العدد 98 - السنة التاسعة – محرم 1416هـ – حزيران 1995م

الظلم ظلمات يوم القيامة

إن العقود الماضية التي خضعت فيها الأمة الإسلامية لحكم الطواغيت من أرباب أفقدت جماهير الأمة الإسلامية خصيصة من أهم خصائصها، ألا وهي عدم التظالم فيما بينها، ورد أي ظلم يقع عليها مهما كلف ذلك من أرواح وأموال، واليوم والظلم يعم أرجاء بلاد المسلمين بمختلف أنواعه وأشكاله، ظلم الحاكم للأمة، وظلم الناس بعضهم البعض، وظلم الناس لأنفسهم، والظلم العظيم الذي هو الشرب بالله متمثلاً بصفة أولى في تحاكم المسلمين لغير ما أنزل الله، يجدر بنا أن نقف برهة مع نذر يسير من نصوص الإسلام التي عالجت القضية في أرقى صورة وأدق عبارة وأبلغ بيان، لعله ينطبق علينا قول الله تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) فنبادر بحجز أنفسنا عن التظالم، ونبادر بقصر أنفسنا على الحق، وننزع عن نفوسنا لباس الخوف العجز لنعمل جاهدين لرفع الظلم ليس عن أنفسنا ولا عن أمتنا فحسب، وإنما عن البشرية جمعاء التي باتت تكتوي ليل نهار بظلم الرأسمالية وعسف وجور التشريعات البشرية القاصرة.

يقول تعالى: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)(الشورى42).

أي: إنما العقوبة والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناس بعداوتهم، ويتكبرون في الأرض تجبراً وفساداً بالمعاصي والاعتداء على الناس في النفوس والأموال. أولئك الظالمون الباغون لهم عذاب مؤلم موجع بسبب ظلمهم وبغيهم.

وقال جل شأنه: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ)(إبراهيم 41-45) أي: لا تظن أن الله ساه عن أفعال الظلمة، فإن سنة الله إمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهو إنما يؤخرهم ليوم رهيب عصيب تشخص فيه أبصارهم من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوته لا يلتفتون إلى شيء رافعين رؤوسهم مع إدامة النظر، لا يطرفون بعيونهم من الخوف والفزع، قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع.

ويأمر الله عز وجل النبي أن يخوف الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم العذاب الشديد فيطلب الظالمون المهلة ولو إلى أجل قريب ليستدركوا ما فاتهم فيجيبوا دعوته لهم إلى الإيمان ويتبعوا الرسل فيما جاؤوا به.

أولم تكونوا تحلفون – من قبل هذه الحالة – أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذلك، وقد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر.

وقال تعالى: (َيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )الشعراء227، هذا وعيد عام في كل ظالم، تتفتت له القلوب وتتصدع لهوله الأكباد.

أي: وسيعلم الظالمون المعادون لدعوة الله أي مرجع يرجعون إليه وأي مصير يصيرون إليه، فإن مرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع، ومصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة».

وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسوؤل عن رعيته».

وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: اشهد لَسَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشاً لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».

وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش رعيته إلا حرم عليه الجنة» وفي رواية: «… فلم ينصح لم يرح رائحة الجنة».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور».

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملاً».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط».

ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به».

وقال صلى الله عليه وسلم: «من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة».

وقال صلى الله عليه وسلم: «سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني وليست منه وليس وبارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض».

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)».

وعن خولة بنت عامر الأنصارية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه».

قال الله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)(هود: 113) والركون: السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تميلوا كل الميل في المحبة وليي الكلام والمودة، وقال السدي وابن زيد: لا تداهنوا الظلمة، وقال عكرمة: هو أن يطيعهم ويودهم، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم فيصيبكم لفح النار.

قال ابن عباس: مالكم من مانع يمنعكم من عذاب الله.

وقال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ) أي أشباههم وأتباعهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره».

وهكذا تقلبت آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل والأحاديث القدسية بين النهي عن التظالم، وذم الظلم، وتوعد الظالمين، وتحذير من لا ينكر عليهم أو يسكن إليهم لو شيئاً يسيراً، مع بيانها التفصيلي للأفعال التي تعتبر ظلماً حتى تبين للناس، ولتكون الهداية سابقة للعمل كي لا يكون للناس على الله حجة بأنهم جهلوا الظلم ووقعوا فيه نتيجة لجهلهم، ولقد كانت آيات القرآن تقرع الآذان وتهز القلوب، والملاحظ دائماً أنها كانت تربط الآخرة بالنهي عن الظلم أو التحذير، حتى كون وقعها في النفس دائماً يوم تُجزى كل نفس بما كسبت.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *