العدد 99 - السنة التاسعة – صفر 1416هـ – تموز 1995م

التقوى بين الحقيقة والإدعاء

من أعظم مفاهيم الإسلام التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بحياة الأفراد وعلاقات المجتمع مفهوم التقوى، ونظراً لأهميته فقد عالجه الوحي قرآناً وسنة معالجة واسعة وعمل على تركيزه في عقول المسلمين من خلال تكرار عرضه في مواضع مختلفة ومناسبات عديدة وبيان عظم أجر المتقين وفوزهم في الدنيا والآخر وكيف أن الله معهم مؤيداً وناصراً ومعيناً، وقد أدرك الكفار قديماً وحديثاً أهمية وضوح وجلاء مفهوم التقوى لدى المسلمين وكيف أنه مصدر من أكبر مصادر قوتهم وأن له من التأثير ما للعقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين بل إن العقيدة تؤتي ثمرتها عندما يتحقق واقع التقوى في حياة المسلمين، ولذا عكفوا على محاولة تشويه وتلبيس هذا المفهوم لدى المسلمين وخلعوا ما لدى الفلسفة الهندية من تصورات فاسدة عن الجسد والروح والعلاقة بينهما على مفهوم التقوى فأصبحت ترى التقوى لدى المسلمين بأنها حالة نفسية تضفي على الإنسان صفة اللين في القول والمسكنة والانصراف إلى العبادات كالصلاة والصوم وحسن العشرة وما إلى غير ذلك من الصفات الخلقية.

وفي رحاب الوحي نجلي في هذه الكلمة القصيرة واقع التقوى كما جاءت به نصوص الوحي والتي تري بوضوح أن واقع التقوى هو: إدراك عقلي وعلم شرعي لوجوب اتخاذ الحلال والحرام مقياساً لجميع أعمال الإنسان ثم ممارسة ذلك عملياً.

قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ).

يكشف القرآن هنا عن أن التقوى وصية الله للأولين والآخرين من عباده، وهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته في حجة الوداع حيث قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة».

وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه. قال الحسن المتقون اتقوا ما حرم عليهم وأدوا ما افترض عليهم. وقال عمر بن عبدالعزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير.

وما أدق ما قال طلق بن حبيب في التقوى: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. حيث يجمع عناصر صحة الأعمال فهي لا بد أن تكون معينة ومنضبطة بأحكام كتاب الله وسنة رسوله، وهو المراد بقوله على نور من الله، ثم تحقق القصد من العمل وهو ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى فهي عمل مبني على علم ومستهدف رضوان العزيز الحكيم.

وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء » وفي رواية أخرى لغيره قال: «عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير»، وقد نص القرآن الكريم على أن الله مع المتقين حيث قال في خاتمة سورة النحل: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)، وجعل التقوى سبباً لتفريج الكرب والهم واستحقاق المدد والعون من الله تعالى حيث قال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً) الطلاق2 وكذلك سبباً لغفران الذنب حيث قال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) الطلاق 5، وقد وصف الله تبارك وتعالى الحال التي يجب أن يكون عليها من يريد أن يكون من المتقين في مواقع عدة من كتابه، ومن أجمع تلك المواضع قوله تعالى في سورة آل عمران: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).

فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى، وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ، ثم وصفهم بأنهم (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ) ولم يصروا عليها، فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحياناً كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها، فيستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة هي ترك الإصرار.

ومعنى قوله: (ذَكَرُواْ اللّه) أي ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه، وما توعد به على المعصية من العقاب فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال والاستغفار وترك الإصرار، وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) الأعراف201.

وقال تعالى: (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) الزمر33، وكذلك وصف الله تعالى واقع المتقين في سورة البقرة حيث قال: (ألم*  ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

ومن هذا العرض الموجز السريع يتضح لنا أن التقي ليس هو ذلك الخانع والخاضع المعتزل للمجتمع التارك للكفر والفسوق والفجور يعلوا في المجتمع ويحكم علاقاته، في حين ينصرف هو للتعبد والتحنث، بل التقي هو الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، المهتم بشؤون أمته، المتقيد بأحكام الإسلام في كل أعماله ومجمل علاقاته والساعي لسيادة حكم الله في الأرض وظهور دينه، وهو في الوقت ذاته عابد زاهد قائم بالليل صائم بالنهار تعلو وجهه عزة المسلم وقوة المؤمن، إنها الطاعة التامة الدائمة لله عز وجل في كل أمر وكل حال وفي كل زمان وكل مكان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *