العدد 100 - السنة التاسعة – ربيع الأول 1416هـ – آب 1995م

الرأي العام

بقلم: محمد عبدالقادر – تونس

الرأي العام اسم على مسمى، إذ أنه الرأي الذي يغلب على مجتمع بمجموعه أو على فئة منه أو جماعة كبيرة، أو الذي يغلب على أمة بمختلف شعوبها، أو على مجموعة أمم فمثلا يقال الرأي العام السياسي ويراد به الرأي الغالب في الأوساط السياسية من أحزاب وحكام وصحافة سياسية ومفكرين سياسيين وحقوقيين، ويقال رأي عام اقتصادي وهو الرأي الغالب على المفكرين الاقتصاديين وعلى رجال البنوك والبورصة وعلى أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع التجارية والصناعية، وقد يقال مثلا الرأي العام الإسلامي وهو الرأي الغالب على الشعوب الإسلامية أو الأمة الإسلامية وهناك من يقول بالرأي العام الدولي وهو الرأي الغالب على المجموعة الدولية المنضوية مثلا في منظمة الأمم المتحدة. هذا من حيث التسمية.. أما نوعيا فنجد الرأي العام يوجد عادة حول فكرة معينة أو حول أشخاص.

أما الرأي العام حول فكرة معينة فقد تكون هذه الفكرة مبدأ مثل الإسلام، أو فكرة فرعية مثل الخلافة.. وقد تكون هذه الفكرة مشروعا استعماريا مثل ما يسمى بخطط التنمية والتخطيط الاقتصادي ويراد منها جعل الشعوب تقبل باقتراض حكامها الأموال من الدول العظمى والبنوك الدولية، مورطين بلدانهم في التبعية والاستعمار دون أن تثار حفيظة شعوب المنطقة.

وقد يكون الرأي العام حول شخص أو أشخاص معينين مثل إحاطة أشخاص بهالة من التقديس، وإبرازهم على أنهم منقذون ومصلحون أو أبطال وطنيون أو رواد حركة تحرر أو أبطال سلام.. وهذا النوع الثاني وقع اعتماده كثيرا في عالمنا الإسلامي إلى جانب النوع الأول. فالكفار خططوا لك صغيرة وكبيرة وأوجدوا خططا عريضة وتدخلوا في تفصيلات تلك الخطط حتى يضمنوا سيطرتهم وهيمنتهم الحضارية للإبقاء على مناطق نفوذهم .. ويستحضرنا الماضي كيف أحاطوا كمال أتاتورك بهالة من التقديس، وأبرزوه على أنه بطل تحرير (حرب اليونان) في نفس الوقت الذي أكثروا فيه من الشائعات والأراجيف حول خلفاء بني عثمان فكان هذا الرأي العام إلى جانب الانحطاط كافيا للقضاء على دولة الخلافة ولإيصال مصطفى كمال إلى سدة الحكم وجعل شعب تركيا يعظمه ويقدسه. وكذلك ما وقع مع عبد الناصر وبورقيبة محيطين إياهم بهالة من التقديس والخرافات لتنطلي على الناس.. وكلنا يتذكر عبد الناصر ورميه لليهود في البحر وكونه جاء لينقذ الأمة وليقضي على اللصوص البورجوازيين وعلى اللعب بثروات الأمة ونهبها، .. فصناعة الزعماء وإحاطتهم بمجد كاذب وببطولات على ورق وبإنجازات عظيمة وإبرازهم على أنهم عباقرة وأفذاذ يقل أن يجود الزمان بمثلهم.. كل ذلك كان صناعة غربية، الغرض منها ترويض الناس وإخضاعهم لنفوذهم ولسيطرة حضارتهم وقد كان كل رجال الحركات الوطنية وحركات التحرر في العالم وفي العالم الإسلامي خاصة بيادقا صنعهم الاستعمار على عين بصيرة، فعبرهم يمرر خططه ومشاريعه في مناطق نفوذه وبهم يحكم سيطرته ويضمن بقاء هيمنته وكل أنواع التبعية والاستعمار .. ومع الأسف فإن الترويج لزعامات لم يقتصر على الحكام الذين نصبهم الكفار فقط بل تجازوهم إلى مفكرين وأدباء وسياسيين أمثال من يسمون برواد الإصلاح كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وطه حسين وغيرهم كثير..

أهمية الرأي العام

الرأي العام تدرك أهميته وخطورته، حينما ندرك الناحية العملية التي تترتب على وجوده وهي إنه يمكن لمن استطاع أن يوجد رأيا عاما حول غايته أن يسخر الطاقات الفكرية والمادية للمجموعة البشرية التي وجد بينها هذا الرأي العام من أجل إنفاذ خططه وتحقيق غايته، فنجاح الحاكم في سياسة رعيته، أو حكومة في استمرار سياستها، أو حزب في احتضان المجتمع له ولأفكاره، أو دولة في إنجاح مخططاتها، أو استعمار في فرض هيمنته واستمرار نفوذه وإحكام سيطرته على مناطق نفوذه بإنجاح خططه ومشاريعه.. كل ذلك يعتمد إلى حد كبير على إيجاد الرأي العام الموالي.. ولذلك اهتمت الدول والأحزاب والحكام والساسة بالرأي العام، وأولته عناية فائقة وعملت على صياغته ولو بالكذب والدجل ( هذا خاص بالكفار وأذنابهم) ، فمثلا أمريكا بلد رأسمالي لما أرادت أن تحل محل الأوربيين في مستعمراتهم أوجدت رأيا عاما عن استقلال الشعوب وحرية تقريرها لمصيرها.. وهذا الرأي ساعد أمريكا في إخراج أوروبا من مستعمراته وبخلق رأيا عاما معينا حول التنمية الاقتصادية في الدول التي تحررت من أوروبا حلت أمريكا محلها بأسلوب استعماري جديد متمثل بالقروض والمساعدات والعمالة. وأثناء حرب الخليج قرأت أمريكا حساب الرأي العام الإسلامي فأوعزت للسعودية ومصر وسوريا بعقد مؤتمر قمة إسلامي يندد وينكر على العراق غزوها للكويت، واستصدرت فتوى علماء السلاطين بجواز الاستعانة بالكفار.. كل ذلك ليقبل المسلمون بالتدخل والغزو الغربي لبلاد المسلمين.. وقد خلقت الدول الكبرى أدوات متعددة لها من أجل إيجاد الرأي العام ورعايته مثل المنظمات الوطنية والإقليمية سياسية وعسكرية وثقافية، فجمعيات حقوق المرأة وكاتحادات العمال وكالجامعة العربية وكاتحاد دول المغرب العربي وكمنظمات حقوق الإنسان أو اليونسكو أو منظمة الفاو أو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن … كلها وجدت للتأثير في الرأي العام خدمة لأغراض الغرب وتنفيذا لمخططاته في إحكام سيطرته على المناطق التي تخضع لنفوذه أو على المناطق التي يراد النفاذ إليها ويلجأ لذلك ويتوسل بكل الوسائل المتاحة ولو كانت غير إنسانية.

ونتائج الرأي العام خطيرة للغاية انظروا مثلا حادثة لوكربي وما تبعها من حصار لليبيا بمشاركة كل دول العالم بما فيها الدول العربية ودول الاتحاد المغاربي، وانظروا مشكلة العراق والحصار المضروب عليها وشعبها يعاني من نقص المواد الأساسية والأدوية والآف الأطفال يموتون يوميا بفعل ذلك الحصار، كذلك كيف استصدرت دول الغرب قرارا بحظر الأسلحة عن البوسنة وهم يعلمون بأن ذلك الحظر لن يمس سوى المسلمين بما أن الدول الغربية نفسها تقوم بتسليح الكروات، والروس وحكام صربيا يقومون بتسليح الصرب. فلقد أوجد الحكام قاتلهم الله رأيا عاما لدى الأمة بعجزها عن مواجهة أعدائها وبضرورة احترام القانون الدولي وقرارات منظمة الكفر حتى غدا تقيدهم به مقدما على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما على مستوى الأوضاع الداخلية فكل الاتحادات وكل المنظمات وكل الرابطات تأتمر بأوامر الحكام للتصدي لك عمل أصيل ينزع إلى تكسير قيود التبعية والاستعمار. وانظروا إلى الرأي العام الذي أوجده الحكام حول العمل السياسي وطبيعته من أنها كذب وخداع ودجل ولا بد من أن يترفع الأتقياء عن الخوض فيها أو الاشتغال بها إلى أي شيء كاد لقد أدى إلى أخطر ما يمكن أن يصيب أمة من الأمم ألا وهو فساد الوسط السياسي وتلوثه بجريمة الخيانة العظمى لله ولرسوله وللمؤمنين وأصبحت الكلمات تعجز عن التعبير عن مدى الخسة والانحطاط الذي يتصف بها ولاة الأمور في ديار المسلمين.

وللإعلام دور هام وخطير في صياغة الرأي العام أو التأثير فيه، لأن وسائل الإعلام تخاطب المجموع، ولذلك فإن تأثيرها كبير ولذلك يعمد الحكام إلى اختيار المسؤولين عن الأجهزة المرئية والسمعية والصحافة اختيارا دقيقا.. لأن ما تقدمه هذه الأجهزة من خدمات تعجز عنها قوات البوليس والدرك والجيش. وقديما كان للشعر في البلاد العربية نفس الدور الذي لوسائل الإعلام الآن مما استدعى أن يقول فيهم الله عز وجل: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا). فمن الشعراء من بالغته ودقته وبراعته إذا قال بيتا فيه هجاء كان شعره أبلغ وأشد وقعا من ضرب الحسام المهند. ولذلك كان هؤلاء الشعراء هم الذين يصوغون الرأي العام،وكان الحكام يقربونهم ويجزلون لهم العطاء بغية استمالتهم من أجل مدحهم وتجنب هجائهم.. فالمتنبي مثلا قربه سيف الدولة، ووعده كافور الإخشيدي بالولاية، ولذلك عرف العرب القدامى بسوق عكاظ التي يتبارى فيها الشعراء ويقولون أجود ما عندهم، وعرفوا بالمعلقات التي كانوا يعلقونها في الكعبة، فلا غرابة أن نجد أنهم اهتموا بالأوزان والقوافي وبالتصوير الفني لأن ذلك يهيج المشاعر ويؤثر فيها فتنفعل به.

وإن بقاء الحكام في كراسيهم وهم الخونة والمجرمين وبقاء كل أنواع التبعية والارتباط بالاستعمار كل ذلك يرجع في قسط كبير منه إلى وسائل الإعلام التي قامت بالقسط الأكبر في تضليل الأمة وقلب الحقائق، ولولاها لسقطت الأقنعة ولاستطاعت الأمة أن تكسر القيود التي تكبلها ولنهضت من الحالة المتردية التي وصلت إليها بفعل حكامهم والدول التي نصبتهم.. وهذا الواقع الذي يلعبه الرأي العام في حياة الأمم يكشف لنا وجوب العناية بالرأي العام من قبل من يعمل للتغيير ويحاول النهوض بالأمة.

(يتبع العدد القادم إن شاء الله)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *