتبنى الخليفة أحكاماً شرعية معينة، يسنّها دستوراً وقوانين، وإذا تبنى حكماً شرعياً في ذلك صار هذا الحكم وحده هو الحكم الشرعي الواجب العمل به، وأصبح حينئذ قانوناً نافذاً وجبت طاعته على كل فرد من الرعية ظاهراً وباطناً.

شرح المادة:

والدليل عليها هو إجماع الصحابة. فقد انعقد إجماع الصحابة على أن للخليفة أن يتبنى أحكاماً شرعية معينة، وانعقد كذلك على أن العمل بما يتبناه الخليفة من أحكام واجب. ولا يجوز للمسلم أن يعمل بغير ما تبناه الخليفة من أحكام، حتى ولو كانت هذه الأحكام شرعية استنبطها أحد المجتهدين، لأن حكم الله أصبح في حق جميع المسلمين هو ما تبناه الخليفة. وقد سار الخلفاء الراشدون على ذلك فتبنوا أحكاماً معينة وأمروا بالعمل بها، فكان المسلمون ومنهم جميع الصحابة يعملون بها ويتركون اجتهادهم. وقد تبنى أبو بكر إيقاع الطلاق الثلاث واحدة، وتوزيع المال على المسلمين بالتساوي من غير نظر إلى القدم في الإسلام أو غير ذلك فاتبعه المسلمون في هذا وسار عليه القضاة والولاة. ولما جاء عمر تبنى رأياً في هاتين الحادثتين خلاف رأي أبى بكر، فألزم وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً، ووزع المال حسب القدم في الإسلام والحاجة، بالتفاضل لا بالتساوي، واتبعه في ذلك المسلمون وحكم به القضاة والولاة. ثم تبنى عمر جعل الأرض التي تغنم في الحرب غنيمة لبيت المال لا للمحاربين، وأن تبقى في يد أهلها ولا تقسم على المحاربين ولا على المسلمين، فاتبعه في ذلك الولاة والقضاة وساروا على الحكم الذي تبناه. وهكذا سار جميع الخلفاء الراشدون على التبني وعلى إلزام الناس بترك اجتهادهم وما يعملون به من أحكام والالتزام بما تبناه الخليفة. فكان الإجماع منعقداً على أمرين: أحدهما التبني وثانيهما وجوب العمل بما يتبناه الخليفة. ومن هذا الإجماع أخذت القواعد الشرعية المشهورة «للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات» «أمر الإمام يرفع الخلاف» «أمر الإمام نافذ».

والأصل في التبني هو اختلاف الآراء في المسألة والواحدة فكان لا بد للعمل بالحكم الشرعي في هذه المسألة من تبني رأي معين فيها. ذلك أن الأحكام الشرعية وهي خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد جاءت في القرآن والحديث، وكان فيها الكثير مما يحتمل عدة معان حسب اللغة العربية وحسب الشرع، لذلك كان طبيعياً وحتمياً أن يختلف الناس في فهمها، وأن يصل هذا الاختلاف في الفهم إلى حد التباين والتغاير في المعنى المراد. ومن هنا كان لا بد أن تكون هناك أفهام متباينة وأفهام مختلفة، لذلك قد يكون هناك في المسألة الواحدة آراء مختلفة متباينة. فالرسول صلى الله عليه وسلم حين قال في غزوة الأحزاب: «لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة» فهم أشخاص أنه قصد الاستعجال وصلوا في الطريق، وفهم آخرون أنه قصد معنى الجملة فلم يصلوا العصر وأخروها حتى وصلوا بني قريظة فصلوها هناك ولما بلغ الرسول ذلك أقر الفريقين كلاً على فهمه، وهكذا كثير من الآيات والأحاديث. فاختلاف الآراء في المسألة الواحدة يحتم على المسلم الأخذ برأي واحد منها. لأنها كلها أحكام شرعية، وحكم الله في المسألة الواحدة بالنسبة للشخص الواحد لا يتعدد، ولذلك لا بد من تعيين حكم واحد منها لأخذه، ومن هنا كان تبني المسلم لحكم شرعي معين أمراً لازماً ولا مناص منه ولا بوجه من الوجوه عندما يباشر العمل. فمباشرة العمل توجب على المسلم تسييره بالحكم الشرعي، وبمجرد وجوب العمل بالحكم الشرعي فرضاً كان أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً يحتم وجوب تبني حكم معين. ولهذا كان واجباً على كل مسلم أن يتبنى حكماً شرعياً معيناً حين يأخذ الأحكام للعمل، سواء أكان مجتهداً أم مقلداً، خليفة أو غير خليفة.

وبالنسبة للخليفة فإنه لا بد أن يتبنى أحكاما معينة يباشر رعاية شؤون الناس بحسبها، فلا بد أن يتبنى أحكاماً معينة فيما هو عام لجميع المسلمين من شؤون الحكم والسلطان كالزكاة والضرائب والخراج، وكالعلاقات الخارجية وكل ما يتعلق بوحدة الدولة ووحدة الحكم. إلا أن تبنيه للأحكام ينظر فيه، فإن كان الخليفة لا يستطيع أن يقوم بأمر تستوجب القيام به رعاية شؤون الناس حسب أحكام الشريعة الإسلامية إلا إذا تبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر فإن التبني حينئذ يكون واجباً على الخليفة عملاً بالقاعدة الشرعية «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» وذلك كالمعاهدات مثلاً. وأما إن كان الخليفة يستطيع أن يرعى شؤون الناس في أمر من الأمور حسبما تقتضي أحكام الشريعة الإسلامية دون أن يتبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر فإن التبني في هذه الحال يكون جائزاً له وليس واجباً عليه. وذلك مثل نصاب الشهادة فإنه يجوز له أن يتبنى ويجوز له أن لا يتبنى، إذ أن أصل التبني مباح وليس بواجب لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن للإمام أن يتبنى ولم يجمعوا أن عليه أن يتبنى، وعلى هذا فالتبني من حيث هو مباح، ولا يصير واجباً إلا إذا كانت رعاية الشؤون الواجبة لا تتم إلا به فيصبح حينئذ واجباً حتى يتأتى القيام بالواجب.

روى أبو شامة بسنده إلى زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة عالم، وجدال منافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *