العدد 61 - السنة السادسة ذو القعدة 1412 هـ, أيار 1992 م

كلمة الوعي: التمييز العنصري حتى في أجهزة القضاء الأميركية.. أحداث لوس انجليس والحضارة

الولايات المتحدة الأميركية زعيمة العالم الحرّ ورائدة الحضارة الغربية والتي تتغنى بحقوق الانسان، وتأمين حريات الشعوب، وتحقيق العدالة، ومحاربة الجهل والفقر والمرض تفضحها أوضاعها الداخلية.

هذا الانفجار الكبير من السود في لوس انجلوس وغالبية المدن الأميركية ضد البيض وضد الحكومة البيضاء يشير إلى مدى الاحتقان الذي يتأجج في صدور السود. إن عملية تبرئة الشرطيين الأربعة الذين ضربوا السائق الأسود لم تكن هي السبب في هذا الاحتقان بل كانت مجرد الشرارة التي فجرته.

وقد ذكرت السلطات الأميركية أنه قتل فيها 51 وجرح ما يزيد على 2000 واعتقل ما يزيد على 9000 وتعرض ما يزيد على 10 آلاف مبنى للتدمير والاحراق والنهب. وقد امتدت إلى ما يزيد عن عشر مدن أميركية، ووصلت إلى كندا، وكانت الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة كلّه. واعتبرها أكثر المراقبين أنها البداية. وأن النار تتوقد تحت الرماد، وأن تفكك الولايات المتحدة سيسر بوتيرة أسرع من تفكك الاتحاد السوفياتي. وإذا كانت الحضارة الغربية بزعامة أميركا قد ورثت المعسكر الاشتراكي بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فأيّة حضارة وأيّة دولة سترت العالم عند تفكك الولايات المتحدة الأميركية وسقوط الحضارة الغربية؟

نطرح هذا السؤال وعيننا على الحضارة الإسلامية وعلى دولة الخلافة الإسلامية الصاعدة.

في كلمتنا هذه لا نكتب تحقيقاً عن أحداث لوس انجليس بل نريد فقط أن نكشف الرابط بين هذه الأحداث وبين الحضارة الغربية (الأخلاق والقيم والمقاييس والمفاهيم عن الحياة) التي تقوم عليها أميركا.

النفعية هي مقياس الأعمال في الخضارة الغربية، وهذه النفعية هي السبب في هذه الأحداث. المهاجرون إلى أميركا من أوروبا أبادوا الهنودَ الحمرَ أهلَ البلد الأصليين لتستقر لهم ملكية القارة، واستقدموا الأفارقة كرقيق للعمل في الأرض، ومن جهود هؤلاء سمع العالم ما عرف لاحقاً بالمعجزة الاقتصادية الأميركية، ومنذ ذلك الحين بقي السود في نظر البيض الأميركيين كعبيد يتميزون قليلاً عن الحيوانات.

مجلة «تايم» الأسبوعية الأميركية كانت نشرت تحقيقاً عن كاليفورنيا في 18/11/91 وممّا قالت فيه: (كان البيض في عام 1950 يشكلون 90% من سكان الولاية، وزادت نسبة الأقليات الأفريقية واللاتينية والآسيوية وتراجعت نسبة البيض الانغلوساكسون. وبحسب احصاءات 1990 صار هؤلاء الانغلوساكسون يشكلون 57% فقط بدل 90% قبل 40 سنة) ومقابل هذا التغيّر السكاني الهائل حافظ البيض على مواقعهم ومراكزهم ووظائفهم السابقة، حسب قول مجلة «تايم»، فخلال 20 سنة انتخب ثلاثة ملونين فقط (أفريقيان وآسيوي) في مكتب المحافظة. ومن أصل 120 من مدراء الولاية هناك عشرة أفارقة وستة أسبان (لاتين) ولا يوجد سوى آسيوي واحد. ومن أصل 45 عضواً يمثلون الولاية في الكونغرس هناك أربعة أفارقة (سود) وثلاثة لاتين (أسبان) وآسيويان.

وهذا التمييز ليس محصوراً في ولاية أميركية واحدة بل هو متأصل في جميع الولايات المتحدة، الفقراء يزدادون فقراً والأغنياء يزدادون ثراءً. وأوضح تقرير البنك المركزي الأميركي (مجلس الاحتياط) أن أجمالي صافي ثروات واحدا في المائة من الأثرياء (843 ألف أسرة) هو 7،5 تريليون دولار، وأن إجمالي صافي ثروات 90% من الأميركيين (84 مليون أسرة) هو 8،4 تريليون دولار، أي أن الواحد في المائة يملكون أكثر مما يملك التسعون في المائة.

فبسبب الاستئثار بالثورة والاحتفاظ بمراكز السلطة يحرص هؤلاء البيض (الانغلوساكسون) على التمييز بين الأجناس والألوان من أجل أن لا يفلت الزمام من أيديهم. أي هي الأطماع والنفعية والأنانية، وإذا تشدقوا بالانسانية أو المساواة أو العدالة فإنهم كاذبون مخادعون (ميكيافليون).

وجاءت هذه الأحداث الآن لتفضح أميركا وشعاراتها الزائفة. وقد شمتت صحيفة «الشعب» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني بأميركا وخاطبت حكومة بوش قائلة: «أيها المدافعون عن حقوق الانسان والملوحون بهرواتهم وهم يدينون الدول الأخرى ويتدخلون في شؤونها.. لماذا لا تفتحون أعينكم لتروا الموقف الداخلي لديكم»؟

وقد وصلت جرثومة العنصرية إلى جهاز القضاء الأميركي، هذا الجهاز المفروض فيه رفع الظلم واحقاق الحق.. وقديماً قيل: إذا فقد الملح ملوحته فبماذا يملحون؟ وإذا غص المرء بالماء فبماذا يزيل غصته؟ هذا الجهاز صار في أميركا أداة عنصرية! ولا غرابة ما دامت النفعية هي مقياس الأعمال.

وما دام بوش نفسه يقول بأنه صُعق عندما علم أن المحكمة (التي يتألف كل قضاتها من البيض) قد برأت الشرطيين الأربعة البيض الذي اعتدوا على السائق الأسود وسببوا له اعاقة دائمة، وما دام 90% من السود و73% من البيض صُعِقوا أيضاً كما صُعِق بوش (حسب استفتاء أجري في أميركا)، وما دام بوش أعطى أوامره بإعادة النظر في أحكام قضاته ومحكمته.

فلماذا يصرّون على محاكمة الليبيين في محاكمهم؟ إنهم يرفضون أن تحاكمهم ليبيا، ويرفضون أن تحاكمهم أيّة دولة حياديّة في العالم، ويصرّون على أن يحاكموهم هم عند هؤلاء القضاة العنصريين الذين يحكمّون أهواءهم وشهواتهم ومصالحهم ومصالح قومهم، ويضربون عُرْضَ الحائد بالقيم والأخلاق والانسان!

فالحمد لله الذي فضحهم وأخزاهم وفضح قِيَمهم وأخلاقهم وحضارتهم □

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *