العدد 101 - السنة التاسعة – ربيع الآخر 1416هـ -أيلول 1995م

“فأذنوا بحرب من الله ورسوله” (2)

بقلم: م. خالد

أنواع الربا

1- ربا الفضل: أي الزيادة، وهو بيع المال الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين. كأن يبيعه مائة جرام من ذهب بمائة وعشرة منه، أو أقل أو أكثر.

2- ربا النساء: أي التأخير، وهو بيع المال الربوي بمال ربوي آخر إلى أجل. ولا فرق في هذا بين أن يكون المالان من جنس واحد أم جنسين مختلفين، وسواء كان متفاضلين أم متساويين.

3- ربا اليد: وهو أن يبيع المال الربوي بآخر له نفس الواقع، دون أن يشترط في ذلك أجل بنفس العقد ولكن يحصل التأخير في قبض البدلين أو أحدهما عن مجلس العقد بالفعل «وهو عملياً من النوع الثاني».

تفسير قوله تعالى: )لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً(

كان العرب في الجاهلية يقرضون المال إلى أجل معين مقابل زيادة محددة، فإذا ما حل الأجل، فإن كان عند المدين مال سدد دينه، وإلا زاد الدائن في الدين مقابل تأجيل السداد، وهكذا مع كل أجل للدين حتى يصبح القليل من الدين في ذمة المدين أضعاف أصله، وفي جامع البيان عن قتادة أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه. أي زاد البائع في المال مقابل تأخير مطالبته للمشتري. كما قالوا إن هذا الضرب من الربا هو ما غلب على تعامل العرب ولكنهم كانوا يتعاملون بغيره من الضروب. وأياً كان الحال الذي عهدته العرب في الربا فإن كل ربا سواء أكان ربا الجاهلية أم ربا العصر الحديث مآله إلى المضاعفة مع مرور السنين، وأوضح دليل على ذلك ديون ما يسمى بالعالم الثالث، فإن معظم دوله عاجزة عن تسديد ما عبر عنه بالفوائد، والتي بلغت مع السنين أضعاف أصل الدين، وكذلك أي ربا استثماري أو استهلاكي إن ترك دون تسديد لأي سبب فإنه لا يلبث أن يتضاعف، ولبيان ذلك نفترض وجود قرض بين دائن ومدين مقداره مئة ألف درهم بفائدة سنوية مقدارها 10% من القرض، فبحساب الفائدة البسيطة فإن على المستقرض سداد ما مقداره عشرة آلاف درهم سنوياً مع بقاء أصل الدين، أي إن الدين يصبح ضعف أصله خلال عشر سنوات. أما بحساب الفائدة المركبة فإن الدين يصبح ضعف أصله خلال سبع سنوات ونصف السنة تقريباً، فالمشاهد أن مآل الربا مهما كانت زيادته يتضاعف في المعاملات الربوية وما يؤيد هذا، أن الاختلاف في تفسير الآيات والأحاديث المتناولة لأحكام الربا عند الأئمة رضوان الله عليهم ما كان آتياً من حيث كون الزيادة في الربا تؤول إلى مضاعفة الدين، أو كانت لا تؤول إلى ذلك، فكلهم أجمعوا على أن تحريم الربا على إطلاقه سواء أكان بزيادة كبيرة تؤول إلى المضاعفة بسرعة أم بزيادة طفيفة لا يلمس المضاعفة فيها بالوقت القصير.

والحاصل أن النهي عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، ينصرف فهمه إلى الآية الكريمة، إلى أنه نهي عن كل الربا، أعهده العرب أم لم يعهدوه، مع ذكر حال معين منه، وسيتضح ذلك من استعراض آيات سورة البقرة والأحاديث الشريفة. ففي سورة البقرة قال جل من قائل: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا… وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) الآيات.

عبر الله عز وجل عن التصرف في الربا بالأكل، ثم رد سبحانه حجة المعترضين على التحريم بقولهم إنما البيع مثل الربا، أي أن الربا هو بيع فكيف يحرم، ذلك أن البيع والربا متشابها من جهة الإجراء (المعاملة)، بقول: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، فكأنما قال لهم سبحانه هذا هو حكمه، فكيف بعد هذه الصراحة في التحريم، والذم البليغ للمتصرف بالربا، كيف يتأتى لأحد أن يقيس الربا على البيع أو البيع على الربا لاشتراكهما في الوصف؟

أوجه تفسير قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

القول بالإجمال:

الأول: إن قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) هو من مجمل القرآن، أي لا يدل دلالة واضحة على تفصيل المحلل من البيع والمحرم من الربا، فلا يستفاد من نفس هذا النص دون اقترانه بغيره من النصوص حكم يعمل به. ذلك أن اللفظ المجمل هو كل لفظ لا يفهم منه شيء معين، بل ينصرف الفهم فيه إلى أكثر من شيء، وهو غير المبهم، فالمبهم ما لا تفهم له دلالة، أما المجمل فتفهم دلالته لكنها تشمل أكثر من شيء، فلا يمكن تحديد دلالة معينة له، ولا من اللغة، ولا من استعمال الناس عرفاً، إلا باقترانه بنص من الوحي يفصله ويوضحه، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) وقوله: (وَآتَوْا الزَّكَاةَ) فإن كلا من لفظ “حج” ولفظ “زكاة” من الألفاظ المجملة، ذلك أن الشرع عبر بهذين اللفظين عن عبادات معينة أمرنا بالقيام بها، لكنه لا يتضح من قوله: (حَجَّ الْبَيْتَ) وقوله: (وَآتَوْا الزَّكَاةَ) وجه القيام بالحج ولا وجه إيتاء الزكاة، لا من دلالة اللغة، ولا من دلالة العرف ولا من دلالة الشرع قبل البيان، فجاءت نصوص أخرى بينت الحج والزكاة كقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم»، فأبان وجه القيام بالحج من حيث كونه إحراماً وتجرداً من الثبات المخيطة من مكان معين، وطواف وسعي وغيرها من المناسك، كما جاءت النصوص فبينت الزكاة وكيفية إيتائها بتبيانها لنصاب الزكاة ومقدارها وفي أي الأموال تكون ولمن تعطى، وهكذا فصلت النصوص الشرعية مجمل لفظ حج ولفظ زكاة وبينت مدلولاتها وأوضحتها… وكذلك الحال في قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) فهو مجمل يحتاج إلى تفصيل لا يمكن معرفته إلا بالرجوع إلى الشرع في بيانه.

القول بالعموم:

الثاني: إن – أل – التعريف في قوله: “البيع” وقوله” “الربا” تفيد الجنس إذ هو الأصل في استعمالها. كما أن الله عز وجل لم يذكر بيعاً معيناً ولا ربا معيناً قبل قوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ليعود فهم البيع والربا لهما، فيحمل المعنى على إباحة كل البيع أي إباحة جنس البيع وتحريم كل الربا أي تحريم جنسه. وحين يقال بتحريم نوع معين من البيع أو يقال بإباحة نوع معين من الربا، لا بد من الإتيان بدليل آخر يخرج بيعاً معيناً من حيز الإباحة ويدخله في حيز التحريم أو يدخل رباً معيناً في حيز الإباحة بعد أن كان في حيز التحريم. فالآية على هذا الفهم عامة في كل البيع وكل الربا، والدليل العام في حكم البيع هو الإباحة فيشمل البيوع كلها جملة وتفصيلاً، والدليل العام في الربا هو التحريم، فيشمل الربا كله مجملة ومفصله. والدليل الذي يستثنى به حكم بيع معين، أو حكم ربا معين من الحكم العام لجنسه هو دليل التخصيص.

ومثال ذلك، فقد استثنى الشارع من حكم الإباحة لجنس البيع، بيوعاً معينة كبيع ما لا يملك وأعطاه حكم التحريم، بدليل من السنة فعن حكيم بن حزام قال: «قلت يا رسول الله يأتين الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه، ثم ابتاعه من السوق، فقال لا تبع ما ليس عندك» فهنا جاء الدليل وخص بالتحريم بيع ما لا يملكه البائع، بخلاف حكم الإباحة لجنس البيع.

وهكذا فالحكم العام للشيء يبقى عاماً منطبقاً على جميع أفراد ذلك الشيء ما لم يرد دليل آخر يخصص فرداً معيناً من أفراد ذلك الشيء ويخرجه عن حكم أصله.

وعلى هذا يكون مفهوم الآية أن كل بيع مباح وكل ربا حرام، ولا يخرج بيع من الإباحة إلا بدليل يخصه، كما لا يباح ربا إلا ما خصص بدليل، فالتحريم على الأصل والإباحة تحتاج إلى دليل.

الثالث: أن الألف واللام في قوله: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) للعد لا للجنس، ذلك أن كلامه هنا قد سبقه كلام آخر عن الربا فينصرف “الربا” المذكور في الآية هنا إلى الربا الذي سبق ذكره أو إيضاحه، أي سبق تعريفه. ومثل ذلك قول الله عز وجل: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ @ أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فهنا قد استثنى في قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) قوله: (وَالشُّعَرَاءُ) فكانت الألف واللام في قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) للعهد، أي لما سبقت الإشارة إليه، وهم الشعراء. ومثال آخر قول أحد التلاميذ لزملائه [جاء الناظر]، فينصرف الفهم إلى ناظر المدرسة لا أي ناظر لأنه هو الناظر المعهود المعروف، فهنا كانت الألف واللام في الناظر للعهد.

انتهز بعض المحدثين هذا الفهم وادعوا أن قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) مقصود به ربا العهد، أي ما عهدته العرب من ربا وهو ما نهى الله عنه في سورة آل عمران بقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فيكون قد أمر بترك هذا الربا، وهو الحرام أما إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة فغير منهي عنه. ذلك أن قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) في سورة البقرة قد سبقه ذكر الربا مع إيضاح له في سورة آل عمران، فينصرف الفهم إليه، فكأنه يقول حسب ادعائهم حرم عليكم الربا الذي سبق ذكره لكم وأبانه بأنه أضعاف مضاعفة.

وهذا الفهم الذي ادعوه مردود وذلك:

فساد القول بحصر الربا في الأضعاف المضاعفة:

لما سبق وأن قلنا أنه لو كان الربا المذكور في قوله: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) هو ربا العهد، فلا يعني ذلك أنه الربا المذكور في سورة آل عمران فحسب، بل هو كل ما ذكره من ربا في النصوص الشرعية من قرآن وحديث، لأن السنة هي وحي من الله مثلها مثل القرآن سوى أن القرآن الكريم وحي باللفظ والمعنى، والسنة وحي بالمعنى دون اللفظ، وقد وردت الآيات والأحاديث بأحكام مفصلة للربا واشتملت هذه الأحكام على ربا الفضل وربا النسيئة ولم تقتصر على مجرد المضاعفة، بل تناولت الزيادة القليلة والكثيرة من جهة كونها زيادة لا غير. وقوله تعالى في سورة البقرة: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) خير شاهد، فقد قطع الطريق على المدعين بأن القليل من الزيادة مباح، ذلك يتحديده طريق التوبة لمن أراد أن يرجع عن التعامل بالربا واستحلاله أن يأخذ أصل دينه فقط وأكد الله عز وجل هذا المعنى مرة أخرى بقوله: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) هو الأضعاف المضاعفة لما استقام إذن قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) وحاشا لله أن لا يستقيم كلامه. على أنه لو سلمنا جدلاً أن قوله تعالى: (وَحَرَّمَ الرِّبَا) ينصرف إلى قوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فيكون تعالى قد حرم بذلك مآل الربا، أي ما تنتهي إليه العملية الربوية من تعاظم الدين، وفي قوله: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) قد حرم ابتداء الربا، فيكون قد حرم الربا بنص القرآن بدايته ومآله.

أما أدلة حكم الربا من السنة النبوية، فلم يختلف الفقهاء على أنها تحرم الربا بقسميه، ربا الفضل وربا النسيئة، سواء أكانت الزيادة فيهما طفيفة أم مضاعفة، فكلها حرام. لكن الفقهاء اختلفوا في تفصيل المعاملات والأموال التي يقع فيها الربا، ذلك لاختلافهم في فهم علة التحريم في الأصناف المنصوص عليها.

شبهة القول بجواز ربا الفضل

أما ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بجواز ربا الفضل، عن أبي الجوزاء قال: “سألت ابن عباس عن الصرف يداً بيد، فقال: لا بأس بذلك اثنين بواحد، أكثر من ذلك وأقل. قال ثم حججت مرة أخرى، والشيخ حي، فأتيت، فسألته عن الصرف: فقال وزناً بوزن، قال، فقلت: إنك قد أفتيتني اثنين بواحد، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني، فقال: إن ذلك كان عن رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم” وهذا الحديث أخرجه أحمد، وابن ماجه باختصار والبيهقي، والسياق لأحمد وإسناده صحيح.

فواضح هنا أن ابن عباس حين قال بجواز ربا الفضل لم يكن قد علم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح. مثلاً بمثل سواء بسواء يداُ بيد… » الحديث. فقد صح عنه أيضاً أنه رجع عن قوله بإباحة ربا الفضل بعد أن راجعه في ذلك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. أما الحديث الذي كان استدل به ابن عباس رضي الله عنهما في تخصيص الربا في النسيئة وهو الحديث المروي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما «إنما الربا في النسيئة» وفي رواية «لا ربا فيما كان يداً بيد» فيتضح عند أخذه مع مغيره من الأحاديث أنه خاص بمختلفي الجنس من الأموال الربوية، كمبادلة الذهب بالفضة، فإنه ربا إن لم يكن يداً بيد. وهذا واضح من حديث الأصناف الستة المروي عن طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه فبقيته تقول: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».

كما جاء في نفس المعنى في غيره من الأحاديث. وقال بعض الفقهاء إن معنى الحديث «إنما الربا في النسيئة» أي أكثر الربا إنما يقع في النسيئة. فالربا يقع في النسيئة وفي غيرها لكن أبرزه إنما يقع في النسيئة وخلاصة القول هو جواز التفاضل في تبادل المالين الربويين المختلفين جنساً ولا يعتبر ذلك ربا إلا إذا أجل التقابض. فهنا الربا في التأجيل أي النسيئة، كما لا يجوز التفاضل في تبادل مالين ربويين متحدي الجنس وإن كان هذا التبادل في الحال، فهنا الربا في الزيادة (الفضل) عند اتحاد الجنس.

بناء على ما سبق عرضه نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية يحرمان ربا الفضل وربا النسيئة وربا اليد بنصوص ثابتة، قطعية في دلالتها، لا تترك مجالاً للشك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *